أ.د. غادة محمد عامر
زميل ومحاضر بالاكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
أستاذ هندسة النظم الذكية – جامعة بنها
صرح الرئيس دونالد ترامب بعد اعتقال الرئيس الفينزويلي في 3 يناير الماضي بأن القوات الأمريكية استخدمت سلاحًا يُدعى “المُشتِّت” خلال الضربة العسكرية على فنزويلا. وفي حديثه لصحيفة “نيويورك بوست”، أوضح ترامب أن السلاح مصمم لتعطيل البنية التحتية الدفاعية للعدو، وأنه “ممنوع” عليه الحديث عن ذلك. وقد صرح الرئيس ترامب سابقاً لقناة “نيونين” الإخبارية الأمريكية بأنه تم استخدام “سلاح صوتي” في العملية. وان هذا السلاح يحتوي على أنظمة تُصدر أصواتاً عالية النبرة وتأثيرات مبهرة لإصابة الأشخاص بالصمم أو العمى أو التشوش مؤقتاً أثناء العملية. وانه يتم نشر جميع هذه الأنظمة بشكل فردي أو مجتمعة لتحقيق التأثير المطلوب المتمثل في إرباك الناس وتعطيل الدفاعات العسكرية. وبعد أيام قليلة من القبض على “مادورو”، نشرت المتحدثة باسم البيت الأبيض “كارولين ليفيت” تعليقات منسوبة إلى حارس أمن فنزويلي زعم فيها أن الولايات المتحدة “أطلقت شيئاً” خلال العملية كان “يشبه موجة صوتية شديدة للغاية”. وأضاف حارس الأمن: “فجأة شعرت وكأن رأسي سينفجر من الداخل. بدأنا جميعاً ننزف من أنوفنا. وكان بعضنا يتقيأ دماً. وسقطنا على الأرض عاجزين عن الحركة”، هذه التصريحات تؤكد استخدام الولايات المتحدة لسلاح جديد، فما قد يكون هذا السلاح؟ وكيف يعمل؟
لقد أفاد خبراء لصحيفة “إنديانا إكسبريس” بأن السلاح الذي اطلق عليه الرئيس “ترامب” اسم “المشتت” قد يكون سلاحاً واحداً أو أكثر، وقد يضم أكثر من قدرة، فقد يشمل مجموعة من أنظمة الحرب الإلكترونية المتطورة التي يمكنها تعطيل الدفاعات الجوية للخصم، بما في ذلك الرادارات وأجهزة الاستشعار، لذلك كان لديه القدرة على تعطيل أنظمة الدفاع العسكرية الفنزويلية بشكل جماعي في منطقة شديدة التحصين. ومن قدرات هذا السلاح أنه يحتوي على عدة أنظمة منها نظام الرفض النشط (ADS) Active denial system الذي يُعرف أيضاً باسم شعاع الحرارة، وهو سلاح طاقة موجهة قادر على التأثير على الأشخاص من خلال اختراق جلدهم بعمق كافٍ لإحداث إحساس حارق، قد يُجبرهم ذلك على الفرار من المكان، ويُسبب لهم الارتباك والذعر . سبق لشبكة CNN أن ذكرت أن نظام ADS، وفقًا للجيش الأمريكي، هو سلاح غير فتاك يطلق شعاعًا غير مرئي من الموجات الكهرومغناطيسية يصل مداه إلى ما يزيد قليلاً عن نصف ميل. يخترق هذا الشعاع جلد الإنسان ويُحدث إحساسًا بالحرارة يدفع الناس إلى الابتعاد عنه.

كذلك يحتوي السلاح على نظام مولد حلقة الدوامة Vortex ring generator الذي يعتمد على إطلاق حلقات هوائية عالية الطاقة وهي تشبه حلقات الدخان، ولكنها تتحرك بسرعة كبيرة جداً وقوة اندفاع هائلة. حيث يستخدم السلاح انفجارات صغيرة (غاز الأكسجين والبروبان أو خراطيش فارغة) لتوليد ضغط مفاجئ داخل غرفة احتراق. يُدفع الغاز بسرعة عبر فوهة مصممة خصيصاً، حيث يؤدي الاحتكاك مع حواف الفوهة إلى دوران الهواء حول نفسه ليشكل حلقة دائرية مستقرة. تتميز هذه الحلقات بأنها تحافظ على شكلها وطاقتها لمسافات طويلة نسبياً قبل أن تتلاشى. لقد صُمم هذا السلاح لإسقاط الأفراد أرضاً أو دفعهم للتراجع دون التسبب في إصابات دائمة، حيث أثبتت التجارب قدرته على إسقاط “مانيكان” يزن 75 كجم من مسافة 10 أمتار. كذلك يمكن استخدامه لإطلاق مواد مثل الغاز المسيل للدموع أو صبغات العلامات أو الروائح الكريهة (مثل رائحة السكونك) بدقة نحو هدف محدد دون التأثير على المنطقة المحيطة بالكامل. كما يمكن ضبط وتيرة الإطلاق لتتوافق مع ترددات رنين أعضاء الجسم البشري، مما يزيد من الشعور بعدم الارتياح والاضطراب لدى المستهدف، وهذا يسبب الارتباك، وفي بعض الحالات، الغثيان لدى الأهداف. وكذلك قد يحتوي سلاح ” المشتت” على نظام أجهزة التنبيه الصوتي (LRAD) Acoustic hailing devices التي تُعرف أيضًا باسم المدافع الصوتية، ويمكن لهذه الأنظمة أن تصدر صوتًا عالي الاتجاه وثاقبًا، وهو صوت عالٍ بما يكفي لإرباك الناس عن طريق التسبب في الغثيان والدوار والارتباك، لقد كان جهاز (LRAD) من الأسلحة التي استخدمها الجيش الأمريكي خلال حرب العراق، ويُقال إنه قادر على إطلاق موجات صوتية تصل شدتها إلى 150 ديسيبل ويمكن ضبطه أيضًا لإصدار موجة صوتية قوية ومركزة في منطقة محددة. ووفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها ، فإن هذه الشدة تُعادل تقريبًا صوت المفرقعات النارية، وهي قادرة على إلحاق الضرر بالأذنين والتسبب في ألم شديد. ورغم أن تثبيط السمع الناتج عن أجهزة LRAD غير مميت، إلا أن التعرض المطول لها قد يؤدي إلى فقدان سمع مؤقت أو دائم، بالإضافة إلى أعراض أخرى كالتشوش الذهني والصداع النصفي. وقد أفادت تقارير من فنزويلا عن جنود ينزفون ويتقيؤون أو يُصابون بالعجز، يُرجح أن يكون سبب ذلك استخدام أجهزة الموجات الصوتية عالية الكثافة، فمع تطور التكنولوجيا الصوتية، ابتكرت البشرية عدة طرق لاستخدام قوة الضوضاء والإزعاج كسلاح. ورغم أن الصوت لا يمتلك عادةً القوة المادية للأسلحة التقليدية، إلا أنه يُمكن استخدامه بفعالية مدمرة ضد مجموعة متنوعة من الأهداف. من التأثير سلبًا على معنويات الأهداف ورفع معنويات الحلفاء، إلى إلحاق الألم الجسدي وردع الأعداء، تتمتع الأسلحة الصوتية بفائدة كبيرة في عمليات القمع غير المميتة. تُعدّ الأسلحة الصوتية تقنية حديثة نسبيًا شهدت استخدامات متنوعة، وتتميز التقنية المتطورة وراء هذا الجانب من الترسانة العسكرية بفرادتها الشديدة مقارنةً بالأسلحة الحديثة الأخرى. كذلك من ضمن أنظمة جهاز “المشتت” نظام أجهزة الإبهار البصري Visual dazzlers وهي أسلحة ليزرية نابضة عالية الكثافة قادرة على إحداث تأثير مبهر على الشخص، مما يجعله يفقد تركيزه في ساحة المعركة.
أعتقد أصبح من الواضح أنه مستقبل الحروب يتجه نحو نماذج غير تقليدية تعتمد بشكل متزايد على تقنيات علمية متقدمة مثل الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي الموجه للدفاع والهجوم، وهندسة المواد المتقدمة، والتقنيات الصوتية والحرارية والالكترونية الحساسة. وإن قدرة الدول على تطوير واستخدام أنظمة دفاع وهجوم مبنية على علوم دقيقة وتكنولوجيات ناشئة ستحدد ميزان القوة والاستقرار الدولي أكثر من الأسلحة التقليدية. لذا يصبح الاستثمار في البحث العلمي والتعليم الهندسي وتطوير السياسات لامتلاك التقنيات الجديدة التي تستخدم في السلم والحرب أمراً حاسماً لضمان الأمن الوطني والإقليمي، كما ينبغي أن يكون اختيار المسؤولين في كل قطاعات الدولة بناءً على خبراتهم العلمية الحقيقية وعمقهم العلمي، لا على القاب فخرية أو مزيفة أو بناء على حساباتهم المالية، لضمان اتخاذ قرارات مستنيرة تتعاطى مع التحديات التقنية والأمنية بروح المسؤولية والشفافية، التي تحمي الوطن في ظل عالم لا مكان فيه إلا لمن يمتلك العلم.




