لاحظ متتبعو التسليح على منصات التواصل الاجتماعي، في أواخر أبريل/ نيسان 2026، صوراً مثيرة للاهتمام: منظومة ليزرية تبدو صينية الصنع، مثبّتة على آليات عسكرية، رُصدت في مطار دبي الدولي. لم تكن هذه المرة الأولى التي تُضاف فيها إمارة ما إلى قائمة مشتري أسلحة الطاقة الموجهة، لكنها كانت لحظة كاشفة: دولة الإمارات العربية المتحدة باتت، وفق متخصصين في هذا الملف، “السوق الأكثر نشاطاً لأسلحة الليزر في العالم”.
الإطار العملياتي: الحرب على إيران تُعجّل بزمن الليزر
منذ أن أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليتهما العسكرية المسماة “إبيك فيوري” ضد إيران في فبراير/ شباط 2026، ردّت طهران بإطلاق ما يزيد على 550 صاروخاً باليستياً وكروز وأكثر من 2,200 طائرة مسيّرة نحو دول الخليج، وكانت الإمارات في صدارة المستهدفين. وعلى الرغم من اعتراض معظم هذه التهديدات، خلّفت الحطاماً الساقطة أضراراً في مناطق بارزة شملت برج العرب، ونخلة جميرا، ومطار دبي الدولي، ومنشآت النفط والغاز في الفجيرة.
أمام هذا الواقع، وجدت الإمارات نفسها في أمسّ الحاجة إلى منظومات دفاعية قادرة على مجابهة أسراب المسيّرات الرخيصة بتكاليف معقولة، وهو ما أعاد رسم خريطة الطلب على أسلحة الطاقة الموجهة في المنطقة بأسرها.
“آيرون بيم” في أبوظبي: نشر تاريخي لمنظومة ليزرية
كشفت صحيفة فايننشال تايمز في الأول من مايو/ أيار 2026، استناداً إلى مصادر مطلعة، أن إسرائيل أرسلت نسخة من منظومتها الليزرية المتطورة “آيرون بيم” إلى أبوظبي لدعم دفاعاتها في مواجهة الهجمات الإيرانية. وتُعدّ هذه المنظومة من بين الأحدث عالمياً في مجال الطاقة الموجهة، إذ أُعلن عن نشرها العملياتي الأول في ديسمبر/ كانون الأول 2025، وهي مصمّمة لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى والمسيّرات في نطاق يصل إلى 10 كم، بتكلفة تُقدَّر بما بين 3 و5 دولارات للطلقة الواحدة مقارنةً بمئات الآلاف من الدولارات التي تكلّفها الصواريخ الاعتراضية التقليدية.
وبموازاة ذلك، أُعيرت الإمارات منظومة مراقبة خفيفة الوزن تُعرف بـ”سبيكترو”، قادرة على رصد المسيّرات المقتربة من مسافة تصل إلى 20 كم. وكشفت تقارير سابقة أن إسرائيل أرسلت كذلك بطارية من منظومة “القبة الحديدية” مع عشرات الجنود الإسرائيليين لتشغيلها، فضلاً عن تبادل استخباراتي في الوقت الفعلي بين البلدين طوال فترة الاشتباكات — في تجلٍّ لافت للعمق الذي بلغه التعاون الدفاعي الإسرائيلي-الإماراتي منذ توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020.

المشهد الخليجي: سباق تسلّح من نوع جديد
لا تقف الإمارات وحدها في هذا السباق. فقد كشفت صور تسرّبت بطريق الخطأ عن شركة شحن في أواخر عام 2025 أن سلطنة عُمان دخلت بدورها نادي مشتري منظومات الليزر الصينية الصنع. وفي المقابل، باتت قطر تدرس جدياً الانضمام إلى المنظومة الدفاعية التركية المتكاملة “ستيل دوم”، التي تضمّ مكوّنات ليزرية، وذلك في أعقاب الضربة الإسرائيلية التي طالت عاصمتها في سبتمبر/ أيلول 2025. أما المملكة العربية السعودية، فتشير التقارير إلى أنها اقتنت ما يصل إلى 8 وحدات من منظومة الليزر الصينية “سايلنت هانتر”، مع استمرار تقييمها لمنظومات أمريكية الصنع أيضاً، وإن أشارت مصادر إلى شكاوى سعودية من ضعف الأداء في ظروف الحرارة الشديدة والأتربة.
لماذا الآن؟ تقاطع ثلاثة عوامل
يُحلّل جاريد كيلر، المحرر الدفاعي السابق ومدير نشرة “ليزر وورز” المتخصصة، هذه المرحلة بوصفها نقطة تحوّل تاريخية، مشيراً إلى تقاطع ثلاثة عوامل متزامنة:
أولها النضج التكنولوجي: فرغم أن الجيش الأمريكي أجرى أول اختبار لإسقاط طائرة مسيّرة بالليزر عام 1973، يرى كيلر أن المنظومات باتت اليوم أصغر حجماً وأعلى كفاءةً مما كانت عليه في أي وقت مضى.
وثانيها انتشار المسيّرات في الحروب الحديثة: إذ لم يعد مقبولاً اقتصادياً اعتراض طائرة مسيّرة لا تتجاوز تكلفتها بضع مئات من الدولارات بصاروخ يُكلّف مئات الآلاف أو حتى الملايين.
وثالثها الحرب على إيران بوصفها المحرّك الأكثر إلحاحاً: إذ قال كيلر إن مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى في مؤتمر عُقد في مارس/ آذار 2026 أعلنوا عزمهم على نشر منظومات الليزر على نطاق واسع في غضون السنوات الثلاث المقبلة.
حدود القدرات وتحديات التشغيل
غير أن كيلر يُحذّر في الوقت ذاته من المبالغة في رهانات “الرصاصة الفضية”: فأسلحة الليزر تسير في خط مستقيم ولا تعمل بكفاءة خارج مدياتها التصميمية، كما أن فاعليتها تتضاءل أمام الأهداف السريعة التي تستلزم “فترة تثبيت” أطول. وتزداد تحديات التشغيل قسوةً في مناخات الخليج، حيث تُسهم الرطوبة والغبار ودرجات الحرارة المرتفعة في إضعاف الشعاع وزيادة متطلبات التبريد.
لذا يرى الخبراء أن الدور الأمثل لهذه المنظومات يكمن في تعزيز منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، لا في الاستغناء عنها.
خاتمة: الشرق الأوسط مختبراً للحرب المستقبلية
يبقى المشهد في تحوّل متسارع: الإمارات تستضيف في آنٍ واحد منظومات من إسرائيل وتستكشف أخرى أمريكية وثالثة صينية، فيما تتعاون مع شركات أوروبية لتطوير قدراتها الذاتية. هذا التداخل غير المسبوق يجعل من منطقة الخليج أبرز بيئة تشغيلية حقيقية لأسلحة الطاقة الموجهة في القرن الحادي والعشرين، ويُلقي بظلاله على مستقبل التوازنات الدفاعية في المنطقة بأسرها.






