في 30 أيلول/سبتمبر 2026، أطلق وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث مشروع Project Meridian لدراسة شكل الحروب المقبلة وتحديد القدرات التي تحتاجها الولايات المتحدة قبل أن تفرضها ساحات القتال؛ وقد عرفه هيغسيت بأنه مشروع تقوده نخبة العقول الأميركية لإستشراف حروب المستقبل؛ ووفق مذكرة التكليف التي أصدرتها وزارة الدفاع الأميركية في اليوم نفسه، سيعمل المشروع لمدة 120 يوماً، تحت إشراف “إميل مايكل” كبير مسؤولي التكنولوجيا في الوزارة، وبمشاركة “إيلون ماسك” مؤسس SpaceX، و”بالمر لوكي” مؤسس Anduril، و”نيوت غينغريتش” السياسي الجمهوري والرئيس السابق لمجلس النواب الأميركي، إلى جانب خبراء من القطاع الأكاديمي والصناعي والسياسات الدفاعية، ومن المقرر أن ينتهي المشروع بتقرير علني وملحق سري يتناولان القدرات المطلوبة في حروب المستقبل.

اللافت في المشروع ليس فقط هوية المشاركين، بل طريقة تعريف البنتاغون للمشكلة، ففي خطابه بقاعدة كوانتيكو في 30 أيلول، قال هيغسيث إن مشروع Meridian لا يهدف إلى ابتكار استراتيجيات أو سياسات جديدة، بل إلى تحديد “المجالات التي يجب السيطرة عليها والقدرات التي يجب إتقانها”. أما مذكرة الوزارة فتوسّع مجال الدراسة من البيئات تحت الأرض إلى المجال الممتد وراء القمر؛ وهذا يعني أن البنتاغون لا ينظر إلى الحرب المقبلة باعتبارها مواجهة تجري داخل البر والبحر والجو والفضاء فقط، وإنما باعتبارها بيئة عملياتية متعددة الطبقات تتداخل فيها الجغرافيا والتكنولوجيا والشبكات والطاقة والاتصالات والفضاء.

كانت الحرب التقليدية تسمح نسبياً بتحديد مكان وتفاصيل المعركة، جبهة، محور تقدم، منطقة عمليات، خطوط إمداد، منطقة لوجستية….، أما البيئة المستقبلية، فتبدو مختلفة جذرياً، قد يكون المستشعر في الفضاء، ومركز القيادة في دولة أخرى، والخوارزمية التي تعالج البيانات في شبكة سحابية، والمنصة التي تنفذ التأثير على بعد مئات الكيلومترات، بينما يعمل الخصم في الوقت نفسه على التشويش الإلكتروني وتعطيل الأقمار الصناعية وضرب مصادر الطاقة.
ولهذا فإن أهم ما يكشفه Meridian هو انتقال التفكير الأميركي من منصة القتال إلى منظومة القتال الشاملة، ودمج كافة القدرات داخل شبكة أوسع تديرها أحدث التكنولوجيات ومهارات الذكاء الإصطناعي. قيمة المنصة ستتحدد بصورة متزايدة بقدرتها على رؤية البيئة، مشاركة البيانات، استقبال الأوامر، العمل ضمن شبكة، وإنتاج التأثير في الزمن المناسب.

وقد جاءت هذه الرؤية بالتوازي مع إعلان هيغسيث في كوانتيكو إنشاء Autonomous Warfare Command، قيادة مخصصة لتوسيع قدرات الحرب الذاتية والأنظمة الروبوتية داخل القوات المسلحة الأميركية، ووفق وزارة الدفاع، يفترض أن تصبح القيادة الجديدة فاعلة بحلول الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2027، مع صلاحيات مخصصة في القوة والميزانية والاقتناء والمسارات المهنية، وهذا التزامن ليس تفصيلاً إدارياً. إنه يعكس محاولة لربط استشراف الحرب بآلية مؤسسية قادرة على تحويل نتائج الاستشراف إلى قدرات ميدانية.

أحد أهم التحولات التي يمكن استنتاجها من Meridian هو أن الحرب المقبلة ستكون حرب سرعة، وأن الزمن سيصبح عنصراً عملياتياً بحد ذاته. في الحرب الصناعية، كان التفوق يرتبط إلى حد كبير بحجم القوات، وقدرة الإنتاج، وكمية الذخائر والمنصات، أما في الحرب الشبكية، فتزداد أهمية الزمن الذي يفصل بين اكتشاف الهدف واتخاذ القرار وتنفيذ التأثير. فالدورة القرارية تبدأ بأن يلتقط المستشعر المعلومة، الذكاء الاصطناعي يعالجها، مركز القيادة يحدد الأولوية، والمنصة تنفذ. ثم تعود نتائج التنفيذ إلى الشبكة لتعديل القرار التالي، وكلما قصرت هذه الدورة، زادت قدرة القوة على فرض إيقاعها على الخصم.
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد أداة لتحليل البيانات. يمكن أن يتحول إلى عنصر في دورة القرار العملياتي، والمشكلة العسكرية الجديدة لن تكون فقط: من يمتلك معلومات أكثر؟ بل: من يستطيع تحويل المعلومات إلى تأثير قبل خصمه؟
قدمت الحرب في أوكرانيا أحد أوضح النماذج لهذا التحول، فقد أصبحت المسيّرات تستخدم للاستطلاع وتحديد الأهداف والتصحيح المدفعي والهجوم المباشر، بينما تتطور بسرعة قدرتها على العمل ضمن شبكات تجمع المستشعرات والمنصات البشرية وغير البشريةن لكن واشنطن تبدو الآن راغبة في الانتقال خطوة أبعد، ففي إعلانه عن Autonomous Warfare Command، وصف هيغسيث الثورة الروبوتية والذاتية بأنها ذات تأثير على المعدات والعقيدة والتنظيم والافتراضات التي حكمت الحرب لعقود، والمعنى العملياتي لذلك عميق: عندما يصبح لديك عدد كبير من المنصات غير المأهولة، لا تعود المشكلة في امتلاك كل منصة على حدة، بل في كيفية إدارتها كقوة واحدة،
الأكثر إثارة في Meridian هو إدخال المجال الفضائي القمري وما وراءه ضمن التفكير المستقبلي، فوزارة الدفاع قالت صراحة إن المشروع سيدرس بيئات القتال “من أعماق الأرض إلى الحدود القمرية”
قد يبدو ذلك بعيداً عن الحرب الحالية، لكنه يحمل منطقاً استراتيجياً واضحاً، القوات الحديثة تعتمد على الفضاء في الاتصالات والملاحة والاستطلاع والإنذار المبكر وتحديد المواقع؛ وإذا أصبحت الحرب أكثر اعتماداً على الشبكات، فإن الفضاء يصبح جزءاً من البنية التحتية للعمليات، وليس مجرد مجال مستقل، وبالتالي، فإن ضرب قمر صناعي أو التشويش عليه أو تعطيل شبكة اتصالات قد يؤدي إلى تأثير عملياتي يشبه تأثير تدمير مركز قيادة أو عقدة لوجستية على الأرض.
هناك تفصيل آخر في مبادرات البنتاغون المعلنة في كوانتيكو يستحق الانتباه، ففي اليوم نفسه أطلقت الوزارة برنامج FORTRESS America بهدف زيادة قدرة القواعد العسكرية على العمل بصورة مستقلة عن شبكة الكهرباء المدنية، وحماية سلاسل الإمداد والمواد الحيوية والطاقة من الهجمات السيبرانية والتخريب، وهذه الخطوة تكشف أن واشنطن بدأت تنظر إلى المرونة اللوجستية باعتبارها جزءاً من القدرة القتالية نفسها، ففي الحرب المقبلة قد لا يحتاج الخصم إلى تدمير القاعدة الجوية بالكامل. يكفي أن يقطع الكهرباء، أو الاتصالات، أو الوقود، أو شبكة البيانات، حتى تتراجع قدرتها على إنتاج القوة؛ وبذلك تصبح الطاقة والرقائق الإلكترونية والمواد النادرة والاتصالات والأقمار الصناعية عناصر في المعركة نفسها.
رغم التركيز المتزايد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات، لا تشير هذه التحولات إلى نهاية دور الإنسان، بل ربما تعني العكس تماماً، أي انتقاله إلى موقع أكثر حساسية داخل منظومة القرار، فجندي واحد في المستقبل قد يدير سرباً من المسيّرات بدلاً من حمل سلاح واحد، وقد يتعامل مع نظام ذكاء اصطناعي يقدم عشرات الخيارات خلال ثوانٍ، بينما يبقى القرار السياسي والعسكري الحاسم مرتبطاً بالإنسان، وهذا يطرح سؤالاً عقائدياً أكبر من سؤال التكنولوجيا نفسها: هل تستطيع المؤسسة العسكرية تغيير تنظيمها وتدريبها وعقيدتها بالسرعة التي تتغير بها التكنولوجيا؟ فالتكنولوجيا يمكن تحديثها خلال أشهر، بينما تحتاج المؤسسات العسكرية عادة إلى سنوات لتعديل الهياكل والعقائد ومناهج التدريب وقواعد العمل.

