ماذا لو نُفِّذت حرب أكتوبر 1973 بأسلحة 2026؟ من يخدع من؟

ماذا لو نفذت حرب أكتوبر 1973 بأسلحة 2026.. من يخدع من؟

أ.د. غادة محمد عامر 
أستاذ الهندسة الكهربائية – كلية الهندسة – جامعة بنها
دكتوراة في الاستراتيجية والأمن القومي – الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من على منصة الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026 أن مصطلح “الذكاء الاصطناعي” سيحل محله في الوثائق الأمريكية مصطلح “الذكاء الفائق”، مؤكدًا أنه سيشجع هذه التقنية ولن يكبحها. وشكّل في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول “قوة الذكاء الفائق” لتنسيق جهود الحكومة الفيدرالية. ولم يحدد قائمة بتقنيات بعينها، لكن يمكننا أن نتخيل ما قد يعنيه ذلك في ميدان المعركة، وأن نطبقه على حرب أكتوبر 1973 المجيدة.

في السادسة إلا خمس دقائق من مساء السادس من أكتوبر/تشرين الأول، كان الجندي المصري يحمل خرطومًا ويهدم ساترًا ترابيًا وصفه خبراء الجيوش بأنه لا يُقهر. تخيّل المشهد نفسه بعد 53 عامًا، لكن على الجانب الآخر من القناة عين لا تنام: قمر اصطناعي ونموذج ذكاء فائق يحلل كل بكسل خلال أجزاء من الثانية (البكسل Pixel اختصار لعبارة “Picture Element” أي “عنصر الصورة”، وهو أصغر وحدة تكوّن أي صورة رقمية). ولا يكتفي النموذج بوصف ما يراه، بل يتنبأ بما سيفعله الخصم قبل أن يفعله. فهل كان الجندي قادرًا على خداع عقل أذكى منه؟

هذا مقال تخيّلي، وليس تاريخًا بديلًا ولا وصفًا تقنيًا لأسلحة حقيقية. إنه محاولة للإجابة عن سؤال غريب وممتع: ماذا لو اضطرت أعظم خديعة في تاريخنا الحديث إلى خداع “أركان حرب رقمي” يحاكي ملايين السيناريوهات في الدقيقة؟

في هذا التخيل، لا تخفي القيادة المصرية التعبئة، فذلك شبه مستحيل مع أقمار تجارية ترصد أي دبابة خلال ساعات. تقوم الخطة على إغراق الخوارزمية بالضوضاء حتى تكذب على نفسها. فتُصنع نماذج حرارية مزيفة لمعدات في مواقع بعيدة عن نقاط العبور الحقيقية، وتُنفَّذ مناورات حقيقية متكررة تعلّم النموذج أن التعبئة الكثيفة روتين فيرفع سقف إنذاره، وتُسرَّب وثائق بعناية فتُصنَّف “موثوقة” لدى أنظمة تحليل المصادر المفتوحة وتشير إلى تأجيل أي عملية.

وهنا المفارقة الكبرى: كلما زاد ذكاء الآلة زاد إيمانها بالمنطق. فالعقل الفائق يرى أن مصر لا تملك قدرة ضرب العمق، وأن الحرب بلا ضرب العمق انتحار، فيستنتج ببرود رياضي أن الهجوم مستبعد. إنه المفهوم الإسرائيلي القديم نفسه، لكن بقوة حسابية خارقة، وبثقة أعلى، وبمسافة أبعد عن الشك.

لذلك تبني مصر في هذا السيناريو “ذكاءً مضادًا” وظيفته الوحيدة اختبار خداعها. هو نظام يلعب دور الخصم، ويقرأ الخطة كما سيقرؤها العقل الفائق المعادي، ويعدّل الضوضاء مرة بعد مرة حتى تخرج الصورة النهائية مقنعة لخوارزمية لا تنخدع بسهولة. وهكذا يتحول الصراع من مواجهة بين جيشين إلى مواجهة بين عقلين اصطناعيين، يحاول أحدهما أن يتنبأ، ويحاول الآخر أن يصنع الواقع الذي ستخطئ فيه النبوءة. وخلف الشاشات يبقى الإنسان هو من يقرر ما الذي يُقدَّم للآلة بوصفه حقيقة.

تبقى الصواريخ الفرط صوتية القليلة المتاحة صامتة في الخلفية، لأن استخدامها المبكر يترك بصمة إطلاق يرصدها أي قمر فورًا. فتُحفَظ ورقة ردع لاحقة، تضحيةً بالقدرة الأعلى حفاظًا على المفاجأة، بالمنطق نفسه الذي حكم عام 1973.

عند ساعة الصفر، لا تحمل الموجة الأولى من المسيّرات صواريخ، بل أجهزة تشويش تُغرق الرادارات بإحداثيات مزيفة. ويُستخدم ليزر منخفض الطاقة لأول مرة أداةَ تعمية مؤقتة لحساسات مسيّرات الاستطلاع المعادية، فيمنع وصول صورة حية للعبور إلى القيادة. أما العبور نفسه، الجندي والقارب والسلم، فيبقى فعلًا بشريًا خالصًا لا بديل تقنيًا له.

بعد ذلك تُطلق ضربة نبضة كهرومغناطيسية محدودة فوق عمق ضيق خلف خطوط العدو. والهدف ليس إحداث عمى شامل يشعل حربًا أوسع، بل خلق نافذة من الدقائق تُربك تدفق المعلومات في أحرج لحظة. وبالتوازي، تستهدف وحدات سيبرانية الأنظمة اللوجستية المدنية المرتبطة بالجيش المقابل، فتتباطأ حركة الاحتياط دون بصمة عسكرية تستدعي ردًا فوريًا.

وتشارك في هذه الحرب “وكلاء من الذكاء الفائق” يطوّرون أنفسهم أثناء القتال. يبحثون عن الثغرات، ويكتبون أدوات الاختراق ويعدّلونها في دقائق، بسرعة لا يلحقها أي فريق بشري، بينما تنسّق أسراب المسيّرات حركتها ذاتيًا دون انتظار أمر من قائد. فتتحول الجبهة إلى كائن واحد يفكر ويتكيّف.

غير أن هذه السرعة نفسها نقطة ضعف، فكل ما يتعلمه الوكيل من بيئة مسمومة بالبيانات المضللة يتحول إلى خطأ يتكرر بكفاءة عالية. وحين يحاول العقل الفائق المعادي اختراق شبكة القيادة المصرية، يكون الرد بشريًا، إذ تُنقل أهم الأوامر بخط اليد أو شفهيًا خارج أي شبكة رقمية، تمامًا كما أبقت القيادة الحقيقية خطة “بدر” في أذهان عدد محدود من الضباط. وأفضل دفاع ضد الاختراق أحيانًا ألا تكون المعلومة رقمية أصلًا.

وفوق ذلك كله، يُشوَّش على أقمار استطلاع بعينها أثناء مرورها فوق القناة، فترسل بيانات متأخرة دون تدمير مادي يستدعي تصعيدًا في المدار. ويكفي ذلك لتأخير تأكيد الصورة حتى تثبت رؤوس الجسور.

في هذه الأثناء ينتشر فيديو “شديد الواقعية” يُظهر انسحابًا مصريًا مبكرًا، مولَّدًا بالكامل بالذكاء الاصطناعي التوليدي ليصل إلى غرف العمليات قبل الجمهور. ويمكن لفرق التحقق التابعة للعدو أن تكتشف خللًا في انعكاس الضوء على الماء خلال أقل من ساعة، لكن تلك الساعة تكفي لإرباك التغطية الدولية. لم يعد الخداع أن تجعل خصمك لا يرى شيئًا، بل أن تجعله يرى كل شيء ولا يعرف أيّها الحقيقي.

ثم تأتي اللحظة الأخطر. يرصد نظام الدفاع الجوي الذي يديره الذكاء الفائق المعادي ما يبدو له “سربًا من الصواريخ فائقة السرعة” متجهًا نحو أهدافه، ويقدّر بنسبة ثقة 94% أن الخطر حقيقي، فيوصي بالرد الفوري بأقصى قوة. يتوقف عندها ضابط بشري عن تنفيذ التوصية لثوانٍ معدودة، لأنه لاحظ أمرًا بسيطًا لم تلتفت إليه الآلة: ظهر هذا “السرب” في اللحظة نفسها التي تمر فيها رحلة إغاثة مدنية معروفة مسبقًا. وبعد التدقيق يتضح أن الإشارة خدعة إلكترونية مصمَّمة عمدًا لتدفع الآلة إلى رد مبالغ فيه يشعل التصعيد. رأت الآلة النمط بدقة مذهلة، لكنها لم تسأل: لماذا يريدني أحدهم أن أرى هذا النمط بالذات؟ هذا السؤال وحده بقي إنسانيًا.

في الليلة التي عبر فيها الجنود المصريون البواسل القناة، لم ينتصر السلاح الأحدث، بل انتصرت الفكرة الأذكى. ولذلك يمكن القول إن أقوى عين في العالم قد تُخدع إذا عرفتَ ما الذي تتوقع أن تراه. وهذا ما يعلّمنا إياه أكتوبر في زمن الذكاء الفائق. ستزداد الآلات سرعة وقدرة، وستحلل كل بكسل وتحاكي ملايين السيناريوهات، لكنها ستظل أسيرة ما تعلّمته وما أُطعمته من بيانات.

وفي حرب يملك فيها الجميع الأقمار والخوارزميات، لن يفوز من يرى أكثر، بل من يفهم كيف يرى خصمه. ماتت المفاجأة الكلاسيكية، لكن مفاجأة المعنى لا تزال حية: أن تترك عدوك يرى كل شيء، ثم يصل بثقة تامة إلى الاستنتاج الخطأ. ولذلك فأخطر ما في عصر الذكاء الفائق ليس أن تفكر الآلة بدلًا منا، بل أن نكفّ نحن عن طرح الأسئلة: ماذا يريد الخصم؟ ومتى سيتحرك؟ وما الذي يحاول أن يجعلنا نعتقده؟ وما دام هذا السؤال حيًا في عقل إنسان، سيبقى لنصر أكتوبر مكان في كل زمن.