العميد م. ناجي ملاعب
“صمود الأمن واستعادة السيادة والمبادرة وتطلعات مستقبلية” قد تكون احد أهم المنجزات للعهد الذي بدات مسيرته في لبنان منذ بداية 2025 وما واكبه من حكومة وضعت أولويات استعادة قرار الحرب والسلم وحصر السلاح بيد السلطة الشرعية في مقدمة بيانها الوزاري، فقد شكّل عام 2025 محطةً أمنية–عسكرية مفصلية في تاريخ الدولة اللبنانية المعاصر، ليس بوصفه عامًا حاسمًا أنهى الأزمات البنيوية المتراكمة، بل باعتباره عامًا انتقاليًا حاولت فيه المؤسسات العسكرية والأمنية تثبيت حدٍّ أدنى من السيادة الوظيفية للدولة في بيئة داخلية مأزومة وضاغطة إقليميًا. فقد جاءت الإنجازات المتحققة نتيجة تفاعل معقّد بين ضغوط دولية متزايدة، تهديدات أمنية مباشرة، وانكشاف داخلي اقتصادي–سياسي غير مسبوق، ما منح أي تقدّم ميداني أو تنظيمي قيمة استراتيجية تتجاوز حجمه العملياتي المباشر. في هذا المقال سوف اتطرق الى صمود الأمن واستعادة السيادة والمبادرة والتنسيق ما بين الأجهزة الأمنية والعسكرية وما نتج عنه من إنجازات في مكافحة الجريمة المنظمة وما هو منتظر من سيناريوهات مستقبلية في العام الجديد.
اولاً: في الإنجازات العسكرية والأمنية
1 – الجنوب اللبناني وتعزيز دور الجيش في بيئة ردع غير مستقرة
برز الجنوب اللبناني في صدارة المشهد الأمني خلال عام 2025، بوصفه الساحة الأكثر حساسية لتداخل العوامل العسكرية والسياسية. وفي هذا الإطار، سجّل الجيش اللبناني تقدّمًا ملموسًا عبر توسيع نطاق انتشاره جنوب نهر الليطاني، وتعزيز حضوره في نقاط تماس استراتيجية كانت تاريخيًا خارج السيطرة الكاملة للدولة. وقد تمثّل الإنجاز الأساسي في الانتقال من دور مراقب–تنسيقي إلى دور انتشار فعلي، ولو ضمن حدود توازنات دقيقة فرضتها الوقائع الميدانية.
نفّذ الجيش سلسلة عمليات تموضع وإعادة انتشار، رافقتها إجراءات تفتيش وضبط لمخازن سلاح ومواقع عسكرية غير شرعية في نطاقات محدّدة. ورغم أن هذه العمليات لم تصل إلى تفكيك شامل للبنية العسكرية غير الحكومية، إلا أنها شكّلت للمرة الأولى منذ سنوات طويلة محاولة جدّية لتطبيق مفهوم «المنطقة المنزوعة من المظاهر المسلحة» جنوب الليطاني، بما ينسجم – ولو جزئيًا – مع الالتزامات الدولية للبنان.
غير أن هذه الإنجازات ظلّت محكومة ببيئة ردع هشّة، في ظل استمرار الخروقات الجوية والاعتداءات الإسرائيلية، ما فرض على الجيش العمل ضمن هامش ضيّق، يوازن بين تثبيت الوجود الميداني وتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة تفوق قدراته السياسية والعسكرية.

2 – الأمن الداخلي ثبات وانجازات أمنية واعدة
على صعيد الأمن الداخلي، حققت قوى الأمن الداخلي والأجهزة الرديفة إنجازات تراكمية لا تقل أهمية عن الإنجازات العسكرية. فقد شهد عام 2025 تكثيفًا للحملات الأمنية في المدن الكبرى ومناطق التوتر الاجتماعي، مع تركيز واضح على تفكيك شبكات الجريمة المنظمة، وضبط المطلوبين، والحد من الفوضى الأمنية التي تفاقمت خلال سنوات الانهيار الاقتصادي.
وتميّز الأداء الأمني خلال هذا العام بتحسّن نسبي في التنسيق بين قوى الأمن والجيش، خصوصًا في العمليات المشتركة وحفظ النظام خلال أحداث حساسة. كما طُبّقت إجراءات تنظيمية داخل المؤسسة الشرطية هدفت إلى الحفاظ على الجاهزية البشرية، رغم التحديات المرتبطة بتدنّي الرواتب والهجرة الوظيفية، ما ساهم في منع انهيار كامل لمنظومة الأمن المدني. وفي خطوة متقدمة في حل مسألة “الهجرة الوظيفية” فقد حسم مجلس قيادة قوى الأمن قبل نهاية العام موضوع العناصر الذين تركوا الخدمة من دون مسوّغ شرعي باعتبار انهاء خدماتهم، فاسحاً بالمجال لمن يرغب بالعودة الى الخدمة في بداية العام الجديد.
3 – المخيمات الفلسطينية وبداية مقاربة مختلفة للسلاح خارج الدولة
من أبرز التطورات الأمنية في 2025 شروع الدولة اللبنانية في مقاربة أكثر واقعية لملف السلاح داخل المخيمات الفلسطينية. فبدل الاكتفاء بسياسة الاحتواء أو التغاضي، بدأت السلطات الأمنية بتنفيذ خطوات تدريجية تهدف إلى تقييد حركة السلاح وتنظيمه، عبر تفاهمات أمنية محدودة مع الفصائل، وإجراءات ميدانية استهدفت البنى اللوجستية والتخزينية.
ورغم أن هذه الخطوات لم تصل إلى نزع شامل للسلاح، إلا أنها حملت دلالة سياسية وأمنية بالغة الأهمية، كونها كسرت الجمود التاريخي في هذا الملف، وأعادت التأكيد على مبدأ أن الأمن السيادي للدولة لا يمكن أن يبقى رهينة استثناءات دائمة. غير أن هذه المقاربة بقيت عرضة لهشاشة عالية، بفعل الحساسيات السياسية والاجتماعية المرتبطة بالمخيمات.
4 – الجاهزية الوطنية والتدريب
في موازاة العمليات الميدانية، شهد عام 2025 نقلة نوعية في مجال الجاهزية والتدريب، حيث نُفّذت تمارين وطنية مشتركة شملت الجيش، قوى الأمن، الأمن العام، الجمارك، والدفاع المدني. وركّزت هذه التمارين على سيناريوهات غير تقليدية، مثل التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية، وإدارة الكوارث المركّبة.
لقد أسهمت هذه التمارين في كشف الثغرات البنيوية في منظومة الاستجابة الوطنية، لكنها في الوقت نفسه عززت ثقافة العمل المشترك، ورسّخت مبدأ الأمن الشامل الذي يتجاوز المقاربة العسكرية الصرفة، ويعتمد على التكامل المؤسسي في مواجهة الأزمات.

5 – الدعم اللوجستي
رغم الضائقة المالية الخانقة، نجحت المؤسسة العسكرية خلال 2025 في تأمين حدٍّ أدنى من الدعم اللوجستي، عبر مساعدات خارجية، ومشتريات محدودة للذخائر والمعدات الأساسية. وقد ساهم ذلك في الحفاظ على الجهوزية العملياتية للوحدات المنتشرة، ومنع تآكل القدرة القتالية للجيش إلى مستويات خطرة.
كما شكّلت الزيارات العسكرية والدبلوماسية المتبادلة مع شركاء دوليين عنصرًا داعمًا لاستمرار المؤسسة العسكرية بوصفها الجهة الشرعية الوحيدة القادرة على الإمساك بالأمن الوطني، ولو بقدرات محدودة.
ويمكن القول إن إنجازات لبنان العسكرية والأمنية خلال عام 2025 لم تكن إنجازات حاسمة بقدر ما كانت إنجازات صمود ومنع انهيار. فقد نجحت الدولة، عبر مؤسساتها الأمنية والعسكرية، في تثبيت خطوط تماس سيادية، وتحسين مستوى الضبط الداخلي، وفتح مسارات جديدة لمعالجة ملفات مزمنة مثل السلاح خارج الدولة.
غير أن هذه الإنجازات تبقى هشّة وقابلة للتراجع ما لم تُستكمل بإصلاح سياسي–اقتصادي شامل، وبقرار سيادي جامع يعيد تعريف وظيفة القوة المسلحة داخل الدولة. وعليه، فإن قيمة عام 2025 تكمن أساسًا في كونه عامًا حافظ فيه لبنان على أمنه الأساسي، ومنع تحوّل أزماته إلى فوضى شاملة، وهو إنجاز بحد ذاته في سياق إقليمي بالغ الاضطراب.
ثانياً: في السيناريوهات الأمنية المحتملة للعام 2026
يدخل لبنان عام 2026 فيما لا تزال إنجازات عام 2025 ذات طابع انتقالي مقبول، ما يجعل المسار الأمني المقبل مفتوحًا على عدة سيناريوهات متباينة، تتحدد وفق تفاعل ثلاث متغيرات رئيسية: البيئة الإقليمية، القرار السياسي الداخلي، واستدامة الدعم الخارجي للمؤسسات الأمنية.
1 – تثبيت الاستقرار الأمني
يفترض هذا السيناريو استمرار الوضع القائم مع تحسينات تدريجية محدودة. ففي حال حافظت الجبهة الجنوبية على مستوى منخفض من الاشتباك، وتمكّن الجيش اللبناني من تثبيت انتشاره جنوب الليطاني دون توسيع نطاق المواجهة، يُرجَّح أن يشهد عام 2026 تعزيزًا نسبيًا لدور الجيش كقوة ضبط ميداني، مع توسّع بطيء في إجراءات تنظيم السلاح في المخيمات الفلسطينية وبعض البؤر الأمنية الداخلية.
في هذا الإطار، يبقى الأمن الداخلي مقبولًا لكنه غير مستدام، حيث تستمر قوى الأمن في إدارة الأزمات بدل منعها جذريًا. ويُعد هذا السيناريو الأكثر واقعية، كونه لا يتطلب قرارات سياسية كبرى، بل يعتمد على إدارة التوازنات القائمة وتجنّب الانفجار.
2 – تدهور أمني متدرّج
يقوم هذا السيناريو على فرضية تصاعد الضغوط الاقتصادية وتراجع الدعم الخارجي، ما يؤدي إلى إنهاك إضافي للمؤسسات الأمنية والعسكرية. وفي هذه الحالة، قد تتراجع قدرة الدولة على فرض الضبط الداخلي، مع عودة ظواهر السلاح المتفلّت، وازدياد نفوذ الفاعلين غير الدولتيين في بعض المناطق.
أمنيًا، لا يعني هذا السيناريو انهيارًا شاملًا، بل انزلاقًا تدريجيًا نحو مناطق رمادية أمنية، تتآكل فيها هيبة الدولة، ويصبح الأمن خاضعًا لتفاهمات محلية وموازين قوى ظرفية، خصوصًا إذا ترافقت هذه العوامل مع تصعيد محدود في الجنوب أو على الحدود الشرقية.
3 – تصعيد إقليمي وانكشاف الساحة اللبنانية
يرتبط هذا السيناريو بتوسّع رقعة الصراع الإقليمي، سواء على الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية أو في ساحات مجاورة، ما يحوّل لبنان مجددًا إلى ساحة اشتباك مفتوحة. في هذه الحالة، تتراجع أولوية الأمن الداخلي لصالح متطلبات الصراع، ويجد الجيش اللبناني نفسه محاصرًا بين مهام تفوق قدراته وإمكاناته.
في ظل هذا السيناريو، تُجمَّد أي مسارات إصلاحية أو تنظيمية، ويُعاد إنتاج منطق الأمن الموازي، ما يهدد ما تحقق من إنجازات خلال 2025، ويضع البلاد أمام مخاطر أمنية واجتماعية واسعة النطاق.
4 – تحوّل إصلاحي مشروط
يفترض هذا السيناريو حدوث اختراق سياسي–اقتصادي نسبي، يرافقه توافق داخلي على دعم حصري للمؤسسات الشرعية، وتدفق مساعدات خارجية مشروطة بالإصلاح. في هذه الحالة، يمكن لعام 2026 أن يشهد انتقالًا تدريجيًا من إدارة الأزمة إلى بناء قدرة أمنية مستدامة، تشمل توسيع سلطة الدولة، وتعزيز الاحتراف المؤسسي، وإعادة تعريف وظيفة السلاح في المجال العام.
ورغم أن هذا السيناريو يبدو الأقل ترجيحًا، إلا أنه يظل الخيار الوحيد القادر على تحويل إنجازات 2025 من إنجازات صمود إلى إنجازات دولة.
في الخلاصة
يُظهر تحليل السيناريوهات أعلاه أن عام 2026 سيكون عامًا حاسمًا لجهة تثبيت المسار الأمني أو تآكله. فإما أن ينجح لبنان في استثمار ما تحقق من ضبط أمني نسبي، وإما أن تتحوّل إنجازات 2025 إلى مجرد محطة مؤقتة في مسار أزمات مفتوحة. وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في القدرات العسكرية وحدها، بل في القرار السياسي الذي يحدّد إن كانت هذه القدرات ستبقى أداة صمود، أم نواة استعادة تدريجية للدولة.






