خاص – Defense Arabia
وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة بيع محتملة لـ48 مقاتلة “إف-35 لايتنينغ 2” الشبحية إلى السعودية بقيمة تقديرية تبلغ 24.3 مليار دولار، في أول إقرار أمريكي رسمي من نوعه لتزويد المملكة بهذه المقاتلة متعددة المهام منذ سنوات من المفاوضات والترقب.
وبحسب الإخطار الرسمي الذي رفعته الخارجية الأمريكية إلى الكونغرس تحت رقم الإحالة 26-69، تشمل الصفقة 48 مقاتلة بنسختها القادرة على الإقلاع والهبوط التقليديين، إلى جانب 49 محركاً من طراز “إف135-بي دبليو-100” لشركة “برات آند ويتني”، ومعدات اتصالات وقطع غيار وخدمات دعم لوجستي متكاملة.
وتأتي هذه الخطوة بعد نحو 10 أشهر من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال استقباله ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عزم واشنطن على بيع “إف-35” للمملكة للمرة الأولى، في إطار اتفاقية الدفاع الاستراتيجي التي رافقت تصنيف السعودية حليفاً رئيسياً من خارج الناتو.
ورغم أن الموافقة تمثل إخطاراً تشريعياً يفتح نافذة مراجعة أمام الكونغرس ولا تعني توقيع عقد نهائي بعد، فإنها تضع السعودية على أعتاب الانضمام إلى إسرائيل بوصفها ثاني دولة في الشرق الأوسط تحصل على ضوء أخضر أمريكي لامتلاك هذه المقاتلة الشبحية، في وقت تندرج فيه الصفقة ضمن حزمة تسليح أوسع بين البلدين قُدّرت تقارير سابقة قيمتها الإجمالية بنحو 142 مليار دولار.
الجدول الزمني والتدريب
تجمع معظم التقديرات المتداولة على أن أول طائرة لن تصل فعلياً قبل عام 2029، فيما لن تبلغ القوات الجوية الملكية السعودية “القدرة التشغيلية الكاملة” لأسطولها الجديد قبل مطلع الثلاثينيات على أقل تقدير.
والمسافة الفاصلة بين توقيع الصفقة وتسلّم أول طائرة ليست مجرد انتظار على قائمة إنتاج “لوكهيد مارتن”، بل مسار مؤسسي متكامل يمر بعدة محطات إلزامية، أولها تأهيل الطيارين والفنيين، إذ يقضي النمط المعتمد في برنامج “إف-35” الدولي بأن تبدأ الأطقم القادمة من أي دولة زبونة جديدة تدريبها الأكاديمي والمحاكاة داخل الأراضي الأمريكية قبل أن تعود لبناء منظومتها التدريبية الخاصة في بلدها.
ولسنوات، كانت قاعدة “لوك” الجوية (Luke Air Force Base) في ولاية أريزونا المحطة الرئيسية لتدريب طياري “إف-35” من الولايات المتحدة ودول الشراكة الدولية، لكن الازدحام المتزايد على مرافقها دفع سلاح الجو الأمريكي إلى افتتاح قاعدة “إيبينغ” الجوية الوطنية (Ebbing Air National Guard Base) في ولاية أركنساس عام 2024، لتكون منشأة مخصصة حصراً لعملاء برنامج المبيعات العسكرية الخارجية، وقد تخرّجت منها بالفعل أول دفعة من الطيارين البولنديين، فيما يستعد للالتحاق بها لاحقاً طيارون من فنلندا وألمانيا وسويسرا وسنغافورة، وهو المسار ذاته الذي يُرجَّح أن تسلكه الأطقم السعودية إذا استُكملت الصفقة.
وبحسب هذا النمط، يمر الطيار الجديد بمرحلتين أساسيتين: تدريب أكاديمي ومحاكاة إلكترونية أولاً، ثم تدريب طيران فعلي على المقاتلة، قبل أن تُعاد بعثات من الخريجين إلى بلدانهم لتشكيل نواة “وحدات التدريب الرسمية” (Formal Training Units) المحلية، التي تُخرّج بدورها الدفعات التالية من الطيارين محلياً، وهي الخطوة التي تسبق عادة إعلان “القدرة التشغيلية الأولية”، ثم “القدرة التشغيلية الكاملة” في مرحلة لاحقة.
وعلى الجانب البري، تحتاج الرياض إلى استكمال بنية تحتية موازية قبل استقبال المقاتلات، تشمل حظائر ومرافق صيانة مؤهّلة أمنياً للتعامل مع الأنظمة المصنّفة ومنظومة الدعم اللوجستي الرقمية الخاصة بالمقاتلة، إضافة إلى اعتماد فني لطواقم الصيانة الأرضية.
وترى تقديرات تحليلية سابقة أن بلوغ القدرة التشغيلية الكاملة لأسطول “إف-35” السعودي سيستلزم أيضاً توسيع أسطول طائرات التزوّد بالوقود جواً، عبر منصات من طراز “كيه سي-46 بيغاسوس” (KC-46A Pegasus) أو “إيه330 إم آر تي تي” (A330 MRTT)، لتمكين عمليات بعيدة المدى تتناسب مع طبيعة المقاتلة الشبحية.
ولا يقتصر ما يفصل الرياض عن استلام مقاتلاتها على الجانب التقني وحده، إذ يفتح إخطار الكونغرس الرسمي نافذة مراجعة تشريعية مدتها 30 يوماً بموجب “قانون مراقبة تصدير الأسلحة” (Arms Export Control Act)، يحق خلالها للمشرّعين تقديم قرار مشترك بالاعتراض على الصفقة، كما أن الموافقة الحالية لا تعني توقيع “خطاب عرض وقبول” (Letter of Offer and Acceptance – LOA) نهائي بين الطرفين، وهي الوثيقة التعاقدية التي تُثبّت رسمياً الكميات والأسعار وجدول التسليم.
وتبقى مسألة أخرى معلّقة قد تؤثر مباشرة في نطاق التدريب المطلوب: تشير تقارير متعددة، لم تؤكدها واشنطن أو الرياض رسمياً حتى الآن، إلى أن النسخة السعودية من “إف-35” ستأتي بقدرات مخفّفة مقارنة بالنسخة الإسرائيلية “إف-35آي أدير” (F-35I Adir) المخصصة والمزوّدة بأنظمة حرب إلكترونية إسرائيلية الصنع، من بينها قيود أوسع على الشبكات والتشفير، ومجموعات بيانات مهام أقل تطوراً، وهو ما قد يعني منهاج تدريب وتكامل تسليحي مختلفاً عمّا هو معتمد لدى المُشغّلين الآخرين للمقاتلة.
وفي النهاية، سيتعين على القوات الجوية الملكية السعودية دمج “إف-35” ضمن أسطولها الحالي المكوّن أساساً من مقاتلات “يوروفايتر تايفون” (Eurofighter Typhoon) و”إف-15 إس إيه” (F-15SA)، في وقت لا يزال فيه الجدول الزمني المعلن مشروطاً بقدرة “لوكهيد مارتن” الإنتاجية وبقائمة الانتظار الطويلة لعملاء البرنامج حول العالم.
من التالي في طابور مقاتلة “إف-35″؟
لم تُغلق “إف-35” قائمة عملائها المحتملين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا بعد موافقة واشنطن على تزويد السعودية بالمقاتلة، بل فتحت الصفقة الأخيرة الباب أمام تساؤل أوسع: من التالي في طابور الانتظار؟
فبحسب تقارير متعددة، تتصدر الإمارات والمغرب وإندونيسيا قائمة المرشحين الأبرز، وإن كانت كل دولة منها تقف عند نقطة مختلفة تماماً من مسارها التفاوضي مع واشنطن.
وتُعد الإمارات صاحبة الملف الأقدم بين الدول الثلاث، إذ وقّعت في ديسمبر/كانون الأول 2020 اتفاقاً أولياً لشراء 50 مقاتلة “إف-35” ضمن صفقة قُدّرت وقتها بنحو 23 مليار دولار، كجزء من ترتيبات مصاحبة لاتفاقيات “أبراهام” للتطبيع مع إسرائيل. غير أن أبوظبي علّقت المفاوضات في ديسمبر/كانون الأول 2021 على خلفية خلافات مع واشنطن حول استخدامها شبكات “هواوي” (Huawei) الصينية للجيل الخامس، واتجهت بدلاً من ذلك لشراء 80 مقاتلة “رافال” (Rafale) الفرنسية بقيمة تقارب 19 مليار دولار.
أما المغرب فيُعتبر، بحسب أحدث التقارير، المرشح الأقرب زمنياً لإعلان صفقة جديدة، إذ تحدثت تقارير صادرة مطلع 2026 عن مفاوضات متقدمة لشراء مقاتلات “إف-35 إيه” (F-35A) بقيمة تقديرية تراوح بين 17 و18 مليار دولار، ما قد يجعل الرباط أول دولة عربية وأفريقية تمتلك هذه المقاتلة الشبحية إذا تأكدت الصفقة.
وتبقى إندونيسيا الحالة الأكثر التباساً بين الدول الثلاث، إذ يعود اهتمامها المعلن بـ”إف-35″ إلى عام 2020، حين طرحت جاكرتا فكرة استبدال طلبية مقاتلات “سو-35” (Su-35) الروسية بالمقاتلة الأمريكية بسبب عقبات واجهت الصفقة الروسية، قبل أن تتجه لاحقاً إلى تنويع مصادرها عبر صفقات مع فرنسا وكوريا الجنوبية. وتُصنَّف إندونيسيا، بحسب تقارير متخصصة، ضمن الدول التي واجهت رفضاً أمريكياً متكرراً لطلبات مماثلة في الماضي، إلى جانب قطر ومصر وتايلاند وتركيا، وإن أشارت تقارير غير مؤكدة إلى احتمال تخفيف واشنطن قيودها تجاه عملاء إضافيين مستقبلاً.
ويربط محللون هذا التوجه المحتمل بعاملين متزامنين: أولهما الحاجة الأمريكية إلى عقود تصدير إضافية بمليارات الدولارات في ظل تباطؤ اقتصادي محلي، وثانيهما اقتراب دخول مقاتلة “إف-47” (F-47) الأمريكية من الجيل السادس حيز الخدمة بحلول منتصف الثلاثينيات، وهو ما قد يجعل واشنطن أكثر تساهلاً بشأن تصدير النسخ الأساسية من “إف-35” باعتبارها تقنية أقل حساسية مما كانت عليه سابقاً.
وفي المقابل، لا يزال ملفا قطر وتركيا يشكّلان حالتين خاصتين ضمن هذا “الطابور”: فقطر، التي سبق أن غطّت “دفاع العرب” مسار طلبها الرسمي وتباين مواصفاته المحتملة عن النسخة الإسرائيلية، لا تزال تنتظر موقفاً أمريكياً حاسماً؛ أما تركيا فتبقى حالة مختلفة جوهرياً، إذ أُخرجت من برنامج “إف-35” بالكامل عام 2019 بعد اقتنائها منظومة “إس-400” (S-400) الروسية للدفاع الجوي، ولا يزال ملف عودتها مرتبطاً بحل هذا الملف تحديداً قبل أي حديث عن تسليم فعلي.
وتبقى الخلاصة أن “الطابور” الذي فتحته صفقة السعودية ليس متجانساً؛ فكل دولة تقف عند عتبة مختلفة بين اهتمام أولي (إندونيسيا)، ومفاوضات متقدمة دون إخطار رسمي (المغرب)، وملف معلّق سياسياً رغم توقيعه سابقاً (الإمارات)، ما يجعل التوقيت الفعلي لانضمام أي منها إلى نادي مُشغّلي “إف-35” مرهوناً بمتغيرات سياسية وتقنية يصعب حصرها بجدول زمني واحد.




