علي الهاشم – باحث ومختص كويتي بمجال الدفاع والطيران والأنظمة الدفاعية
كشفت الحروب الأخيرة، من أوكرانيا إلى الهجمات الصاروخية والمسيّرة على إسرائيل وحركة الملاحة في البحر الأحمر، حدود نماذج الدفاع الجوي التقليدية. فالمسيّرات الرخيصة والصواريخ الجوالة والأسراب الكثيفة تضع الدفاعات أمام معادلة كلفة صعبة، إذ يُستخدم اعتراض بملايين الدولارات لإسقاط هدف قيمته آلاف الدولارات.
ونتيجة ذلك، تتجه جيوش عديدة إلى بناء منظومات دفاع جوي هجينة ومستدامة. لم يعد السؤال: من يملك أقوى صاروخ؟ بل: من يملك الشبكة الأذكى والأقل كلفة في التشغيل؟ ويمكن تلخيص هذا التوجه في خمسة محاور.
1. الدفاع الطبقي المتكامل (Layered Air Defense)
تقوم العقيدة الحالية على توزيع التهديدات بين طبقات متعددة، تتولى كلّ منها نوعاً محدداً من الأهداف:
الطبقة البعيدة: لمواجهة الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وتضم أنظمة مثل «آرو 3» (Arrow 3) الإسرائيلي خارج الغلاف الجوي، و«ثاد» (THAAD) الأمريكي على ارتفاعات عالية، إضافة إلى «باتريوت» (Patriot) في الطبقة العليا والمتوسطة.
الطبقة المتوسطة: لمواجهة الطائرات المقاتلة والمسيّرات الكبيرة وصواريخ كروز، عبر أنظمة مثل «ناسامس» (NASAMS) و«آيريس-تي إس إل إم» (IRIS-T SLM).
الطبقة القريبة: لمواجهة المسيّرات الانتحارية وقذائف الهاون والصواريخ قصيرة المدى، وتضم أنظمة C-RAM مثل «فالانكس» (Phalanx)، ومدافع سريعة الطلقات، وصواريخ كتفية (MANPADS)، وأنظمة التشويش.
2. الطاقة الموجهة والليزر
تمثل أسلحة الليزر إجابة مباشرة عن مشكلة الكلفة، فكلفة الطلقة الواحدة تقتصر على الطاقة الكهربائية تقريباً. وأبرز النماذج نظام «الشعاع الحديدي» (Iron Beam) الإسرائيلي الذي أعلنت إسرائيل انتقاله إلى مرحلة التشغيل، ونظام «دراغون فاير» (DragonFire) البريطاني الذي لا يزال في مرحلة التجارب مع خطط لتزويد القطع البحرية به.
وتبقى لهذه الأنظمة حدود واضحة، منها تأثرها بالغبار والضباب والمطر، وحاجتها إلى وقت لإبقاء الشعاع على الهدف، ما يجعلها مكمّلة للصواريخ وليست بديلاً عنها.
3. القيادة والسيطرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي
في سيناريو الهجوم الكثيف أو الأسراب، يعجز المشغّل البشري عن تتبع مئات الأهداف واتخاذ قرارات الاعتراض خلال ثوانٍ. لذلك تعمل الجيوش على برمجيات تدمج بيانات آلاف المستشعرات (رادارات، كاميرات حرارية، أجهزة رصد صوتي)، وتصنّف الأهداف بحسب خطورتها، ثم تقترح السلاح الأنسب والأقل كلفة لكل هدف. فقد يُوجَّه الليزر إلى المسيّرة الأولى، والتشويش الإلكتروني إلى الثانية، وصاروخ اعتراضي إلى صاروخ كروز.
وتحتفظ معظم الجيوش بالقرار النهائي بيد الإنسان في الحالات الحساسة، مع ترك المهام الروتينية والسريعة للأتمتة.
4. شبكات المستشعرات الموزعة
تبتعد الجيوش تدريجياً عن الاعتماد على رادارات ضخمة وثابتة يسهل رصدها واستهدافها بصواريخ مضادة للإشعاع. والبديل شبكة من الرادارات الصغيرة والمتنقلة والمستشعرات البصرية والحرارية السلبية (Passive Sensors) التي لا تبث إشارات يمكن كشفها، ما يصعّب على الخصم رصدها. وتُربط هذه المستشعرات ضمن شبكة واحدة تتيح تبادل الصورة الجوية بين جميع المنظومات.
وتحسّن هذه الشبكات فرص كشف الأهداف ذات البصمة الرادارية المنخفضة، كالمسيّرات الصغيرة والصواريخ الجوالة المنخفضة الارتفاع، ويبقى كشف الطائرات الشبحية تحدياً قائماً.
5. الحرب الإلكترونية كأداة اعتراض أساسية
لم تعد الحرب الإلكترونية وظيفة منفصلة عن الدفاع الجوي. فتدمجها الجيوش مباشرة في بطاريات الدفاع، وتستخدمها لقطع روابط التحكم والملاحة بالأقمار الاصطناعية عن المسيّرات، أو خداعها وتضليل أنظمة توجيهها. وهي بذلك تعطّل الهدف دون إطلاق ذخيرة.
وقد أظهرت التجربة الأوكرانية أهمية هذا الأسلوب وحدوده معاً، إذ تتكيف المسيّرات سريعاً باستخدام الملاحة الذاتية والألياف الضوئية، ما يفرض تحديثاً مستمراً لأنظمة التشويش.
الخلاصة
لا يعني هذا التحول التخلي عن الصواريخ الاعتراضية الثقيلة، بل توزيع العبء بذكاء بين وسائل متعددة بحيث يُستخدم الاعتراض الأغلى للأهداف الأخطر فقط. وتواجه دول المنطقة، التي تتعرض لتهديدات الصواريخ والمسيّرات معاً، هذا الخيار تحديداً في خططها للتسلح.


