كيف تحمي السعودية أجواءها من الصواريخ الحوثية؟ دليل منظومات الدفاع الجوي السعودية

شهد مطار الملك خالد الدولي في الرياض في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أعنف هجوم تتعرض له المملكة منذ أكثر من عقد، حين أودى استهدافه بحياة 12 شخصًا وإصابة 309 آخرين، بحسب ما نقلته الجزيرة. وأعلن التحالف أن الدفاعات الجوية لم تتمكن من اعتراض المقذوف الذي أصاب المطار في ذلك اليوم. ومنذ سبتمبر/أيلول، تخوض الرياض مواجهة مفتوحة مع الحوثيين، وتجد نفسها أمام سؤال ملح: كيف تعمل المظلة السعودية، ولماذا يتسرب منها بعض الأهداف رغم تعدد طبقاتها؟

Northrop Grumman - Raid Hunter

هجمات بحجم غير مسبوق

يرسم بيان التحالف الذي أدلى به المتحدث الرسمي اللواء الركن تركي المالكي في 15 أكتوبر/تشرين الأول صورة واضحة لحجم الضغط. فقد أُطلق باتجاه المملكة منذ بدء العمليات 1104 صواريخ و1135 طائرة مسيّرة. وتعرض مطار الملك خالد لـ20 اعتداءً بين الأول والحادي عشر من أكتوبر/تشرين الأول، استُخدمت فيها 10 طائرات مسيّرة وأربعة صواريخ باليستية وأربعة صواريخ كروز ومقذوفان لم يُحدد نوعهما. وبلغت حصيلة المطار 17 قتيلًا و333 جريحًا، وارتفعت في المطارات السعودية عمومًا، ومنها مطار أبها، إلى 19 قتيلًا و364 جريحًا.

ويكشف هذا المزيج من الأسلحة جوهر التحدي. فقد أشارت الجزيرة إلى أن الحوثيين يستخدمون أسلحتهم في إطار منسق، فيمزجون المسيّرات والصواريخ بسرعات متفاوتة لإرباك الدفاعات الجوية.

لماذا الطبقات؟

لا توجد منظومة دفاعية قادرة على التصدي لكل أنواع التهديدات. يصعد الصاروخ الباليستي في قوس عالٍ ثم ينقض على هدفه بسرعة هائلة، بينما يتسلل صاروخ الكروز والطائرة المسيّرة على ارتفاعات منخفضة وبسرعات أقل. ولذلك تبني الرياض دفاعها على مبدأ الطبقات، فتتولى كل منظومة نطاقًا محددًا، وإذا أفلت هدف من طبقة أمسكت به التي تليها.

وتضيف جغرافيا المملكة تعقيدًا آخر، فالمطارات والمنشآت النفطية والقواعد العسكرية والمدن تتوزع على مساحة هائلة. ونقلت الجزيرة عن الباحث نواف عبيد من كينغز كوليج لندن أن اختراقًا عرضيًا أمر متوقع في دولة بهذا الحجم وبحدود مشتركة مع اليمن. وقال إن عشرات المحاولات الحوثية تُحبط مقابل كل هجوم ينجح، وهو تقدير شخصي من محلل لا رقم رسمي.

«باتريوت»: الخبرة التي صقلتها سنوات الحرب

تشغّل السعودية منظومة «باتريوت» الأمريكية منذ مطلع التسعينيات، وتنشر بطارياتها في أنحاء المملكة. ووفق ما أورده موقع «ذا ديفنس بوست»، يضم مخزونها صواريخ PAC-2 GEM-T ذات الرؤوس الانشطارية، وهي مصممة أساسًا لاعتراض الطائرات وصواريخ الكروز، إلى جانب صواريخ PAC-3 التي تعتمد على الاصطدام المباشر لتدمير الأهداف الباليستية. ويبلغ مدى هذه الأخيرة نحو 120 كيلومترًا وارتفاعها نحو 36 كيلومترًا.

وفي 30 يناير/كانون الثاني 2026، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة محتملة بقيمة 9 مليارات دولار لبيع الرياض ما يصل إلى 730 صاروخ PAC-3 MSE، مع أطقم تحويل المنصات وقطع الغيار والدعم اللوجستي والتدريب. وتهدف الصفقة، بحسب الموقع، إلى تعويض مخزون صواريخ PAC-3. وتبقى الموافقة مرحلة أولى، فهي لا تعني بالضرورة أن الشحنات سُلّمت كاملة.

«ثاد»: عين المملكة على الارتفاعات العالية

بدأت المملكة نشر أولى بطاريات «ثاد» في فبراير/شباط 2025 بحسب مجلة «جينز»، ثم دُشنت أول وحدة رسميًا في مطلع يوليو/تموز 2025، في حفل أقيم بمعهد قوات الدفاع الجوي في جدة. وجاء التدشين بعد اختبارات وتقييم وتدريب ميداني داخل المملكة، وبعد أن تخرجت دفعات من أطقم التشغيل من قاعدة فورت بليس في تكساس.

ويختلف دور «ثاد» عن الباتريوت، فهو يعترض الصواريخ الباليستية في المرحلة الأخيرة من مسارها، داخل الغلاف الجوي وخارجه. وتتحدث تقديرات منشورة عن قدرته على الاشتباك على ارتفاع يصل إلى 150 كيلومترًا ومدى نحو 200 كيلومتر، وهي أرقام تقديرية يجدر التعامل معها بحذر لأن الأرقام الرسمية غالبًا ما تكون أقل.

وتعود حزمة السبع بطاريات والـ44 منصة إطلاق و360 صاروخًا من طراز THAAD-ER إلى موافقة أمريكية على صفقة محتملة عام 2017 بقيمة نحو 15 مليار دولار، لا إلى تسليم كامل. أما حجم ما وصل منها فعليًا فلا تتوفر بيانات رسمية بشأنه.

الطبقة القريبة

لا يغطي «ثاد» ولا «باتريوت» كل أنواع التهديدات، وخصوصًا الأهداف المنخفضة. ولهذا دخلت الخدمة منظومة تضم رادار «غراوند ماستر 200» من «تاليس» ومنظومة «رابيد رينجر» للمدى القصير، وذلك في 6 فبراير/شباط 2025 بحسب «جينز». وتمثل هذه الحلقة خط الدفاع الأخير، فهي تلتقط ما يفلت من الرادارات البعيدة وتتعامل معه قبل أن يبلغ هدفه.

الحوثيون: حرب الإغراق

يشير تحليل الجزيرة إلى عاملين رئيسيين. العامل الأول هو المخزون، فقد عانت السعودية، شأنها شأن كثير من حلفاء واشنطن، محدودية مخزون صواريخ «باتريوت» و«ثاد» التي استُهلكت بسرعة خلال الأشهر الأولى من الحرب مع إيران. والعامل الثاني هو توجه المنظومة الباليستية السعودية في الأصل نحو مواجهة التهديد الإيراني. ورأى المحلل الأمني فولفغانغ بوشتاي أن الرياض على الأرجح تعيد توجيه جزء من هذه الدفاعات نحو اليمن، مع تصاعد الهجمات.

وتعكس المعادلة الاقتصادية جانبًا آخر من المشكلة. فصاروخ اعتراضي يكلف ملايين الدولارات قد يُطلق في مواجهة مسيّرة أرخص منه بكثير. وتحدثت الجزيرة عن أن الرياض اتصلت بعدد من الدول الصديقة لنشر دفاعات جوية أو تقديم دعم آخر.

الرد الهجومي

لا تكتفي الرياض بالدفاع. فقد أعلن التحالف تدمير 127 مخزنًا في المناطق الجبلية، إضافة إلى منصات إطلاق للصواريخ والمسيّرات، وكشف عن استخدام الحوثيين مخازن وأنفاقًا جبلية في صنعاء وصعدة وعمران. ورأى عبيد أن الحملة الجوية تركز على مخازن الصواريخ والمنشآت المحصنة ومصانع المسيّرات، وأنها تُلحق ضررًا كبيرًا بالقدرات الحوثية.

ويرى بوشتاي أن الحوثيين ربما لم يتبق لديهم سوى عدد محدود من الصواريخ الباليستية القصيرة المدى، ما قد يحد من قدرتهم على شن هجمات إغراقية. غير أنه لا يستبعد أن يوجهوا صواريخ منفردة نحو أهداف مدنية أضعف حماية بهدف تعطيل الحركة الجوية. ويظل الحجم الحقيقي للترسانة الحوثية مجهولًا.

خاتمة: الدرع وحده لا يكفي

تملك المملكة منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات تُعد من الأكثر تطورًا في المنطقة، لكن الأحداث الأخيرة تؤكد أن الجودة وحدها لا تكفي. فالمعركة تدور حول وتيرة الإمداد وكلفة الاعتراض وقدرة الخصم على اختراق الطبقات بمزيج متنوع من الأسلحة. ويبقى السؤال مفتوحًا أمام صناع القرار: هل يكفي شراء مزيد من الصواريخ الاعتراضية، أم أن الوقت حان لتنويع الحلول، من الأسلحة المضادة للمسيّرات منخفضة الكلفة إلى توطين الصناعة وتسريع سلاسل الإمداد؟