لماذا خلقت أنظمة الدفاع الأمريكية تقنية الميتافيرس
لماذا خلقت أنظمة الدفاع الأمريكية تقنية الميتافيرس

لماذا خلقت أنظمة الدفاع الأمريكية تقنية الميتافيرس

ا.د. غادة محمد عامر
وكيل كلية الهندسة للدراسات العليا والبحوث – جامعة بنها
زميل ومحاضر كلية الدفاع- أكاديمية ناصر العسكرية

في 6 يونيو عام 2008م كتب شخص يدعى ” نوح شيفمان” على موقع “نتورك وورد” ” Network World” مقال بعنوان ” داربا ومحاولة المستحيل: المحاكاة الذاتية للتدريب الدفاعي”، يشرح فيه قيام الوحدة “داربا” “DARPA” بوضع تمويل مبدئي قيمته 30 مليار دولار، لمشروع يدعىNational Cyber Range (NCR) يهدف إلى إنشاء بيئة افتراضية حيث يمكن لوزارة الدفاع الاستعداد للحرب وشن هجوم عبر الإنترنت. ولقد كتب في هذا المقال أن التقنية الناشئة اسمها تقنية “الميتافيرس” “Metaverse” الرقمي، أي أن تقنية “الميتافيرس” التي أعلن عنها مارك زوكربيرج في 28 أكتوبر الماضي لم تكن إلا تطبيق لمشروع عملت عليه الوحدة “درابا” منذ مدة!

لقد كان أول ظهور للإنترنت في شكل شبكة لتوصيل أجهزة الحاسوب عام 1969م والتي أطلق عليها اسم “أبرانت” “Arpanet” وكانت توفر الاتصال بين عدة نقاط في الولايات المتحدة الأمريكية، هذه النقاط هي جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وجامعة ستانفورد، وجامعة يوتا، وجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا. وفي عام 1975م قامت وزارة الدفاع الأمريكية بالاستحواذ على هذه الشبكة (لأنها كانت أحد مخرجات البحوث التي تمولها الوحدة درابا داخل تلك الجامعات) وأطلقت عليه اسم “داربانيت” (شبكة مشاريع البحوث المتقدمة للدفاع) “DARPANET”. ومنذ ذلك الحين استمرت “داربا” في تطوير بيئة الانترنت لدعم قطاع الدفاع ببحوث نوعية، كان على رأسها مشاريع لربط الواقع الحقيقي مع الخيال والأوهام لمحاكاة الحرب السيبرانية بتقنية أطلق عليها “ميتافيرس”. كان الهدف من هذه التقنية هو خلق بيئات تدريبية تحسن دقة التعامل مع العالم المادي، وذلك عن طريق استنساخ الأنظمة والبيئات الفيزيائية باستخدام تقنية الحاسوب المتقدمة. لقد أثبت تدريب المحاكاة باستخدام التقنيات الافتراضية نجاحا هائلا، لأنه يتم فيها دمج التفاعل البشري بالمهام البدنية، والتطوير للمحافظة على المهارات النفسية المحددة. على سبيل المثال تؤدي إجراءات المستخدم إلى ردود فعل جسدية، مما يسمح بالتدريب المعرفي والإدراكي لتقليل رد الفعل الخطير وتحسين النتائج في الواقع الحقيقي. وعند تطبيقها على المهام النفسية والفكرية فإنها تعمل على تحسين الإلمام بالمهام المعرفية، وتوفر التدريب الذهني، وبالتالي تساعد على صنع القرارات. ومنذ مدة في بعض الدول المتقدمة وعلى رأسهم الولايات المتحدة والصين تلعب تقنيات المحاكاة مثل “الميتافيرس” دورا رئيسيا في إعادة إنشاء الأحداث التاريخية ورسم الخرائط ودراسة السيناريوهات المستقبلية المحتملة وكذلك التنبؤ بالكوارث، والأخطر كيفية خلق الكوارث أو المشاكل في بعض الدول المستهدفة. أي إن الهدف هو استخدام تقنية الألعاب لإنشاء بيئات اصطناعية واحدة، قادرة على النمذجة بدقة مع الظواهر الجيولوجية المختلفة، وكذلك دمج عمليات التصنيع، وحتى السلوك البشري لدعم التخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرارات.

إن تقنية “الميتافيرس” هي عبارة عن مساحة افتراضية مشتركة حيث يتم تمثيل الأشخاص بواسطة صور رمزية رقمية، ينمو هذا العالم الافتراضي ويتطور بناءً على قرارات وأفعال المجتمع داخله

إن تقنية “الميتافيرس” هي عبارة عن مساحة افتراضية مشتركة حيث يتم تمثيل الأشخاص بواسطة صور رمزية رقمية، ينمو هذا العالم الافتراضي ويتطور بناءً على قرارات وأفعال المجتمع داخله. كذلك هي نسخة رقمية جديدة من العالم يمكن البحث فيها والنقر عليها وقراءتها آليًا. في هذه التقنية تستطيع خلق صورة رمزية تكون مخصصة لك، وستكون من خلالها قادرًا على التفاعل مع الصور الرمزية الأخرى في بيئة افتراضية. في هذا العالم شيء واحد يجب مراعاته، هو أنه كلما أصبح العالم الافتراضي أكثر تفاعلًا، يجب أن يتحمل الناس المسؤولية عن أفعالهم وسلوكياتهم في هذا الكون. إنهم يريدون بناء بيئة رقمية حيث يمكننا البقاء في عوالم افتراضية والقيام بأشياء هناك كما لو كنا في عالم حقيقي. هذه التقنية قد تكون مفيدة في أمور كثيرة وليس فقط للذين يبحثون عن الترفيه. تخيل كيف يمكن للأشخاص ذوي الإعاقة أو المواقف الحياتية التي تمنعهم من السفر الوصول إلى تجارب لم تكن لتتوفر لهم على الإطلاق في العالم الحقيقي. المشكلة في أن نفس الواقعية التي تجعل من الواقع الافتراضي نعمة محتملة للكثيرين للقيام بأعمال لم يكونوا قادرين عليها في الواقع الحقيقي، يمكن أن تعني أيضًا أن المخاطر في ميتافيرس ستكون أكثر عمقًا وبالتالي أكثر ضررًا، لأنه على سبيل المثال لا الحصر، ستكون المعلومات المضللة أكثر تأثيرا وبالتالي أكثر إقناعًا؛ وستكون التجارب اليومية أكثر جاذبية – كل شيء يبدو أفضل بـ 10 مرات مما هو عليه في الواقع- وبالتالي أكثر إدمانًا. حتى السؤال عن كيفية ظهور الإعلان في الواقع الافتراضي يثير مشاكل فريدة تتعلق بالشفافية. كذلك بسبب التقنيات الجاذبة التي تكون مع هذه التقنية ستزيد من خطورة الانغماس المتزايد لأنه سيتم تضخيم جميع المخاطر الحالية للإنترنت، ومع الوقت سنصل إلى النقطة التي نتفاعل فيها أكثر في العوالم الافتراضية بدلاً من العالم الحقيقي، حتى إننا سوف نشعر بالمشاعر والانفعالات كما لو كنا في الواقع الحقيقي، فمثلا إذا لوح شخص ما بسكين افتراضي في وجهك أو لمسك في ميتافيرس، فإن الرعب الذي تواجهه ليس افتراضيًا على الإطلاق، لأن أدمغة البشر تستجيب بشكل مماثل كما في العالم الحقيقي؛ وبالمثل، تتفاعل أجسادهم مع الأحداث في الواقع الافتراضي كما هو الحال في العالم الحقيقي، مع تسارع معدلات ضربات القلب في المواقف العصيبة. هناك خطر حقيقي آخر يتمثل في أن شركات مثل فيسبوك (Meta) ستحصل على المزيد من البيانات عنا، خاصة مع الأجهزة القابلة للارتداء والأجهزة التي تسمح لنا بالتفاعل في ميتافيرس ستنقل قدرة هذه الشركات على جمع المعلومات عنا الى مستوى خطير، لأنهم سوف يجمعون البيانات البيومترية للأشخاص، كذلك سيجمعون المزيد من البيانات حول سلوكنا، بناءً على كيفية استجابة أجسامنا للمنبهات المختلفة. وبالتالي يمكنهم توقع سلوكنا والتأثير عليه. ويمكن إساءة استخدام هذه المعرفة بسهولة لفصل الشعوب عن واقعها وجعلهم مسلوبي الإرادة. المرحلة التالية هي الرقائق الدقيقة التي تزرع في الجسم، بعد الأجهزة القابلة للارتداء، فهذا هو الاتجاه الواضح التالي، التفاعل داخل عقولنا، وهذا ما يعمل عليه إيلون ماسك المدير التنفيذي لشركة “نيورالينك”. وفي تقرير بحثي بعنوان” الميتافيرس والامن القومي” نشره أول هذا الشهر معهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة، حذر باحثون في مركز الأبحاث من أن ميتافيرس، الذي يمكن أن يكون جزءًا من الإصلاح الاقتصادي، سيكون له بالتأكيد تأثير على مجال الأمان والأمن القومي. حيث كتب الباحثون أن المخاطر المحتملة المرتبطة بالميتافيرس يمكن أن تتمحور حول الهيمنة التكنولوجية والمعلومات والأمن التكنولوجي، فضلاً عن المشكلات المجتمعية التي يمكن أن تخلقها الدول او الجهات التي تمتلك هذه التقنية. كما يقول الخبراء إن ربط تقنية الميتافيرس مع فيسبوك سوف يمثل أرضًا خصبة لتكاثر الجريمة وقضايا الصحة العقلية، لذلك هناك مخاوف بشأن كيفية ضبط الجريمة في هذا العالم الجديد.

الخلاصة: كن مستعدًا. أنت لا تعرف أبدًا ما هو قادم، سيستغل المعادون لك ولوطنك نقاط الضعف وسيستفيدون من هذه التقنية الخطيرة خاصة لو لم نكن واعين لكيفية استخدامها بالشكل الصحيح. الآن هل عرفت لماذا خلقت أنظمة الدفاع الأمريكية تقنية الميتافيرس؟

<strong>أ.د. غادة عامر</strong>
أ.د. غادة عامر

الأستاذ الدكتور غادة عامر هي وكيل كلية الهندسة للدراسات العليا والبحوث بجامعة بنها، ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية للعلوم والتكنولوجيا ونائب رئيس المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا. تشغل عددًا من المناصب الاخرى، مثل مدير مركز الابتكار وريادة الأعمال في اكاديمية البحث العلمي – مصر، ومدير مركز الابتكار وريادة الأعمال في جامعة بنها، والرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لمختبر الابتكار ASTF، والرئيس السابق لقسم الهندسة الكهربائية بجامعة بنها والمدير التنفيذي للأوقاف العالمية. كما اختيرت لتكون ضمن أحد أعضاء لجنة تحكيم جوائز” رولكس” للابتكار بسويسرا.

تعليق واحد

  1. أفضل وسائل الدفاع عن الوطن العربي و الإسلامي هو البناء الجيد للنفس البشرية و صحتها و سلامتها و التي تتأتى من خلال العقيدة السليمة و الراسخة المبنىية على الفكر و العلم الصحيح و ان مجتمعنا العربي قد تميز كل التميز منذ الزمن البعيد في أسس و مباديء الدفاع بما حباه الله تعالى من صفات الشجاعة و الأقدام و حماية القبيلة و الجود بالمال و النفس لنصرة الحق و النزعة إلى الخير و الشهامة مما جعله على مر الزمان متفاعلا مع الواقع المادي الملموس دون خوف أو رهبة و دون اللجوء إلى عوالم افتراضية خوفا من ملاقاة العدو وجها لوجه مع مراعاة أرفع و أنبل أعمال المروءة و الشهامة دون غدر او خيانة أو اختلاف موازين القوة فالحرب ليست على الضعيف و ليست للقوة اللا متماثلة لأن مفهوم الحرب عند النبلاء لإنفاذ فكر أو معتقد يراه حق مع خصم يرفض ذلك الفكر بالقوة هو استعمال القدر اللازم فقط من القوة لانفاذه و ليس محو الخصم أو افنائه كما حدث للأسف الشديد في الحرب العالمية، كما أن النبلاء في مختلف الشعوب و خاصة العرب تلقى خصومها بصدورها و نحورها وجها لوجه و في العلن و تحديد السلاح و المكان لان القوة تكمن في ذات الإنسان و عزيمته و تمسكه بمبادئه و معتقده ذلك الأمر الأهم و الذي حبا الله به العرب فأرسل فيهم الرسالة الخاتمة و انزل القرأن عربيا على نبيه العربي صلى الله عليه وسلم ليبني نفوسا عظاما لا يطالها ترهيب و لا تخويف و لا ترويع كما أمرهم بالاعداد قدر المستطاع و غرس فيهم ما ليس لاحد في الثقلين.
    و لذا فإن اعداد النشأ و تهيئته نفسيا بالعقيدة الراسخة هو أقوى أنظمة الدفاع مع تحليل و توضيح التعامل الأمثل مع مختلف المستجدات على كل الاصعدة و عدم السماح بتسرب هالات الرعب و القوى الخرافية إلى نفوس أبنائنا.
    و قد مارس معظمنا من خلال العاب البلاي استيشن و نظارات الرؤية الافتراضية منذ سنوات فكرة التعايش في العوالم الافتراضية و قد ابهرتنا كثيرا و أعجب بها ابناؤنا تماما و لكن بمجرد زوال المؤثر ينتهي الأثر اي اننا من يوافق على استقبال المؤثرات لنجد أثرها و أيضا نحن من يترك المؤثرات لترك الأثر و متابعة الواقع الحقيقي
    لذا فإنه يتعين علينا تحديد ما يفيدنا و تجنب ما لا يفيد مع الاستباق لوضع معايير تنظيم تناول هذه التقنية الجديدة و تحديد لواذح و قوانين تمنع الوقوع في شراكها كما حدث في وسائل التواصل الاجتماعي سابقا و دمرت مجتمعات و بلدان كاملة و لنبدأ الان بوضع تصورات لدخول ذلك العالم الافتراضي ليس لبيوتنا فقط بل داخل نفوسنا و نبادىء بتشريع قوانين تمنع تخطي الافتراضيين عالمنا و القدرة على محاسبة منتحليهم الحقيقيين حال قيام مسوخهم باي عمل خارج عن القانون الخاص بنا مع القدرة على التحكم في مستويات تفعيل تلك التقنيات داخل بلادنا كما انتبهنا مؤخرا إلى تعقب الجرائم الإلكترونية و ما زلنا غير قادرين على حماية مواطنينا من مختلف انواع التعديات الاليكترونية فهيا نبدأ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: غير مسموح