العقيد الركن م ظافر مراد
مع إصطدام مشروع إسقاط النظام الإيراني بعوائق مادية وزمنية صلبة، ومع ظهور صمود غير متوقع عند القيادة الإيرانية، يُطرح السؤال المركزي التالي: هل يتمثل الهدف الأميركي الحالي بإسقاط النظام الإيراني، أم إبطال قدرته على إنتاج التهديد، أم إعادة تشكيل سلوكه ضمن توازن إقليمي جديد؟
تحتل إيران موقعاً جيوسياسياً بالغ الحساسية عند تقاطع الخليج العربي وبحر عمان وبحر قزوين والامتدادات البرية نحو آسيا الوسطى والشرق الأوسط، ويمنحها هذا الموقع عمقاً استراتيجياً، وإطلالة مباشرة على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، فضلاً عن اتصالها بمناطق نفوذ متداخلة في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

من ناحية جيوبوليتيكية، ومن منظور نظرية “قلب الأرض” لهالفورد ماكندر، لا يمكن فصل القوة الإقليمية عن السيطرة على المجال الجغرافي الذي يربط آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. إلا أن إيران لا تمثل قلب الأرض بالمعنى التقليدي الذي قصده ماكيندر، بل تشكل عقدة اتصال بين المجال القاري الآسيوي والمجال البحري الخليجي، وتتقاطع هذه الوظيفة مع أطروحة ألفرد ماهان حول أهمية القوة البحرية والممرات التجارية، ومع تصور نيكولاس سبيكمان الذي أعطى أهمية مركزية للأطراف الساحلية المحيطة بقلب الأرض، باعتبارها المجال الحاسم للتنافس بين القوى الكبرى، وفي هذا السياق، يشكل مضيق هرمز نقطة ارتكاز استراتيجية لإيران، فالتأثير في حركة الملاحة لا يتطلب امتلاك قوة بحرية تقليدية تضاهي البحرية الأميركية، وإنما امتلاك قدرة على رفع كلفة المرور مادياً وزمنياً، وخلق حالة من عدم اليقين، وتعريض التدفقات التجارية ومصادر الطاقة لمخاطر عظيمة.
يدخل الصراع الأميركي–الإيراني مرحلة استراتيجية دقيقة، تتجاوز نتائج المواجهة العسكرية المباشرة إلى اختبار قدرة كل طرف على فرض معادلة إقليمية تستمر بعد انتهاء إدارة دونالد ترامب، فواشنطن تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، وتقليص قدرة طهران على التأثير في القرارات الأمنية والسياسية لدول المنطقة، بينما تعتمد إيران استراتيجية إطالة الصراع، ورفع كلفته السياسية والاقتصادية على الولايات المتحدة، أملاً في الوصول إلى مرحلة تصبح فيها التسوية أقل كلفة لواشنطن من استمرار المواجهة.
يمكن تفسير هذا السلوك من خلال نظرية “توازن القوى” (Balance of Power)، التي تفترض أن الدول تسعى إلى منع أي قوة منافسة من الوصول إلى موقع الهيمنة الإقليمية. كما تتقاطع المواجهة مع مفهوم “توازن التهديد” (Balance of Threat) لستيفن والت؛ فالمشكلة الأميركية لا تقتصر على القوة العسكرية الإيرانية، وإنما تشمل قدرتها على توظيف الصواريخ والأذرع المسلحة والنفوذ السياسي لإنتاج تهديد متعدد المستويات، ومن هنا، فإن تقليص النفوذ الإيراني يتصل بإعادة توزيع القوة الإقليمية، وليس فقط بتدمير المنشآت العسكرية.

تكتسب فرضية استئناف العمليات العسكرية بعد الانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر أهمية خاصة، فقد نقلت وكالة “أسوشيتد برس” في 29 تشرين الأول 2026 أن مسؤولين أميركيين طلبوا من دول إقليمية الاستعداد لاحتمال استئناف الضربات بعد الانتخابات، مع التحذير من رد إيراني يستهدف منشآت الطاقة والبنى التحتية؛ وأشارت المعلومات إلى أن العمليات المحتملة قد تستمر عدة أيام، من دون صدور قرار نهائي من ترامب حتى الآن، ومن المرجح أن لا تؤثر نتائج الإنتخابات الإسرائيلية أو الإنتخابات النصفية الاميركية على مسار المواجهة، فإحتمال الضربة بعد الإنتخابات لا زال قائماً وبشكلٍ كبير.

لكن السؤال الاستراتيجي هو: ما طبيعة الضربة المقبلة؟
هناك احتمالان رئيسيان، الأول يتمثل بحملة جوية مكثفة وقصيرة تستهدف إحداث صدمة استراتيجية، من خلال إلحاق أضرار كبيرة بما تبقى من القدرات العسكرية والصاروخية ومراكز القيادة والقدرة على إعادة بناء القوة؛ والثاني، اعتماد ضربات متباعدة ومتكررة، تتخللها فترات ضغط اقتصادي وسياسي واستخباري، بهدف استنزاف النظام ومنعه من استعادة قدراته.
والأرجح أن تكون المقاربة الثانية، أو صيغة تجمع بين الصدمة الأولية والضغط المتدرج، أكثر قابلية للاستمرار استراتيجياً؛ فالضربة الساحقة قد تحقق تفوقاً عملياتياً كبيراً، لكنها لا تضمن إسقاط النظام أو انتزاع استسلامه السياسي؛ وقد أثبتت المرحلة السابقة أن التفوق الناري لا يتحول تلقائياً إلى نتيجة سياسية، ويشير تحليل مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR) المنشور في 23 تشرين الأول/اكتوبر إلى هذه المعضلة تحديداً: نجاح العمليات العسكرية في إلحاق أضرار واسعة لم ينتج انتصاراً دبلوماسياً حاسماً.

ويضاف إلى ذلك عامل الكلفة، إذ كشفت “رويترز” في 28 تشرين الأول/اكتوبر، استناداً إلى بيانات البنتاغون، أن كلفة الحرب تجاوزت 47 مليار دولار، منها أكثر من 29 ملياراً لتعويض الذخائر المستهلكة، وهذا يجعل الاستنزاف المتبادل عاملاً حاسماً في حسابات واشنطن أيضاً.
قد تنجح الولايات المتحدة في تدمير قدرات عسكرية إضافية، لكنها لا تضمن أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام، فالمعركة الإيرانية الحقيقية تحمل مستويين متداخلين: مواجهة خارجية مع الولايات المتحدة، ومواجهة داخلية تتعلق بشرعية النظام وقدرته على إدارة الاقتصاد والمجتمع والحفاظ على تماسك مؤسساته الأمنية والسياسية، وتراهن طهران على أن الضغط الخارجي قد يعزز تماسك النواة الصلبة للنظام، ويمنحه مبرراً لتعبئة الداخل حول أولوية الأمن والسيادة. لكن هذا الرهان يحمل مخاطرة معاكسة؛ إذ إن استمرار العقوبات والضربات وتراجع الموارد قد يفاقم التناقضات الاجتماعية والاقتصادية ويضعف قدرة الدولة على المحافظة على توازنها الداخلي.
وتتصل هذه المعادلة بنظرية “حرب الاستنزاف” (Attrition Warfare)، حيث لا يكون معيار النصر حجم الخسائر العسكرية وحده، وإنما قدرة الدولة على تعويض خسائرها، والمحافظة على إرادة القتال، وتحمل الكلفة السياسية والاجتماعية للحرب.
تدرك إيران أن ميزان القوة العسكرية التقليدية يميل بصورة حاسمة لمصلحة الولايات المتحدة، لذلك لا تقوم استراتيجيتها على تحقيق انتصار عسكري مباشر، وإنما على منع الخصم من تحويل تفوقه العسكري إلى نتيجة سياسية نهائية، وتستند هذه المقاربة إلى ثلاثة عناصر مترابطة:
- أولاً، الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة على الرد، بما يمنع الولايات المتحدة من الاطمئنان إلى أن المواجهة انتهت.
- ثانياً، توسيع نطاق التكاليف التي يتحملها الخصم، عبر الضغط على الملاحة والطاقة، وإبقاء الحلفاء الإقليميين أمام احتمالات التصعيد.
- ثالثاً، استثمار الزمن في إعادة بناء القدرات، وتثبيت النظام الداخلي، وانتظار تغير الظروف السياسية والاستراتيجية لدى الطرف المقابل.
ماذا عن إبطال التهديد والإنتقال من تغيير النظام إلى تعطيل قدرته الاستراتيجية؟
في هذا السياق، تبرز أهمية تطبيق “نظرية إبطال التهديد” (Threat Neutralization Theory – TNT)، والتي نشرها موقع دفاع العرب سابقاً، فإسقاط النظام الإيراني ليس بالضرورة الهدف الأكثر واقعية أو الأكثر ضماناً للأمن الإقليمي؛ وقد يؤدي انهيار مؤسسات الدولة إلى فراغ أمني وتنافس داخلي وصراعات يصعب احتواؤها، والمعيار الاستراتيجي الأكثر دقة هو إبطال قدرة إيران على إنتاج التهديد، من خلال تعطيل الترابط بين القيادة والقرار والاتصالات والموارد والقدرات العسكرية والحركة العملياتية؛ وينطبق ذلك أيضاً على الأذرع المسلحة، التي تشكل امتداداً لنفوذ طهران وأداة لتوسيع مجال تأثيرها خارج حدودها.
إن إضعاف هذه الأذرع لا يُقاس بعدد القتلى والمواقع التي تُدمّر، وإنما بمدى فقدانها القدرة على تلقي التوجيه، وتنسيق القرار، وتحويل الموارد إلى تأثير عسكري وسياسي مستدام، وإعادة تشكيل القوة، والمحافظة على قبول الرواية، وعندما تتراجع هذه القدرات، يصبح النفوذ الإيراني أقل فاعلية حتى لو بقيت بعض مكوناته التنظيمية والسياسية قائمة.
ماذا بعد ترامب: هل ينتهي الصراع بتغيّر الرئيس؟
في المنطق الجيوبوليتيكي الواقعي، من المفترض أن تتجاوز المواجهة شخصية ترامب، فالمصالح الاستراتيجية للدول أكثر استمرارية من الإدارات السياسية، لذلك من المرجح أن يستمر الصراع باشكاله الحالية بعد ترامب، لا سيما في حال قدوم رئيس جمهوري قريب من الإدارة الحالية، وربما تتغير أدوات واشنطن لتنتقل من المواجهة العسكرية المباشرة إلى الاحتواء والردع والعقوبات والتحالفات الإقليمية، لكن هدف منع تشكل قوة إيرانية قادرة على فرض هيمنتها الإقليمية سيبقى في صلب الأهداف الأميركية، أما إيران، فتراهن على الزمن وتبدل الإدارات الأميركية، وعلى أن الكلفة الداخلية والخارجية للمواجهة ستفرض في النهاية تسوية تحفظ لها جزءاً من نفوذها.

لا تمثل ضربة أميركية مقبلة خياراً حاسماً ينتج حلاً للمشكلة ولنهاية الصراع، فالصراع في حال عدم سقوط النظام، سيكون ممتداً لعقود طويلة، والمعضلة الأميركية ليست في القدرة على توجيه ضربة جديدة، وإنما في تحديد النتيجة السياسية التي تريد تحقيقها بعدها، والضربة التي لا تعطل قدرة الخصم على إعادة إنتاج التهديد قد تتحول إلى حلقة إضافية في حرب طويلة. في المقابل، لا يعني نجاح إيران في البقاء نجاحها في المحافظة على نفوذها السابق، فقد ينجو النظام سياسياً، بينما تتآكل قدرته على التأثير الإقليمي تدريجياً، لا سيما في ظل خسارة ما تبقى من مصداقيته مع دول المنطقة وعلى رأسهم دول الخليج، وهنا تكمن النتيجة الاستراتيجية الأهم: قد لا يكون إسقاط النظام ضرورياً لإنهاء التهديد الإيراني، كما أن بقاء النظام لا يعني انتصاره في الصراع؛ فالمعيار النهائي سيكون قدرة طهران على تحويل ما تبقى لديها من موارد ونفوذ إلى قوة استراتيجية مؤثرة، مقابل قدرة واشنطن على حرمانها من ذلك من دون الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة.


