د.ظافر محمد العجمي-عقيد ركن، واكاديمي ومحلل عسكري كويتي
طابق المحققون محركات صينية الصنع من طراز DLE-111 وDLE-170 مع تلك الموجودة في مسيّرات «قاصف» و«صماد» الحوثية، ووجدوا جيروسكوب V10 صينياً في مسيّرات «أبابيل» الإيرانية. ولم تُصنع أيٌّ من هذه القطع في اليمن.
وإذا تتبعنا أياً منها إلى الوراء، يمرّ المسار عبر تحليل الحطام، وسجلات الشحن والجمارك، وشركات واجهة في هونغ كونغ، وموانئ عبور تُزوَّر فيها الوثائق، ومدفوعات تُسدَّد باليوان. وما يظهر، قطعةً بعد قطعة، هو كيف تُبنى الترسانة الحوثية فعلاً.
كل شيء يبدأ بقطعة حطام
تتبع المكوّنات الدقيقة في المسيّرات الحوثية عملية معقدة تتطلب بناء سلسلة أدلة مترابطة تبدأ من القطعة المستردة وتنتهي عند المستخدم النهائي. تبدأ العملية بجمع الحطام أو المكوّنات المصادرة، مع توثيق مكان العثور عليها وحالتها وسلسلة الحيازة القانونية. ثم يُفحص كل جزء بدقة عبر العلامات التجارية، الأرقام التسلسلية، تواريخ الإنتاج، وخصائص المواد، وهو ما مكّن منظمات مثل Conflict Armament Research من توثيق مئات المكوّنات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة
الخطوة التالية هي مطابقة البيانات مع سجلات الشركات والمصانع وقواعد التجارة الدولية لتحديد المصنّع أو الموزّع الفعلي، مع الأخذ في الاعتبار أن بعض القطع قد تكون مقلّدة أو أعيد تصديرها عبر دول وسيطة. بعد ذلك، يُعاد بناء المسار التجاري عبر فواتير الشحن، بيانات الجمارك، سجلات السفن، وأرقام الحاويات، حيث غالباً ما تُخفى الوجهة النهائية باستخدام شركات واجهة أو عبر شحنات مزدوجة الاستخدام تمر عبر إيران أو دول اخرى قبل وصولها إلى اليمن.
يُستكمل التتبع بمقارنة المكوّنات المضبوطة بما يظهر في المسيّرات الميدانية أو ورش التجميع الحوثية، مما يساعد على تحديد مرحلة التجميع المحلي والوسطاء. وفي بعض الحالات، تُستخدم تقنيات الاستخبارات المالية واللوجستية، مثل تتبع التحويلات البنكية أو مراقبة مسارات الشحن، إضافة إلى التحليل الجنائي للمكوّنات بعد اعتراض المسيّرات أو سقوطها. هذا التحليل يكشف ليس فقط مصدر القطعة، بل أيضاً الشبكة التي أوصلتها إلى الحوثيين.
النتيجة النهائية هي خريطة زمنية دقيقة: المصنّع ← الموزّع ← الشركة الواجهة ← الوسيط المالي ← شركة النقل ← بلد العبور ← المستلم ← الورشة ← الصاروخ او المسيّرة الحوثية. وكلما تراكمت الأدلة المستقلة، ازدادت قوة الربط بين المكوّنات وشبكة الإمداد الحوثية، ما يثبت أن الحوثيين ليسوا مصنّعين مستقلين بل مستخدمين نهائيين يعتمدون على شبكة توريد خارجية معقدة .
محرك صيني في هيكل إيراني
تكشف الأدلة الجنائية والتحليل الصناعي أن مكوّنات الطائرات المسيّرة التي يستخدمها الحوثيون ليست نتاج تصنيع محلي، بل نتاج شبكة توريد معقدة قد تربط الصين وإيران. يبدأ الإثبات من فحص الحطام، حيث أظهرت التحقيقات تطابق محركات صينية مثل DLE– 111 و DLE-170 مع تلك الموجودة في مسيّرات «قاصف» و«صماد»، إضافة إلى أجهزة جيروسكوب V10 التي ظهرت في مسيّرات إيرانية من طراز «أبابيل». هذه المطابقات التقنية تؤكد أن الحوثيين يعتمدون على مكوّنات تجارية صينية مدمجة في تصميمات إيرانية.
كما أوضحت تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة أن بعض المكوّنات الإلكترونية والأنظمة الملاحية تحمل علامات تصنيع مرتبطة بالصين، بينما تتطابق أجزاء أخرى مع منظومات صاروخية إيرانية مثل «رضوان» و«قيام-1». هذا النمط المتكرر من التشابه لا يمكن تفسيره بالصدفة أو بالشراء العشوائي، بل يعكس بصمة هندسية مشتركة.
أما على مستوى تحليل المصادر الصناعية، فقد كشفت التحقيقات أن شركات صينية تصدّر محركات ومكوّنات مزدوجة الاستخدام عبر وسطاء في هونغ كونغ أو دول اخرى قبل أن تصل إلى إيران حيث تُدمج في هياكل وأنظمة تحكم محلية، ثم تُهرّب إلى اليمن. ضبطيات متكررة في البحر الأحمر أثبتت وجود شحنات تحتوي على أسطوانات هيدروجين صينية مغلّفة بألياف كربونية، مخصصة لتشغيل خلايا وقود تمنح المسيّرات مدى أطول وقدرة أكبر على التخفي.
التصميم والتجميع إيراني، بينما المكوّنات الأساسية، من محركات وأنظمة إلكترونية، صينية. وتشير الأدلة إلى وجود سلسلة توريد خارجية تتجاوز العقوبات، وتمنح الحوثيين قدرات هجومية متطورة تهدد الأمن الإقليمي والملاحة الدولية.
حيث يُراد للأثر أن يضيع
تعمل شبكات تهريب المكوّنات العسكرية للحوثيين عبر منظومة معقدة من -الشركات الوهمية- و-دول العبور-، هدفها الأساسي إخفاء الوجهة النهائية ومنح الأطراف المتورطة قدرة على الإنكار. تبدأ العملية بإنشاء شركات واجهة في هونغ كونغ ،او دولة اخرى مثل (Shenzhen Boyu Imports)، تُسجَّل ككيانات تجارية أو لوجستية وتستورد مكونات مزدوجة الاستخدام (محركات، إلكترونيات، أنظمة ملاحة). هذه الشركات تُدار بأسماء وسطاء غير بارزين، بينما الممولون الحقيقيون مرتبطون بقيادات حوثية أو إيرانية. ولتقليل المخاطر، تُنشأ عدة كيانات صغيرة في دول مختلفة، بحيث إذا كُشف أحدها تستمر الأخرى في العمل.
بعد الشراء، تُنقل الشحنات عبر (موانئ وسيطة) ، حيث تُعاد تعبئتها وتُزوَّر شهادات المنشأ لتبدو كمواد مدنية. أحيانًا تُرسل أولًا إلى هونغ كونغ مثلا، ثم تُعاد شحنها بأوراق مزورة. كما تُستخدم طرق بحرية عبر القرن الأفريقي أو إيران، حيث تُنقل المكونات على سفن صغيرة أو مراكب شراعية لتصل إلى موانئ قريبة من اليمن، ومنها تُوزع برًا إلى مناطق الحوثيين.
تتعدد أساليب الإخفاء:
– وثائق مزورة: تُظهر أن البضائع معدات إلكترونية أو قطع غيار مدنية.
– تجزئة الشحنات: إلى أجزاء صغيرة تُرسل عبر مسارات مختلفة لتقليل احتمالية كشفها.
– شركات لوجستية دولية: تُستخدم لتغطية العمليات، ما يجعل من الصعب التمييز بين الشحنات المشروعة والمكونات العسكرية.
وفي المحصلة، تمكّن هذه الواجهات التجارية ودول العبور المتعددة مجتمعةً الحوثيين من الحصول على مكونات الطائرات المسيّرة والصواريخ دون كشف الوجهة الحقيقية. هذا النظام يخلق طبقات من التمويه ويجعل الرقابة الدولية عاجزة عن وقف التدفق، محوّلًا الحوثيين إلى قوة مصنّعة محليًا تعتمد على سلاسل توريد عالمية
تتبّع اليوان
يلعب (الدفع باليوان الصيني) دوراً مساعداً ضمن هذه الشبكة، إذ يوفّر قناة تسوية خارج منظومة الدولار الأمريكي. هذا المسار يُستخدم لتسوية معاملات تجارية عبر حسابات أو شركات وسيطة، خصوصاً في صفقات النفط الإيراني، حيث تُحوَّل العائدات إلى أرصدة باليوان يمكن استخدامها لشراء مكوّنات ذات استخدام مزدوج. لكن هذا لا يعني أن الصين كدولة تبيع أسلحة مباشرة للحوثيين؛ فالأدلة تشير إلى وجود مكوّنات صينية الصنع ضمن شبكات شراء معقدة، لا إلى قرار رسمي حكومي. العقوبات الأمريكية استهدفت بالفعل شركات وأفراداً في الصين واليمن ودول أخرى لتسهيل نقل هذه المواد إلى الحوثيين، لأنها تنتهي في مسيّرات وصواريخ تهدد الأمن الإقليمي والملاحة الدولية.
** دور اليوان في التمويل
– قناة بديلة: عبر نظام المدفوعات الصيني (CIPS)، يمكن تسوية المعاملات باليوان بعيداً عن الرقابة الأمريكية.
– المقايضة النفطية : إيران تبيع النفط للصين وتحصل على أرصدة باليوان تُستخدم لاحقاً في شراء معدات.
– شركات واجهة : تُسجَّل التحويلات عبر كيانات في هونغ كونغ مثلا لإخفاء المستفيد النهائي.
**آليات رصد التحويلات
– تحليل بيانات البنوك : البحث عن أنماط غير طبيعية في التحويلات باليوان.
– مطابقة الفواتير والشحن : كشف التناقض بين قيمة السلعة ووصفها.
– مراقبة الشحن البحري : تتبع تغيير أسماء السفن وأعلامها ومساراتها.
– التعاون الاستخباري : مشاركة المعلومات بين البنوك ووحدات الاستخبارات المالية والجمارك.
– تحليل الشبكات : رصد التجزئة غير المعتادة للمدفوعات أو مرورها عبر أطراف ثالثة.
اليوان ليس دليلاً بذاته على تهريب السلاح، لكنه(خيط مالي) يُستخدم ضمن شبكة أوسع من شركات واجهة، مقايضات نفطية، وتحويلات معقدة. رصده يتطلب دمج الأدلة المالية مع بيانات الشحن والمكوّنات الميدانية، للوصول إلى صورة أوضح عن سلسلة الإمداد التي قد تنتهي عند الحوثيين .
ما تقوله السجلات التجارية في مواجهة التصريحات
تتعارض الأدلة التجارية مع الموقف السياسي لبعض الدول المعلن بشأن الاستقرار وعدم نقل الأسلحة من خلال فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والممارسات على الأرض.
تؤكد الدول المتورطة رسمياً التزامها بـ”الصعود السلمي”، وعدم التدخل، ودعم الحلول السياسية في اليمن، والرقابة الصارمة على صادرات الأسلحة والمواد مزدوجة الاستخدام. وتشدد وزارة الخارجية لهذه الدول وممثلوها في مجلس الأمن على أن صادراتها تخضع لضوابط دقيقة، وأنها لا تزود أطراف النزاع بأسلحة أو مكونات، معتبرة أي تعاون تجاري “مشروعاً” وفق قواعد منظمة التجارة العالمية.
غير أن التقارير الدولية وعمليات الاعتراض تكشف صورة مغايرة. فبين عامي 2021 و2025، شكلت المكونات والمواد الخام مثلا ذات المنشأ الصيني نحو 35% من المضبوطات المتجهة إلى الحوثيين، متفوقة على المصادر الإيرانية. وتشمل هذه المواد محركات طائرات مسيّرة، ومراوح، ووحدات توجيه، وإلكترونيات، ومعدات تصنيع دقيقة، وصلت عبر شحنات تجارية عادية أو وسطاء، وغالباً ما تُصنَّف مدنية. وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركات صينية مثل Shenzhen Rion وShenzhen Jinghon وChang Guang Satellite لتوريدها مكونات أو صوراً فضائية ساعدت في تعزيز قدرات الحوثيين الهجومية في البحر الأحمر.
يسمح هذا النمط بـ”الإنكار المعقول”: فالعمليات تُنسب إلى شركات خاصة أو سلاسل توريد معقدة، مما يحمي بكين من المسؤولية المباشرة. ومع استمرار التدفق رغم التحذيرات والعقوبات، يبدو مبدأ الاستقرار انتقائياً، إذ تتقدم المصالح التجارية والجيوسياسية على الالتزامات المعلنة بمنع الانتشار ودعم الأمن الإقليمي.
تتضح الصورة النهائية لشبكة توريد المسيّرات الحوثية في تداخل المال والسياسة؛ فالتمويل باليوان الصيني مثلا عبر نظام المدفوعات (CIPS) والمقايضات النفطية مع إيران يوفّر قناة مالية بديلة تتجاوز العقوبات الغربية، ويُستخدم لشراء مكوّنات مزدوجة الاستخدام تُهرّب عبر شركات واجهة ودول عبور. في المقابل، يتناقض هذا الواقع مع الخطاب السياسي للدولة المصدرة المعلن عن التزام الاستقرار وعدم نقل الأسلحة، إذ تكشف المضبوطات أن المكوّنات من الدول التي تحوم حولها الشبهات تشكّل نسبة كبيرة من المواد المضبوطة المتجهة للحوثيين. والمسار لا ينتهي في اليمن، بل يعود عبر عقد العبور والشركات الواجهة والحسابات المقوّمة باليوان والتصريحات الدبلوماسية، وكل عنصر منه ظاهر لمن أراد تتبعه.


