سياسة القوة الروسية وغزو أوكرانيا

العميد صلاح الدين أبوبكر الزيداني

ظهر مفهوم سياسة القوة اليوم واضحاً وجلياً في عملية غزو أوكرانيا حيث أعطت سياسة القوة الأولوية للمصالح الوطنية الروسية ذريعة للتعالي على مصالح الدول الأخرى أو المجتمع الدولي، وبالتالي بررت ما شاهده العالم اليوم من بداية عملية الإجتياح الروسي لأوكرانيا لحماية مصالحها، العملية العسكرية بدأت بعد تسلسل تلقي الأمر القتالي من المستوى الأعلى حيث طالب الرئيس الروسي بوتن في خطاب تلفزيوني قبل الفجر الجيش الأوكراني بإلقاء أسلحته وكان ذلك بمثابة الإعلان عن بدء العمليات القتالية في الساعة 06:00 صباحاً لتبدأ بعدها بدقائق معدودة عمليات القصف الجوي والصاروخي نفذته وحدات الصواريخ البالستية أسكندر والمدفعية الصاروخية، سبقه هجوم إلكتروني واسع أخرج مواقع البرلمان والحكومة الأوكرانيين، إلى جانب المواقع المصرفية المستهدفة عن العمل وعطل وسائط الإتصال الأوكرانية تبع ذلك بدء التحرك لهجوم لوحدات القوات البرية تساندها وحدات من حليفتها روسيا البيضاء التي قامت بالسيطرة على الطرق والمحاور الرئيسية المؤدية للمدن المهمة في البلاد والتحرك نحو مدن لوهانسك أوبلاست ، وسومي أوبلاست ، وخاركيف أوبلاست ، وتشرنيهيف أوبلاست ، وجيتومير أوبلاست ، وعبرت الحدود من شبه جزيرة القرم وهاجمت القوات الروسية أيضًا مدينتي أوديسا وماريوبول في عمليات إنزال برمائية, وهنا نذكر بأن القوات الروسية والبيلاروسية أنهت قبل أيام مناورة تدريبية مشتركة بينهما من المرجح أنها نفذت خلالها تدريباً يحاكي ما جرى اليوم.

الهجوم الجوي والبري والبحري المكثف أصاب الجيش الأوكراني بالشلل وعطل أنظمة دفاعه الجوي وأنزل خسائر وإصابات عديدة في أفراده وعرض قواعده وعقد السيطرة والتحكم لديه لضربات دقيقة نتج عنها تدمير 74 منشأة عسكرية أوكرانية، بما في ذلك 11 مطارًا وفقاً بيان لوزارة الدفاع الروسية.

العلاقات بين الدولتين قديمة وتاريخية فعلى الرغم من كون أوكرانيا دولةً مستقلّةً مُعترفٌ بها منذ عام 1991، بعد أن كانت جمهورية مُكوِّنة للاتحاد السوفييتي المنهَار، فقد نظرت القيادة الروسية إلى أوكرانيا الدولة الجارة على أنها جزء من مجال نفوذها، وتحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مراراً علنًا وبشكلٍ صريح ومباشر ضد عضويّة أوكرانيا في الناتو وأعتبر ذلك عملاً غير مقبول ومهدد للسيادة الروسية كون روسيا العدو التقليدي للناتو ستكون على مرمى حجر منه ومن هنا تعددت الذرائع وتنوعت لتأخذ شكل أنفصال اجزاء من أوكرانيا حيناً ثم ضم شبه جزيرة القرم حيناً آخر ثم الإعتراف بالأقاليم المنفصلة مؤخراً من طرف واحد ليتطور الصراع ويدخل مرحلة المواجهة والغزو المباشر , هذه المواجهة هي الأولى بين الطرفين منذ أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم إلى أراضيها في عام 2014، وكانت تلك نقطة الانهيار الرئيسية للتوتر بين البلدين اندلع على أثرها نزاع مسلح في غرب أوكرانيا بين القوات الأوكرانية والانفصاليين الموالين لروسيا، الذي خلف أكثر من 10 آلاف قتيل وحوالى 1.7 مليون نازح .

الهجوم لم يكن مفاجئاً للكثير من الخبراء والمهتمين بالشئون العسكرية والأمنية فالمناكفات السياسية التي حصلت في الأسابيع الأخيرة لم تصل إلى حل يقبله الطرفان وتباركه دول العالم لتنهي أزمة قد تنتهي بصراع مسلح وحرب لا تبقى ولا تذر بل أنها زادت الأزمة تعقيداً , ومع أن الأمر لن يكون نزهة لطرفي الصراع إلا أن النتائج لصالح الروس تكون حاسمة فالقوات المسلحة الروسية تدربت كثيرا لتصل لهذا المستوى الذي ظهرت به اليوم ويكفي أن نعرف بأنه كان من المقرر بحلول العام 2020م ستنتقل القوات المسلحة الروسية بمختلف صنوفها ووحداتها الى مرحلة متقدمة من الآداء والجاهزية القتالية نتيجة لخوض العديد من التدريبات الميدانية والمناورات على مختلف المستويات, ووضعت لذلك خطة عمل طويلة للوصول لمستوى عال من الكفاءة والجاهزية القتالية على مدى عدة سنوات، وبالفعل وصلت للمستوى المخطط له ففي العام 2017م فقط أكملت القوات الروسية ما يزيد عن 8000 فعالية ومشروع تدريبي ومناورة مشتركة وأنهت عملية تدريب راقي لأكثر من 77.500 خبير عسكري لصالح القوات المسلحة الروسية في القطعات والوحدات العسكرية بمستوى تدريب متميز كون خبرات مهنية عالية في مشاريع تدريبية ومناورات بمستويات مختلفة إجتازت خلالها القوات الروسية تمارين قياسية بتقديرات “جيد” و”ممتاز” بالمقارنة مع السنوات الماضية وبعد فترة التدريب كانت هناك عدة وحدتن قتالية تحمل إسم “الوحدة الضاربة” .

وحالياً هناك اكثر من 261 تشكيلاً ووحدة عسكرية في الجيش الروسي تحمل إسم “الوحدة الضاربة” عن جدارة وإستحقاق وهذا الإسم يعتبر بمثابة شهادة بالمستوي القتالي والتعبوي العالي الذي تصل إليه وحدات الجيش العاملة وجزء كبير من هذه الوحدات يتواجد الآن في مناطق التحشد ومهمتها التقدم نحو أوكرانيا وتتصف عملياتها بالدقة والسرعة في تنفيذ مهامها.

بشكل عام تعد روسيا عالميا ثاني أكبر قوة عسكرية بعد الولايات المتحدة، وفقا للتقييم السنوي “جلوبال فاير باور” من حيث القوة الضاربة للجيش، والرابعة من حيث الإنفاق العسكري وكل ذلك يأتي موافقاً للبرنامج الزمني الخاص بتكليف رؤساء هيئات الإدارة العسكرية بمهام العملياتية وفقاَ لمجالات مسؤولياتهم.

برامج التحديث للجيش الروسي وبرنامج التسلح للسنوات 2018 إلى 2025 إستهدف تطوير أسلحة الدقة العالية والإستجابة السريعة وروبوتات ومركبات غير مأهولة لأعمال الإستطلاع والقتال وتطوير أجهزة حديثة للملاحة والطائرات بدون طيار وأنواع جديدة من الأسلحة ستغير استراتيجية وتكتيك الصراع المسلح بحلول 2020-2025.

ولا ننسى بأن القوات الروسية تحصلت على فرصة كبيرة لإظهار قدرات أسلحتها وفاعليتها خلال سير عملياتها القتالية في سوريا وفي المقام الأول ما يتعلق بالقاتلات الجوية وأسلحة الدقة العالية من الصواريخ ذات المدى البعيد ورفعت معدلات تطوير أداء أفراد قواتها المسلحة بشكل نوعي ما عزز لديهم الشعور بالاعتزاز بالخدمة العسكرية ورفع معنوياتهم وثقتهم بجيشهم وقدراته بشكل كبير.

وهذه المعدلات ساهمت في تزويد القوات بنماذج الأسلحة الحديثة والمعدات الى مستوى 70% بحلول 2020م وما بعده ، وكذلك سمح نظام المراقبة الخاص بالتسليح على تحقيق خطة انجازات وزارة الدفاع الروسية حتى 2020م بتحسين الأوضاع والتأكيد على البنية التحتية العسكرية المتكاملة.

وكان السؤال الملح … ما الذي تجهز له روسيا وقواتها المسلحة بقدراتها العسكرية العملياتية التي ستتفوق وفق هذا التحديث على أكبر الجيوش وفي نظري حتى على دول حلف الناتو نفسها والتي يحذر ساستها وخبراؤها العسكريين من تنامي القدرة العسكرية الروسية بشكل أصبح يهدد مستقبل حلف الناتو وأمن أوروبا.

الاجابة اليوم واضحة ، والعالم كله يترقب الأحداث ، هل تستمر روسيا في تنفيذ ملفاتها المخطط لها بروية وتكمل سيطرتها على اوكرانيا وتضمها اليها ، أم انها ستأخذ استراحة محارب وتتوقف ليعرف العالم مقدار قوتها وتستأنف ما تصبو اليه في وقت آخر بمكاسب سياسية.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.