العقيد الركن م. ظافر مراد
نفّذت مقاتلة إف-22 رابتور (F-22 Raptor) التابعة للقوات الجوية الأميركية اختباراً نوعياً في قيادة الطائرات القتالية التعاونية، بعدما أصدر طيارها توجيهات تكتيكية إلى المسيّرة “واي إف كيو-44 إيه فيوري (YFQ-44A Fury)”، التي طوّرتها شركة أندوريل (Anduril)، ويمثّل الاختبار خطوة مهمة في تطوير مفهوم العمليات الجوية المشتركة بين الطائرات المأهولة وغير المأهولة، حيث يتولى الطيار توجيه المهمة، فيما تتولى برمجيات الاستقلالية على متن المسيّرة تفسير الأوامر وتنفيذها.

وفي إعلان نُشر في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أوضحت القوات الجوية الأميركية أن الاختبار أُجري في وقت سابق من الشهر، انطلاقاً من قاعدة إدواردز الجوية في كاليفورنيا. ووفقاً لما نقلته مجلة (Air & Space Forces). في التاريخ نفسه، أرسل طيار الرابتور توجيهات تكتيكية إلى الطائرة غير المأهولة، التي نفّذت مناورات ديناميكية ومهام قتالية محاكاة بواسطة برنامج التشغيل الذاتي الموجود على متنها. وأكدت أندوريل أن هذه هي المرة الأولى التي تُختبر فيها هذه القدرة بين مقاتلة إف-22 وطائرة فيوري من مرحلة ما قبل الإنتاج.
تكتسب التجربة أهميتها من الانتقال من مجرد تحليق طائرة مأهولة إلى جانب مسيّرة إلى اختبار علاقة قيادة وتوجيه أثناء الطيران. وبحسب أندوريل، استخدم الطيار وصلة بيانات تكتيكية لإرسال خطة مهمة محدّثة إلى فيوري، ما أتاح له توجيهها من قمرة القيادة من دون الحاجة إلى قيادة مباشرة لكل حركة على حدة. ومع ذلك، فإن الاختبار يثبت قدرة محددة ضمن بيئة تجريبية، ولا يعني أن المنظومة استكملت جميع متطلبات العمل القتالي العملياتي.
تندرج التجربة ضمن برنامج الطائرات القتالية التعاونية (Collaborative Combat Aircraft – CCA)، الذي تسعى القوات الجوية الأميركية من خلاله إلى إدخال مسيّرات قادرة على العمل مع المقاتلات المأهولة، وتوسيع قدرتها على الاستطلاع والهجوم والحرب الإلكترونية وحمل الأسلحة. وتتمثل الفكرة في توزيع وظائف القوة الجوية على مجموعة من المنصات، بدلاً من تحميل المقاتلة المأهولة وحدها أعباء الاستشعار والتنسيق والاشتباك.
وفي 17 يونيو/حزيران 2026، أعلنت القوات الجوية الأميركية اختيار شركتي أندوريل وجنرال أتوميكس لتطوير وإنتاج الدفعة الأولى من هذا البرنامج، اعتماداً على طائرتي “واي إف كيو-44 إيه فيوري” و”واي إف كيو-42 إيه فينجنس” على التوالي. وذكرت مجلة (Air & Space Forces) أن العقود تستهدف بناء أسطول أولي لا يقل عن 150 طائرة مجتمعة بحلول نهاية العقد، ضمن مسار تطوير تدريجي للقدرات والاستقلالية البرمجية.

ويعكس إشراك إف-22 في التجربة توجهاً إلى الاستفادة من المقاتلات الموجودة في الخدمة قبل اكتمال إدخال المنظومات المستقبلية. فالرابتور مصممة أساساً لتحقيق التفوق الجوي، ويمكن أن يتيح ربطها بمسيّرات تعاونية توسيع نطاق الاستطلاع وتوزيع بعض المخاطر والمهام على منصات غير مأهولة؛ وتبقى قيمة هذا الربط مرتبطة بمدى تكامل أنظمة الاتصال والقيادة، وبقدرة الطيار على إدارة المهمة من دون زيادة مفرطة في عبء العمل داخل قمرة القيادة.
وتبرز هنا مسألة واجهات التحكم؛ فإصدار الأوامر إلى مسيّرة أو أكثر خلال مواجهة جوية معقدة يتطلب عرض المعلومات المهمة بوضوح، وتحديد أولويات المهام، ومعالجة الإنذارات بسرعة؛ وقد تكون الأجهزة اللوحية وواجهات اللمس حلولاً أولية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات كفاءة إدارة عدة منصات في بيئة تتسم بالتشويش وانقطاع الاتصالات وضيق الزمن المتاح لاتخاذ القرار.
لا يقتصر السباق الدولي على الجناح التعاوني على الولايات المتحدة، ففي أستراليا، تطوّر شركة بوينغ طائرة “إم كيو-28 غوست بات (MQ-28 Ghost Bat)” بالتعاون مع القوات الجوية الملكية الأسترالية؛ وفي 7 يوليو/تموز 2026، أعلنت بوينغ مشاركة الطائرة في تمرين (Exercise Valiant Shield) إلى جانب مقاتلات إف-35 وإف-15 إي إكس وطائرات أخرى أميركية وحليفة، في خطوة لاختبار دمجها ضمن بيئة عمليات مشتركة متعددة المنصات.

وفي أوروبا، أعلنت إيرباص في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026 تنفيذ أول رحلة أوروبية للمسيّرة الأميركية “إكس كيو-58 إيه فالكيري(XQ-58A Valkyrie)”، تمهيداً لدمج نظام المهام الأوروبي MARS واختبار التكامل مع مقاتلات يوروفايتر. ويكشف هذا المسار عن محاولة أوروبية لتسريع تطوير قدرات قتالية تعاونية مع الاحتفاظ بدور وطني في أنظمة المهام والسيطرة والتحديث.
أما الصين، فقد عرض سلاح الجو التابع لجيش التحرير الشعبي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مشاهد لطائرة “جيه-20” المأهولة تحلّق مع المسيّرة الشبحية “جي جيه-11 (GJ-11)”، وفق تقرير نشرته صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” في 11 نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام. وتُظهر المشاهد تقدماً في دمج الطائرات المأهولة وغير المأهولة، وإن كانت لا تكفي وحدها لإثبات مستوى التحكم التكتيكي أو الجاهزية العملياتية للمنظومة.

وفي روسيا، يجسّد مشروع المسيّرة الشبحية “إس-70 أوخوتنيك (S-70 Okhotnik)” اتجاهاً مماثلاً، وهو كان السباق في هذا المجال، إذ طُوّر لاختبار العمل بالتنسيق مع المقاتلة “سو-57 (Su-57) ” قبل سنوات غير أن المقارنة بين البرامج ينبغي أن تراعي اختلاف مراحل التطوير، وطبيعة الاختبارات المعلنة، ومستوى النضج الفعلي لأنظمة القيادة والاستقلالية، بدلاً من مساواة التحليق المشترك بالقدرة على تنفيذ مهام قتالية متكاملة.

يمهّد هذا النمط من القتال لانتقال القوة الجوية من تشكيل تقليدي تقوده المقاتلات المأهولة إلى شبكة قتالية موزّعة، تتعدد فيها منصات الاستشعار والتشويش وتركيز الذخائر والأسلحة، بينما يحتفظ الطيار بدور محوري في تحديد الأولويات وتوجيه المهمة، وتكمن القيمة العملياتية في إمكانية دفع المسيّرات إلى مناطق أكثر خطورة أو أبعد عن المقاتلة الأم، بما يوسّع نطاق الاستشعار والتأثير ويمنح القوة الجوية خيارات إضافية لتوزيع المخاطر.
أما المدى العملياتي، فلن يتحدد بمدى طيران المسيّرة وحده، بل بمدى تكامل المدى مع الاتصالات الآمنة، والتحكم، وتبادل البيانات، والوقود، والحمولة، والقدرة على العمل عند التشويش أو فقدان الاتصال. وإذا أمكن للمقاتلة المأهولة إدارة مسيّرات تعمل على مسافات مختلفة، فقد يتشكل مجال اشتباك أوسع، تتوزع فيه وظائف الكشف والتضليل والاستنزاف والهجوم على محاور متعددة.
وسيرفع هذا التوزيع المستوى الديناميكي للمواجهة الجوية؛ إذ سيضطر الخصم إلى التعامل مع عدد أكبر من المسارات والأهداف والتهديدات المتزامنة، مع زيادة الضغط على أنظمة الدفاع الجوي وسلاسل اتخاذ القرار. لكن الميزة لن تكون آلية: فالتشويش الإلكتروني، وتأخر البيانات، وتضارب المهام، والعبء المعرفي على الطيار، كلها عوامل قد تقلّص الفائدة إذا لم تُعالج في التصميم والتدريب والعقيدة العملياتية.
لا يقتصر التنافس على صناعة المقاتلة المستقبلية المتفوقة بقدراتها الذاتية فقط، بل على منظومات القتال الجوي الشبكية المتنوعة والمتعددة المنصات، وعلى فاعلية عملها في قيادة فريق جوي موزّع، وتحويل قدراتها إلى تأثير قتالي متزامن، ومن ينجح في دمج قدرات هذه المنظومة إلى تاثير عملياتي وإستراتيجي متفوق، سيمتلك أفضلية في تشكيل معركة جوية أوسع مدىً وأسرع إيقاعاً وأكثر تعقيداً على الخصم.


