قدرات التزود بالوقود جواً.. ضرورية استراتيجية وحاجة طارئة

العقيد الركن م. ظافر مراد

تقدمت صناعة الطائرات الحربية بكافة أنواعها لتجاري متطلبات المعركة الحديثة ولتتغلب على الصعوبات والتحديات والظروف المتوقعة أو الطارئة، ودخلت التكنولوجيا الحديثة وأحياناً الذكاء الإصطناعي في أنظمة عمل الطائرات، بحيث أصبحت وحشاً تكنولوجياً طائراً لا تضاهيه أية وسيلة قتالية أخرى، ومن المعروف أن من يمتلك السيطرة الجوية تسهل عليه السيطرة على أرض المعركة، لذلك بقيت الطائرات الحربية الأداة الأمثل لكسب الحرب، ومع كل التطور التكنولوجي والتقدم في علم الآيروديناميك وفي صناعة المحركات الجبارة والتكنولوجيا الشبحية، بقيت هناك معضلة أساسية تمنع هذا السلاح من أن يكون سلاحاً مثالياً يمكن الإعتماد عليه في كافة المهام، وهذه المعضلة تتمثل في المدى المجدي لعمل الطائرات وقدرتها على قطع مسافات طويلة لتنفيذ مهام ضرورية وحساسة.

كان أول من ابتكر فكرة التزود بالوقود جواً، طيار ومهندس أميركي من أصل روسي إسمه ألكسندر دي سيفرسكي، كان سيفرسكي طياراً بحرياً في إسطول البلطيق الروسي، ونفذ مهام قتالية عديدة في الحرب العالمية الاولى وتعرض لإصابات خطيرة عدة مرات قبل سفره إلى الولايات المتحدة الأميركية في مهمة بروتوكولية، عندها قرر البقاء في أميركا بسبب الثورة التي اندلعت في روسيا عام 1917، وهناك تم تعيينه مهندساً إستشارياً في سلاح الجو الاميركي ، حصل سيفرسكي على أول براءة اختراع للتزود بالوقود جوًا في العام 1921.

حدثت أول عملية ناجحة للتزود بالوقود في الجو في 27 حزيران 1923، وكان ذلك في الولايات المتحدة الأميركية عندما مررت طائرة DH-4B تحمل الملازمين “Virgil S. Hine” و” Frank W. Seifert” الوقود عبر خرطوم إلى طائرة أخرى من نفس النوع تحلق تحتها وتحمل الملازمين “Lowell H. Smith” و”John P. Richter”.

وفي 25 تشرين الأول عام 1923، طار “Smith ” و”Richter” دون توقف من الحدود الكندية إلى الحدود المكسيكية، مسافة 1250 ميلًا، عن طريق إعادة التزود بالوقود ثلاث مرات أثناء وجودهما في الجو. ومنذ ذلك الوقت أصبحت نظرية توسيع مدى الطائرة عن طريق التزود بالوقود في الجو حقيقة مثبتة وقابلة للتطبيق، وأضافت بعداً جديداً لعمل القوات الجوية، وعززت مفاهيم ونظريات القتال الجوي ومهام القصف الإستراتيجي.

تشكِّل المهام الجوية بعيدة المدى تحدياً كبيراً للقوات الجوية كافة وفي مختلف الجيوش، فبعد توسُّع مسارح العمليات العسكرية، وظهور الحاجة إلى قدرات جوية تستطيع قطع مسافات طويلة لضرب أهداف في العمق المعادي، وفي مناطق ودول بعيدة، بحيث تشكِّل اليد الطويلة للقوة العسكرية لأي دولة، أصبحت الحاجة لقدرات التزود بالوقود جواً مسألة ملحة وضرورية، لدرجة أنه لا يمكن لأي قوة عُظمى أن تفرض إرادتها وتهدد خصومها دون حيازتها على هذه القدرات، وعلى الرغم من وجود الصواريخ بأنواعها الجوالة والباليستية وبسرعاتها الفرط صوتية، والتي تقطع مسافات كبيرة جداً، إلا أن عددها يبقى محدوداً في ظروف الحروب الشاملة ومهام القصف الجوي الكثيف، إضافة إلى أن كلفة تدمير الأهداف المعادية بواسطة القنابل والصواريخ التي تحملها الطائرات، تبقى أقل كلفة بكثير من استعمال الصواريخ الحديثة.

 تشكل قدرات التزود بالوقود جواً عن طريق طائرات نقل وقود خاصة، حاجة ملحة للقوات الجوية الحديثة، لا سيما عند الدول الكبرى، ومن ابرز عمليات التزود بالوقود حديثاً هي التي نفذها سلاح الجو البريطاني أثناء حرب جزر الفوكلاند في العام 1982، حيث استطاعات طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني قطع مسافة 8000 ميل لتنفيذ عمليات قصف على هذه الجزر، مستفيدة من إعادة التزود بالوقود جواً مرات عديدة متتالية من حاملات الوقود نوع  Hercules C.1 وVictor، وذلك بعد إجراء تعديلات طارئة على عدد كبير من هذه الطائرات لتصبح قادرة على تزويد المقاتلات البريطانية بالوقود جواً، وقد كانت هذه العملية الأكثر أهمية والاكثر تأثيراً في نجاح الحملة البريطانية والإنتصار في الحرب.

إهتمت شركات الصناعات الدفاعية الجوية بتطوير طائرات التزود بالوقود جواً، وذلك بعد أن لمست الحاجة الملحة لأعداد كبيرة لمثل هذه الطائرات، وعلى الرغم من تعظيم القدرات الجوية عند الكثير من الدول، إلا أن معظمها يُهمل مسالة القدرة على التزود بالوقود جواً، وربما يعود ذلك إلى المساحة الصغيرة لهذه الدول، وللنطاق الضيق للمدى العملياتي للقوات الجوية، ومع ذلك تبقى الحاجة لهذه الطائرات ضرورة ملحة، فلا احد يعرف كيف ستكون عليه المهام المستقبلية للقوات الجوية، واين ستكون التهديدات التي يجب القضاء عليها والتعامل معها بسرعة وبقوة أينما كانت، ولا يجب أن ننسى أن مهام القوات الجوية لا تقتصر فقط على العمليات الحربية، بل هناك عمليات عسكرية غير حربية” Military Operations Other Than War” مثل الإغاثة والإنقاذ في الكوارث وتقديم الدعم الإنساني وعمليات الإجلاء وغيرها.

على الرغم من المنافسة القوية في مجال القدرات الجوية وصناعة الطائرات بين الشركات والدول، إلا أن هذا التنافس لا يظهر في مجال طائرات التزود بالوقود جواً، وهناك الكثير من الخيارات الممتازة التي تقدمها بعض الشركات للإستحواذ على هذا النوع من الطائرات، ومن أبرز الشركات، بوينغ العريقة في صناعة هذا النوع من الطائرات، وهي تقدم أحدث طائراتها (Boeing KC-46A Pegasus ) لتحل مكان نماذجها القديمة، وتعتبر هذه الطائرة الأكثر تقدماً بين مثيلاتها، وقد تم تصميمها لتلبية متطلبات القوات الجوية الأمريكية وحلفائها لمجموعة كاملة من المهام، وهي توفر قدرات متعددة المهام مثبتة اليوم وتتطور لتلبية احتياجات الغد، وقد سلمت الشركة منها 89 طائرة للقوات الجوية الأميركية، و4 طائرات من اصل ستة لليابان، و4 طائرات قيد التحقيق للقوات الجوية الإسرائيلية، وعلى عكس العديد من الناقلات الحالية، يمكن لطائرة KC-46A أيضًا استقبال الوقود، مما يوسع بشكل كبير نطاق ومرونة المناورة الجوية وعمليات الوصول إلى مناطق بعيدة، كما أن لدى الطائرة قدرات على الإتصال واستقبال وتبادل البيانات وتوفير المعلومات الآنية لمجموعة العمليات الجوية التي تعمل معها، مما يوفر لهم الوعي التكتيكي بالموقف وتفوق المعرفة بالمعلومات في الوقت المناسب، وتتميز طائرة KC-46A الجاهزة للقتال بعدة أنواع من التدابير الدفاعية المضادة للكشف عن التهديدات وتجنبها وهزيمتها والقدرة على البقاء، إضافةً إلى قدرات وتدابير الحماية من أسلحة الدمار الشامل النووية والكيميائية والبيولوجية، وتتميز هذه الطائرة بإن أنظمة الرافعة والخرطوم والقطر المثبتة عليها قادرة على تزويد جميع الطائرات الأمريكية وطائرات الحلفاء بالوقود بما يتوافق مع إجراءات التزود بالوقود الجوي الدولية، وهي قادرة على نقل 96 طن من الوقود في مدى عملياتي كبير.

يمكن تحويل هذه الطائرة وبوقتٍ قياسي، من طائرة تزود بالوقود إلى طائرة نقل جنود ومعدات عسكرية أو إلى طائرة نقل ذخائر أو إخلاء طبي، وبقدرات عالية جداً نظراً لمساحتها الداخلية الكبيرة، وبفضل بابها الخلفي الواسع.

بعد شركة بوينغ، تشتهر شركة AIRBUS الفرنسية بصناعة طائرات النقل، ومن ضمنها طائرات التزود بالوقود، وتعد طائرة A330 MRTT البديل الأمثل للطائرات الناقلة الاستراتيجية القديمة، حيث تتمتع بقدرات متزايدة على المدى والحمولة وتفريغ الوقود لتحقيق مرونة وتنوع لا مثيل لهما في المهام. تعتبر طائرة A330 MRTT  الناقلة المفضلة لـ 15 دولة بما في ذلك أستراليا وكندا وفرنسا وحلف شمال الأطلسي ​​وكوريا الجنوبية وسنغافورة والمملكة العربية السعودية وإسبانيا والإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة ومع الإستفادة من خبرة هذه الشركة، يمكن تحويل هذه الطائرة إلى مركز إتصالات ومراقبة، أو إلى طائرة نقل جنود أو عتاد عسكري وذخائر، وهي مناسبة لتزويد الوقود لكافة طائرات حلف شمالي الاطلسي، وقادرة على تزويد حوالي 25 طائرة بالوقود في طلعة واحدة،  وقالت إيرباص إن طائرة A330 MRTT تمتلك حاليًا حصة سوقية تبلغ 90٪ خارج الولايات المتحدة، مع 82 طلبًا من 15 دولة في أوروبا وآسيا والأمريكتين وأوقيانوسيا، وفي عمليات النقل، تستطيع الطائرة حمل عدد 300 فرد أو 45 طن من الحمولات.

ويبلغ مدى الطائرة بالحمولة الكاملة 7000 كم ويبلغ مداها الأقصى بدون حمولات 14800 كم ، وتستطيع التحليق بسرعة تصل إلى 0.86 ماخ. . وتم تقديم طلبات لشراء 82 طائرة من هذا النوع، تم لغاية الآن تسليم 62 طائرة، وسيرتفع عدد هذا النوع من الطائرات عند المملكة العربية السعودية ليصبح 10 طائرات بعد توقيع إتفاق على شراء اربع طائرات إضافية.

تعتمد روسيا على عدد من طائرات التزود بالوقود جواً، وأحدثها الطائرة Il-78M-90A (Il-476)، إليوشن، الحد الأقصى لوزن الإقلاع يبلغ 220 طن،  وبفضل تزويدها بوحدة دفع متطورة وإلكترونيات طيران حديثة، بحيث يمكن استخدام الطائرة لتزويد الطائرات البعيدة المدى والطائرات العاملة في الخطوط الأمامية والطائرات العاملة في المهام الخاصة بالوقود جواً.

تم تصميم الطائرة في مجمع إليوشن للطيران، ويتم تصنيعها من قبل شركة صناعة الطائرات الروسية Aviastar-SP، وكلاهما جزء من شركة الطائرات المتحدة (UAC)، ووقعت وزارة الدفاع في الاتحاد الروسي مع شركة Aviastar-SP عقدًا لتصنيع وتوريد عشر طائرات ناقلة من هذا الطراز في كانون الاول 2020.

يبلغ طول طائرة التزود بالوقود جواً 46.6 متراً وارتفاعها 14.76 متراً، ويبلغ أقصى وزن للإقلاع 220 طناً. وتمت زيادة سعة حمولتها لنقل كميات كبيرة من الوقود تقارب 50300 ليتر، وتحمل ما مجموعه ثلاث حاويات للتزود بالوقود جواً بالخرطوم والقطر، اثنتان منها مثبتتان على الأجنحة الرئيسية والباقي على الجانب الأيمن من جسم الطائرة الخلفي. وتتراوح قدرة نقل الوقود لحاوية UPAZ-1M بين 2300 و3000 لتر في الدقيقة. يمكن تحويلها لمهام متعددة الأغراض، تم تجهيز طائرة التزود بالوقود Il-78M-90A بمقصورة قيادة زجاجية رقمية تجمع بين شاشات إلكترونية متعددة لأدوات الطيران وأنظمة كمبيوتر حديثة، مما يقلل من عبء العمل على الطاقم ويعزز سلامة المهمة. وتبلغ السرعة القصوى للطائرة 600-850 كيلومترا في الساعة، ويمكنها الوصول إلى ارتفاع أقصى يبلغ 13100 متر.

كشفت الصين في العام 2022 عن طائرة التزويد بالوقود الجديدة  “YU-20″،  التي تنتجها شركة Xian، وقالت إنها تتمتع بقدرات فائقة تمكنها من بلوغ نقاط بعيدة المدى. ويعتبر إضافة YU-20 للإسطول الجوي الصيني، أمرا بالغ الأهمية لسياسة الصين الخارجية وخطط الهيمنة الاستراتيجية، لا سيما في منطقة الإندو باسيفيك، وبالتحديد في بحر الصين الجنوبي. ومع هذه الطائرة ستتم زيادة قدرة التزود بالوقود أثناء الطيران وتحديثها بشكل كبير، ويمكن للطائرة YU-20 تزويد الطائرات المقاتلة J-20 و J-16 و J-10 C بالوقود في الجو، مدى هذه الطائرة 4500 مع الحمولة القصوى، وتصل سرعتها إلى حوالي 900 كلم، ووفقاً لمعلومات غير مؤكدة تستطيع هذه الطائرة حمل 90 طناً، وتسعى الصين إلى تعزيز قدراتها الجوية بشكلٍ كبير لتتفوق من حيث العدد على جميع الدول الأخرى.

إن حيازة طائرات التزود بالوقود جوداً، ليست مجرد رفاهية أو عملية إستعراضية ضمن الدعاية وعرض القوة الجوية،  بل إن هذه الطائرات أصبحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة القوات الجوية العاملة في أي دولة عُظمى أو دولة إقليمية كبرى، ويرتبط إكتساب أعداد من هذا النوع من الطائرات، بالوضعية الجيوبوليتيكية للدولة، وبطبيعة التهديدات والمخاطر عبر الحدود، إضافةً إلى المهام المطلوبة من القوات الجوية في هذا البلد، ووفقاً لموقع Global Fire Power للعام 2025، تأتي الولايات المتحدة الأميركية في المركز الأول في حيازة طائرات التزود بالوقود جواً )605 جاهز منها 454)، روسيا (19 جاهز منها 12)، فرنسا (16 جاهز منها 13)، الصين (10 جاهز منها 8)، اليابان (10 جاهز منها 8)، بريطانيا (9 جاهز منها 6).

سيشهد مستقبل سلاح الجو إهتماماً متزايداً بطائرات التزود بالوقود جواً، وستكون شركتي Airbus  وBoeing رائدتان في تصنيع هذا النوع وإبرام عقود البيع مع الشركاء الإستراتيجيين والزبائن الدوليين، ويعود ذلك إلى الثقة بصناعة الشركتين والمثبته عالمياً في الكثير من المهام والأحداث، وكون منتجاتهما تتناسب مع المتطلبات التشغيلية والفنية لمعظم الطائرات التي يضمها سلاح الجو في الدول الصديقة وعند الزبائن المحتملين، إضافةً إلى تقديم افضل الخدمات التدريبية والتشغيلية والصيانة المحترفة، ويعزز ذلك العلاقات الخارجية الممتازة لكل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا مع الدول التي تعتبر أسواقاً رئيسية لمنتجاتها الدفاعية.