من الاستنزاف إلى التصعيد: الشرق الأوسط أمام مواجهة متزامنة من هرمز إلى لبنان

العقيد الركن م. ظافر مراد

لا يبدو المشهد الشرق أوسطي في النصف الثاني من أيلول 2026، وكأنه أمام أزمة مفككة يمكن احتواؤها عبر وقف إطلاق نار مرحلي هنا أو مفاوضات هناك، بل نحن في الحقيقة أمام منظومة صراع متشابكة ومترابطة دخلت مرحلة استنزاف وإعادة تموضع، بانتظار اللحظة المناسبة للانتقال إلى مستوى أعلى من العنف.

لم يعد القتال حالياً محصوراً في المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، ولا بين إسرائيل وحزب الله. لقد توسَّع المجال العملياتي وأصبح شاملاً يضم: منطقة الخليج، مضيق هرمز، العراق، لبنان، الأردن، اليمن، البحر الأحمر، وباب المندب، فيما تحولت الطاقة والملاحة والتضخم والأسواق إلى مكونات فعلية في معادلة الصراع.

هناك العديد من المؤشرات الواضحة التي تؤكد أن خطوط الاتصال بين هذه الجبهات مترابطة ومتقاطعة، ففي 15 أيلول، أعلنت السعودية حالة تأهب أمني واسعة على خلفية تصاعد هجمات الجماعات المرتبطة بإيران في العراق، والهجمات الحوثية من اليمن، بينما تراجعت حركة الملاحة في مضيق هرمز بصورة حادة، ووفق رويترز لم تعبر المضيق في أحد الأيام سوى أربع سفن تجارية مقارنة بمتوسط يقارب 125 عبوراً يومياً قبل الحرب. كما تراجعت الحركة بشكلٍ كبير في باب المندب أيضاً، وفي هذا الواقع يطرح السؤال الكبير الذي ينبغي الإجابة عليه من خلال تحليل معمق، متجرد، ومحترف، وهو لا يتعلق فقط بإحتمالات توسع الحرب، بل متى، وأين، وبأي مستوى، ومن سيقرر لحظة الانتقال من الاستنزاف إلى التصعيد الشامل؟

والفرضية الأكثر ترجيحاً هي أن نافذة التصعيد الأخطر تقع في النصف الثاني من تشرين الأول، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية الإيرانية والإسرائيلية والأميركية مع الحسابات الانتخابية في واشنطن وتل أبيب، فلا يمكن تحليل التطورات العسكرية المقبلة بعيداً عن العامل الانتخابي؛ الولايات المتحدة تتجه إلى انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني 2026، حيث تخضع جميع مقاعد مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ تقريباً للانتخاب، وهنا تظهر معضلة ترامب، فالحرب مع إيران التي أرادها أن تشكل رصيداً سياسياً له باعتبارها دليلاً على الحزم والقوة، بدأت تحمل مع مرور الزمن كلفة اقتصادية وسياسية داخلية حرجة، فالحرب التي قد ترفع رصيد ترامب أمنياً قد تخفض رصيده اقتصادياً، ولهذا يصبح تحقيق إنجاز عسكري واضح قبل الانتخابات أكثر جاذبية للرئيس من استمرار حرب استنزاف طويلة ومكلفة. عملية عسكرية محددة الأهداف، ذات نتائج قابلة للتسويق السياسي، يمكن أن تسمح للإدارة الأميركية بتحويل السردية من “حرب رفعت أسعار الطاقة” إلى “حرب حسمت تهديداً استراتيجياً” أما إذا استمرت الحرب في إنتاج تضخم وإرتفاع في أسعار الطاقة، فإن إيران لن تكون بحاجة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، يكفيها أن تجعل الحرب مكلفة انتخابياً، وهذه نقطة جوهرية في فهم السلوك الإيراني الحالي، فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق سلاسل أمداد الطاقة العالمية بالكامل، يكفيها خلق صدمة طاقة محسوبة ترفع الأسعار، تضغط على المستهلك الأميركي، وتحوّل السياسة الخارجية من قضية أمن قومي إلى أزمة معيشية داخلية تضرب سمعة إدارة ترامب.

بالنسبة لمضيقي هرمز وباب المندب، فإن إيران تمتلك من خلال موقعها الجغرافي وشبكة حلفائها، قدرة استثنائية على التأثير في أهم عقد الطاقة العالمية. مضيق هرمز هو الحلقة الأولى، ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، مرّ عبره في النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل تقريباً 20% من استهلاك السوائل النفطية العالمي، إضافة إلى أكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، لكن أهمية التطورات الحالية تكمن في أن الضغط لم يعد مقتصراً على هرمز، ففي الجانب الآخر يوجد الطرف الثاني للكماشة الإيرانية، باب المندب، وتشير بيانات EIA إلى أن تدفقات النفط عبر باب المندب كانت قد تراجعت بشدة نتيجة التهديدات الأمنية في البحر الأحمر، قبل أن تعود الأهمية الاستراتيجية للممر في سياق الحرب الحالية، والأخطر أن إيران وحلفاءها يمتلكون القدرة على العمل على طرفي المعادلة.

نقلت رويترز في 15 تموز عن بيان للحرس الثوري الإيراني، أن طهران هددت بإغلاق جميع ممرات التصدير الأخرى التي تستفيد منها الولايات المتحدة وحلفاؤها بعد إغلاق هرمز، فيما أشارت تحليلات رويترز إلى احتمال استخدام الحوثيين لإغلاق باب المندب كورقة ضغط أخرى، وما زاد في تعقيد الامر، عملية تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر، باعتبار أن السيطرة على مناطق الساحل تمنح إيران وحلفاءها نفوذاً أكبر على التجارة والطاقة العالمية كما تحدثت هذه التحليلات عن دعم إيراني مباشر بالأسلحة والمشورة للحوثيين، وإذا تزامن الضغط على الممرين مع عمليات في العراق ولبنان والخليج، تصبح الولايات المتحدة أمام حرب متعددة المسارح، فيما تصبح الأسواق العالمية أمام أزمة طاقة لا يمكن معالجتها عسكرياً بسرعة، وهذا تحديداً هو نوع الضغط الذي يمكن أن تكون له قيمة استراتيجية أكبر من قيمته العسكرية المباشرة.

بالنسبة للوضع اللبناني، هناك خطأ كبير في قراءة الوضع باعتباره ملفاً مستقلاً عن الحرب الإيرانية -الأميركية، فمنذ اندلاع الحرب الإقليمية الحالية، أصبح واضحاً أن الجبهة اللبنانية مرتبطة عضوياً بمستوى الصراع مع إيران، لكن التطور الأهم استراتيجياً هو ما حصل داخل بنية حزب الله، فبعد الضربة الكبيرة التي تلقاها الحزب في العام 2024، بما فيها مقتل حسن نصرالله وعدد كبير من كبار القادة، لم تترك إيران الحزب لإعادة بناء نفسه بصورة مستقلة، فلا الوقت كان يسمح، ولا البنية العسكرية التي فقدت نخبة كبيرة من قادتها كانت تسمح، لذلك فالحرس الثوري الإيراني تدخل بسرعة لملء الفراغ القيادي والعسكري، ووفقاً لتحقيق رويترز في آذار 2026، أرسلت إيران نحو مئة ضابط من الحرس الثوري إلى لبنان بعد وقف إطلاق النار في العام 2024، للمساعدة في إعادة بناء القيادة العسكرية، والتدريب، وإعادة التسلح، وإعادة تنظيم البنية العملياتية للحزب. كما جرى الانتقال من نموذج هرمي مركزي إلى وحدات أصغر وأكثر لامركزية بهدف حماية الشبكة من الاختراق الاستخباراتي، ولم تعد المسألة مجرد دعم إيراني لحزب لبناني، بل أصبحت أقرب إلى وضع الحزب تحت القيادة العملانية للحرس الثوري، وإعادة هندسة إيرانية للذراع العسكرية اللبنانية، وهذا لا يعني أن كل قرار لبناني يصدر مباشرة من طهران، ولا أن القيادة اللبنانية فقدت بالكامل استقلالها العملياتي، لكنه يعني أن هامش التأثير الإيراني في القرار العسكري أصبح أكبر بكثير من السابق، أما في مسألة تسليم سلاح الحزب للدولة اللبنانية، فهذا حديث بعيد عن الواقع ويعترف الجميع بأنه وعد مؤجل حتى إشعار آخر، فلا يمكن أن تقبل إيران بخسارة هذه الورقة، كما أن القرار في هذا الشأن خرج عن سيطرة قيادة الحزب اللبنانية، وأصبح فعلياً بيد القيادة الإيرانية.

في الحديث عن الأنفاق المنتشرة في لبنان وفقاً لتقارير أمنية وأخبار بعض الصحف، فلا يمكن الجزم بأن كل نفق عميق في لبنان يحتوي صواريخ استراتيجية بعيدة المدى، خاصة في العمق اللبناني، لأن طبيعة المخزون الموجود داخل المنشآت السرية لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، لكن من الناحية العسكرية، وجود منشآت تحت الأرض بعيدة نسبياً عن خط التماس يمكن أن يؤدي وظائف تتجاوز التخزين التكتيكي التقليدي، ومنها: حماية مراكز القيادة والسيطرة، تخزين الذخائر، الحفاظ على احتياطيات صاروخية، حماية تكنولوجيا الصواريخ والمسيّرات ومكوناتها، تأمين بقاء القيادة والقدرات في ظروف الضربات الجوية، وإنشاء شبكة لوجستية تسمح باستمرار الحرب بعد تدمير المنشآت السطحية، والأحداث الأخيرة تقدم دليلاً مهماً على حجم هذه البنية، ففي 10 أيلول، أعلنت إسرائيل تدمير مجمع تحت الأرض في منطقة علي الطاهر يمتد لنحو كيلومترين من أصل 5 كيلومترات، وقالت إن المجمع تضمن مراكز قيادة وتخزين أسلحة ومرافق إقامة، إضافة إلى صواريخ ومسيّرات وأسلحة مضادة للدروع ومتفجرات، لذلك فإن الاستنتاج الأصح ليس القول إن كل الأنفاق تخفي صواريخ استراتيجية، بل أن العمق تحت الأرض أصبح جزءاً من مفهوم البقاء العملياتي للحزب، وهذا يعني أن أي حرب جديدة لن تكون بالضرورة حرب مواقع أمامية فقط، بل حرباً بين الاستطلاع والضربات الجوية من جهة، والعمق المحصن والقدرة على إعادة بناء القوة من جهة أخرى.

هناك عاملان يجعلان الجبهة اللبنانية مختلفة عن بقية الجبهات، الأول هو القرب الجغرافي المباشر من إسرائيل، والثاني هو أن تكلفة الحرب ستقع داخل البيئة اللبنانية نفسها، وإذا اتخذ القرار العسكري بالتصعيد، فإن إسرائيل لن تتعامل مع لبنان باعتباره مجرد منصة إطلاق، بل ستتعامل مع البنية التي تعتبرها مصدر التهديد: مستودعات، مراكز قيادة، أنفاق، منصات إطلاق، طرق إمداد ومناطق انتشار، أي أن المواجهات ستمتد للعمق اللبناني ولكن ربما بطريقة محسوبة تبقى ضمن التقييدات التي وضعتها الإدارة الأميركية على القرار العسكري الإسرائيلي. 

بالنسبة للطرف الإسرائيلي، لا يمكن فصل الحساب الإسرائيلي عن الحساب الأميركي. ولا الحسابات العسكرية عن حسابات الإنتخابات، فإسرائيل مقبلة على انتخابات في 27  تشرين الأول 2026، أي قبل الانتخابات النصفية الأميركية بأسبوع تقريباً، والأهم أن هذه الانتخابات تأتي في ظل وضع سياسي شديد الحساسية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يعمل على توحيد قوى اليمين لمنع تشتت الأصوات، حيث أن صورته الأمنية تعرضت لضربة كبيرة نتيجة عملية طوفان الأقصى والحروب اللاحقة في غزة ولبنان وإيران، وهنا يصبح العامل العسكري حاضراً بقوة، فإذا دخلت إسرائيل الانتخابات وهي تعاني من حرب غير محسومة مع إيران أو حزب الله، فإن ذلك يخلق ضغطاً على الحكومة، أما إذا دخلت الانتخابات بعد عملية عسكرية كبيرة حققت أهدافاً واضحة ضد إيران أو حزب الله، فإن المعادلة السياسية يمكن أن تتغير، وهذا يرفع من قيمة اي إنجاز عسكري قبل 27 تشرين الأول، وهذا بالضبط ما يجعل النصف الثاني من تشرين الأول فترة شديدة الحساسية.

من خلال كل ما تقدم، وعند جمع العناصر السابقة، تظهر فرضية استراتيجية تستحق التعامل معها بجدية: قد لا يكون التصعيد المقبل سلسلة أحداث مستقلة، بل عملية متعددة المسارح ذات توقيت متقارب:

  1.  المسرح الأول: إيران والخليج،قد يشمل ضرب منشآت، قواعد، بنى تحتية للطاقة، أو عمليات صاروخية ومسيّرات ضد أهداف أميركية وإسرائيلية وخليجية.
  2. المسرح الثاني: مضيق هرمز، يمكن أن تستخدم إيران التهديد الملاحي أو الألغام أو الصواريخ والطائرات المسيّرة لرفع تكلفة النقل البحري، من دون الحاجة إلى إعلان إغلاق كامل.
  3. المسرح الثالث: العراق، فالفصائل الموالية لإيران يمكن أن تضغط على الوجود الأميركي والمنشآت والمصالح الأميركية، وايضاً تهديد بعض منشآت الطاقة في المنطقة، بما يوسّع نطاق الاستنزاف من دون فتح جبهة تقليدية.
  4. المسرح الرابع: اليمن وباب المندب، حيث يمكن للحوثيين أن يضيفوا بعداً بحرياً إلى الحرب، مستهدفين السفن أو الموانئ أو البنية التحتية السعودية.
  5. المسرح الخامس: لبنان، وهنا يصبح حزب الله منصة الضغط الأقرب إلى إسرائيل والأكثر حساسية سياسياً وعسكرياً، وفي ظروف إستلام القيادة في الحزب ودورة القرار من قبل الحرس الثوري، فإن درجة قبول المخاطر وتقبل الخسارات ستصبح مرتفعة جداً في هذا البلد، فالحرب تجري في المدن والقرى اللبنانية، وضحايا الحرب بمعظمهم سواء كانوا مقاتلين أو مدنيين، هم لبنانيون، ونسبة الدمار في المنازل والمنشآت والبنى التحتية ستصيب المجتمع اللبناني دون غيره، لذلك فإن قرار التصعيد الذي سيتخذه الحرس الثوري، سيكون جريئاً ومنسجماً مع قرار وأهداف القيادة في إيران، دون اي مراعاة للخسارات والدمار المتوقع.

كل هذا يقودنا إلى مفهوم أكثر دقة من “فتح الجبهات”، وهو “توزيع الضغط الاستراتيجي” على شبكة مترابطة من المسارح، وفي هذه الحالة، لا تحتاج إيران إلى تحقيق انتصار في كل مسرح، يكفي أن تجعل الولايات المتحدة وإسرائيل أمام عدد متزامن ومترابط من الأزمات التي تتطلب موارد جوية وبحرية واستخبارية ولوجستية وسياسية متزايدة، وهذه هي فلسفة الحرب غير المتماثلة في أكثر صورها تطوراً، والتي تأتي ضمن مرحلة زمنية حساسة، وهذه الفرضية الزمنية التي تطرحها تصبح أكثر قوة عند وضعها على الخط الزمني:

15-31 تشرين الأول: نافذة الانتخابات الإسرائيلية والاستحقاق الأميركي الوشيك، ما يجعل هذه الفترة هامة جداً من حيث التداعيات والتأثيرات للأحداث التي إن حصلت خلالها، سيكون لها نتائج حاسمة جداً.

27 تشرين الاول: الانتخابات الإسرائيلية، حيث ان نتائجها قد تضع إسرائيل في مرحلة توقف عملياتي لإعادة ترتيب الوضع الداخلي في حال إنتخاب حكومة جديدة، أو تقدم مزيد من الدعم المعنوي والغستمرارية لنهج نتانياهو.

3  تشرين الثاني: الانتخابات الأميركية النصفية، والتي ستكون الإستجابة والرد الشعبي تجاه سياسات إدارة ترامب، فإما ينخفض التاييد وتزداد التقييدات والتعقيدات أما هذه الإدارة، أو تأخذ دفع معنوي وسياسي إضافي لإكمال خططها ومشاريعها الامنية والإقتصادية. 

وبالتالي فإن أي تصعيد كبير خلال النصف الثاني من تشرين الأول ستكون له آثار سياسية مباشرة على إسرائيل والولايات المتحدة في الوقت نفسه، وهذا لا يعني أن إيران ستنتظر 15 تشرين الأول أو أن الحرب ستندلع في يوم محدد، فتوقعات الحروب لا تعمل بهذه الدقة، لكنها قد تعمل وفق نافذة قرار، والنافذة تبدأ عندما تصبح تكلفة الانتظار أكبر من تكلفة التصعيد.

بالنسبة إلى إيران، قد يكون ذلك عندما ترى أن استمرار الحرب من دون رفع الكلفة على الولايات المتحدة سيؤدي إلى تآكل قدراتها وموقعها التفاوضي.

بالنسبة إلى ترامب، قد يكون ذلك عندما يصبح استمرار ارتفاع أسعار الطاقة أخطر انتخابياً من تنفيذ ضربة عسكرية كبيرة.

وبالنسبة إلى إسرائيل، قد يكون ذلك عندما يصبح الإنجاز العسكري قبل الانتخابات أكثر قيمة من استمرار المسار التفاوضي.

لهذا السبب، فإن منتصف تشرين الأول لا يمثل تاريخ الحرب بقدر ما يمثل نقطة تقاطع للمصالح السياسية والعسكرية، والتقدير الأكثر ترجيحاً، في ضوء المعطيات المتوافرة حتى 15 أيلول 2026، هو أن المنطقة دخلت مرحلة ما قبل التصعيد، واحتمال التصعيد الكبير في النصف الثاني من تشرين الأول يستحق أن يُعامل كـفرضية تخطيط عالية الأهمية، لكنه لا يمكن تقديمه كموعد مؤكد، كما أن العامل الحاسم لن يكون قرار طرف واحد فقط، بل تفاعل أربعة قرارات:

إيران:  هل ترفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وإسرائيل قبل أن تصبح قدراتها أكثر استنزافاً؟ وما هو العمل الأكثر ترجيحاً الذي يمكن أن تنفذه مع حلفائها قبل الإنتخابات النصفية لتضرب به سمعة ترامب وحظوظ نجاحه؟

ترامب:  هل يختار احتواء الحرب حتى الانتخابات أم تنفيذ ضربة عسكرية ذات أثر سياسي قبلها؟ وما هي طبيعة العمل العسكري أو الأمني الذي يجب أن يكون حاسماً بما يكفي لضمان الاكثرية في الإنتخابات النصفية؟

إسرائيل:  هل تفضل استمرار التفاوض أم استثمار النافذة الانتخابية في إنجاز أمني وعسكري؟ وما هي طبيعة الأعمال العسكرية التي ستنفذها ضد حزب الله أو ضد إيران والتي ستضمن ترجيح كفة نتانياهو في الإنتخابات الإسرائيلية؟

حزب الله:  هل يبقى في مستوى الردع المحدود أم يتحول إلى جزء كامل من منظومة الرد الإيرانية؟ وكيف سيجيب على العديد من التساؤلات التي تطرحها بيئته الحاضنة قبل خصومه، حول جدوى الحرب، وكلفتها، ونتائجها على الواقع اللبناني عموماً، وعلى المجتمع الموالي خصوصاً؟ 

إذا اجتمعت هذه القرارات في لحظة واحدة، فإن لبنان لن يكون جبهة جانبية، بل سيصبح جزءاً من المسرح العملياتي الإيراني – الإسرائيلي الأوسع، وهنا تكمن المشكلة اللبنانية الأخطر، فإن قرار الدخول في الحرب يمكن أن يصبح أقل ارتباطاً بحسابات الدولة اللبنانية وأكثر ارتباطاً بحسابات الحرب الإقليمية، وفي هذه الحالة، فإن لبنان لا يملك بالضرورة القدرة على اختيار توقيت الحرب، لكنه قد يتحمل القسم الأكبر من كلفتها.

يشكِّل النصف الثاني من تشرين الأول نافذة التصعيد الأخطر، لا موعداً حتمياً للحرب؛ وإذا فُتحت الجبهات بصورة متزامنة، فإن الشرق الأوسط لن يكون أمام حرب إيران أو حرب لبنان، بل أمام منظومة صراع واحدة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن العراق إلى جنوب لبنان، وتُقاس نتائجها ليس فقط على الخريطة العسكرية، بل على أسعار الطاقة، ونتائج الانتخابات، وقدرة النظام الدولي على إبقاء الممرات الاستراتيجية مفتوحة.