أطلقت ألمانيا جهداً جديداً لتطوير سلاح ليزر محمول جواً، بعدما تعاقدت مع شركة “إم بي دي إيه دويتشلاند” (MBDA Deutschland) لبناء نموذج تجريبي على شكل حاوية (Pod)، يهدف إلى إرساء الأسس التقنية لقدرات طاقة موجهة مستقبلية على متن طائرات سلاح الجو الألماني (لوفتفافه). ويمثل العقد أول خطوة رسمية لبرلين في مجال أسلحة الليزر الجوية، لكنه يبني على سنوات من الاستثمار الألماني وتجارب الليزر البحرية.
وأعلنت MBDA، في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، أن المكتب الاتحادي لمعدات الجيش الألماني وتكنولوجيا المعلومات والدعم (BAAINBw) كلّفها بتنفيذ المشروع، الذي يتمحور حول نظام تجريبي بشكل حاوية، مع تصميم مكوناته الأساسية بالفعل. وبحسب الشركة، يتمثل الهدف بعيد المدى في تطوير قدرة ليزر جوية قادرة على إسقاط الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز المعادية، فيما تحدثت عن استخدامات أخرى محتملة. وأظهر تصور فني مرافق للإعلان طائرات مسيّرة كبيرة شبحية تشبه المقاتلات، تحمل حاويات ليزر أسفل جسمها.
ووصفت الشركة تطوير الليزر الجوي بأنه أصعب مراحل تقنيات أسلحة الليزر، نظراً لمتطلبات الحجم والوزن والقدرة على تحمل الضغوط المرتبطة بالطيران. في المقابل، لم يتضمن الإعلان تفاصيل تُذكر عن المواصفات التقنية للنموذج التجريبي، أو الطائرة المضيفة المقصودة، أو قدرة الليزر، أو الجدول الزمني المتوقع للتطوير، كما لم يُكشف عن قيمة العقد أو مدته.
ويستند النموذج الجوي إلى جهد ألماني أطول في مجال الطاقة الموجهة. فبحسب MBDA، تُعد تقنية الليزر أولوية استراتيجية للبحث والتطوير في ألمانيا منذ عام 2019، وصُنّفت تقنية وطنية رئيسية ضمن استراتيجية الأمن والصناعات الدفاعية الحكومية. وتقول الشركة إنها عملت على التقنيات اللازمة منذ عام 2008، ونفّذت سلسلة من العروض والتجارب، وإنها أثبتت وظيفة منظومة ليزر متكاملة منذ عام 2012، كما طورت أنظمة ومؤثرات ليزرية لمختلف أفرع القوات المسلحة الألمانية. وبحسب تحليل منشور حول المشروع، قد تمنح هذه القاعدة التقنية، بما فيها الخبرة في مصادر الليزر والتحكم بالشعاع والتتبع وإدارة الحرارة، الشركة أسبقية في تطوير النظام الجوي.
ومن أبرز المحطات التعاون مع “راينميتال”، إذ حصلت الشركتان عام 2021 على عقد من المكتب الاتحادي نفسه لتطوير نموذج تجريبي لسلاح ليزر بحري للبحرية الألمانية. وجرى تركيب النظام على متن الفرقاطة “ساكسن” من الفئة F124 في يونيو/حزيران 2022، وخضع لسلسلة اختبارات بحرية واسعة استمرت حتى سبتمبر/أيلول 2023. وخلال ست حملات اختبار امتدت قرابة عام، نفّذ النموذج أكثر من 100 عملية إطلاق تجريبية على أهداف مختلفة في ظروف متزايدة التعقيد، شملت تتبع أهداف شديدة المناورة ودمج أجهزة الاستشعار وأنظمة القيادة والتحكم والاشتباك مع الأهداف بالليزر عالي الطاقة. كما أُسقطت طائرة مسيّرة بنجاح خلال أحد العروض.
وواصلت MBDA بعد ذلك تطوير تشكيلات ليزر أكثر إحكاماً وقابلية للتركيب، سعياً للتخلي عن النموذج القائم على حاوية شحن الذي استُخدم على متن “ساكسن”. وفي سبتمبر/أيلول 2024، وقّعت MBDA وراينميتال اتفاق تعاون إضافياً لتطوير سلاح ليزر بحري قابل للتسويق، خصوصاً لمواجهة الطائرات المسيّرة.
غير أن بحسب تحليل منشور، ثمة فارق كبيراً بين عرض ليزر بحري وتكييف التقنية نفسها للطائرات، إذ تفرض العمليات الجوية قيوداً مختلفة تماماً تتعلق بالطاقة والتبريد والوزن والاهتزاز والحجم والديناميكا الهوائية. ويجب أن يتسع الحيز المحدود لمصدر الليزر ومعدات توليد الطاقة وتهيئتها وأنظمة التبريد وموجّه الشعاع وحساسات التتبع والإلكترونيات المرتبطة بها. وتمثل الحرارة المهدرة تحدياً خاصاً، لأن الليزر عالي الطاقة يولّد أحمالاً حرارية كبيرة يجب تصريفها دون الإضرار بالسلاح أو بباقي أنظمة الطائرة. كما ينبغي أن تتحمل الحاوية المثبتة خارجياً الأحمال الهوائية والاهتزاز والتسارع وتقلبات الحرارة، مع الحفاظ على دقة محاذاة الشعاع رغم حركة الطائرة.
وتضيف الظروف الجوية قيداً آخر، فالرطوبة والغبار والاضطراب الجوي قد تمتص طاقة الليزر أو تشتتها أو تشوهها، فتقلل ما يصل منها إلى الهدف. ويمنح التشغيل على ارتفاع عالٍ بعض المزايا، لكنه لا يلغي هذه التأثيرات وليس مثالياً لكثير من أهداف الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز. وفي النهاية، لا تعكس القدرة الاسمية لليزر إلا جزءاً من الصورة، إذ تتساوى معها في الأهمية جودة الشعاع ودقة التتبع ومدى الاشتباك والزمن اللازم لتحقيق الإصابة على مسافات مختلفة.
وتكمن جاذبية سلاح الليزر الجوي في قدرته على التصدي للتهديدات القادمة دون استهلاك صواريخ تقليدية، بما يوفر عمق ذخيرة غير محدود عملياً ما دامت الطاقة الكهربائية وقدرة التبريد متاحتين. وقد يكون ذلك مفيداً بشكل خاص عند مواجهة موجات كبيرة من الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز، وهي الأهداف الرئيسية التي تتصورها MBDA لليزر المحمول في حاوية. ويدفع انتشار الطائرات المسيّرة الهجومية الرخيصة بعيدة المدى بالفعل نحو طلب كبير على خيارات اعتراض منخفضة التكلفة وعمق ذخيرة أكبر. ومن الأمثلة على ذلك تحويل صاروخ “APKWS II” عيار 70 ملم الموجّه بالليزر، الذي صُمم أصلاً للهجوم الجوي الأرضي، إلى سلاح فعال لمواجهة الطائرات المسيّرة يمكن للطائرات حمله بأعداد كبيرة، ومنها مقاتلة “إف-15 إي سترايك إيغل” الأميركية التي ظهرت وهي تحمل 42 صاروخاً من هذا النوع في ست حاويات.
وتشمل الاستخدامات المحتملة الأخرى للحاوية الليزرية ضرب أهداف سطحية، حيث يتميز الليزر بكونه صامتاً وغير مرئي إلى حد كبير بالعين المجردة، ما يربك الخصم الذي قد لا يعرف مصدر الهجوم، وإن بقي ذلك محصوراً بأنواع معينة من الأهداف اللينة، إن أمكن أصلاً. كما يمكن للطائرات المأهولة وغير المأهولة استخدام هذه الحاويات لحماية نفسها أو حماية أصول جوية حرجة من صواريخ أرض-جو وجو-جو، وقد تتمكن طائرات مسيّرة مزودة بها من إسقاط صواريخ تنطلق نحو أصول عالية القيمة، مثل طائرات الإنذار المبكر وطائرات التزود بالوقود.
ويأتي المسعى الألماني في وقت تعيد فيه القوات الأميركية تقييم عدد من برامج الطاقة الموجهة البارزة. فبحسب التحليل المنشور، انتهى برنامج “شيلد” (SHiELD) التابع لسلاح الجو الأميركي، الذي استهدف تطوير حاوية ليزر لحماية المقاتلات من الصواريخ القادمة، بهدوء ودون تحقيق هدفه الرئيسي المتمثل في إثبات سلاح ليزر متكامل على متن مقاتلة. كما واجه برنامج “الليزر الجوي عالي الطاقة” (AHEL) لتجهيز المدفعية الجوية “إيه سي-130 جيه غوسترايدر” بسلاح طاقة موجهة صعوبات تقنية، وجرى التخلي عن خطط اختباره على متن الطائرة. أما برنامج الجيش الأميركي “دي إي إم-شورد” (DE M-SHORAD) بقدرة 50 كيلوواط، فقد أبرز بدوره صعوبات دمج الليزر عالي الطاقة في المنصات العملياتية، خصوصاً في إدارة الحرارة ومتطلبات الطاقة والموثوقية. وحقق الجيش نجاحاً أكبر مع أنظمة “لوكاست” (LOCUST) الأقل قدرة في مواجهة الطائرات المسيّرة، ما استقطب اهتمام مشاة البحرية والبحرية الأميركية، بينما يواصل الجيش والبحرية دفع ليزرات أعلى قدرة للتطبيقات البرية والبحرية.
وتؤكد هذه التجارب أن إصابة أهداف مختارة في ظروف مضبوطة تختلف جذرياً عن تقديم قدرة قتالية موثوقة. وبالنسبة إلى وزارة الدفاع الألمانية وMBDA، تتمثل أهم المحطات المقبلة في إثبات قدرة الليزر وموجّه الشعاع ونظام التتبع ومصدر الطاقة ومعدات التبريد على العمل معاً ضمن حزمة جوية عملية، على أن تعطي اختبارات الطيران اللاحقة والاشتباك مع أهداف تمثيلية مؤشراً أوضح على إمكانات النظام.
ويندرج المشروع ضمن توجه دولي أوسع لتطوير أسلحة الطاقة الموجهة، مع تقدم الأنظمة البرية والبحرية عموماً على التطبيقات الجوية. ففي أوروبا، تستعد المملكة المتحدة لتركيب ليزر “دراغونفاير” (Dragonfire) على متن مدمرة تابعة للبحرية الملكية، بينما تعمل ألمانيا وهولندا ودول أخرى في حلف الناتو على أنظمة ليزر لمواجهة الطائرات المسيّرة وغيرها من التهديدات الجوية. وتستثمر الصين بكثافة في تقنيات الطاقة الموجهة، بما فيها أنظمة أرضية متنقلة وليزرات بحرية. وتعكس هذه الجهود اهتماماً متزايداً باستخدام الليزر ضد تهديدات تزداد عدداً وتنخفض كلفة، لكنها تبرز أيضاً الفجوة بين العروض الناجحة والقدرات التشغيلية الموثوقة.
وبحسب التحليل المنشور، ما زال أمام ألمانيا عمل كبير لسد الفجوة بين الاستثمار الصناعي والنماذج التجريبية والأولويات الاستراتيجية والأسلحة القابلة للنشر والموثوقة، وتذكّر تجارب البرامج الأميركية بأن الطريق من عروض الليزر الواعدة إلى أنظمة تشغيلية يُعتمد عليها غير مضمون. وقد خطت MBDA والجيش الألماني خطوة جديدة نحو قدرة ليزر جوية، لكن عليهما تجاوز التحديات الكثيرة التي أعاقت مساعي مماثلة في دول أخرى قبل أن تقترب حاوية الليزر من الدخول في الخدمة.


