تقنية خداع الرادارات: كيف تُعمي تقنية DRFM صواريخ الدفاع الجوي؟

العقيد الركن م. ظافر مراد

يتنافس الغرب والشرق على التفوق في التقنيات العسكرية والإبتكارات في مجال الأمن والدفاع، ولا يتعلق الموضوع فقط بتأمين الدفاع عن البلاد وحماية المصالح الوطنية، بل أيضَا بمسألة تجارة الأسلحة والتسويق لها في الأسواق العالمية، لا سيما في مجال القدرات الجوية ووسائط الدفاع، حيث تتواجه الطائرات الحديثة مع منظومات الإعتراض الجوية والأرضية والبحرية، وفي هذا المجال، يبدو أن الإبتكار يحكم هذا التنافس، فبعد الميزة الشبحية التي تجعل من الرادار آلة عمياء، ظهرت تقنيات خداع الرادارات لتقفل الثغرات الناتجة عن فعالية التقنيات الشبحية في الطائرات الحديثة. 

إبتكار الخداع الإلكتروني

تأتي فكرة الخداع الإلكتروني للرادارات، كإبتكار لا يقل أهمية عن التقنيات الشبحية للطائرات، وتعتبر تقنية DRFM (Digital Radio Frequency Memory) من أرقى وأحدث وسائل الحرب الإلكترونية المتخصصة بخداع الرادارات، فهي تسمح للمقاتلة أو الطائرة بدون طيار بتسجيل إشارة الرادار المعادي، تعالجها رقميَا، وتبثها من جديد بشكل معدَّل أو مشوَّه (مؤخَّر أو مُنحرف أو مضخم)، بحيث تعود إلى مصدرها أو لأي جهاز إستقبال يتابعها، لتعطي معلومات خاطئة عن موقع الطائرة الحقيقي، وبتتابع هذه العملية بشكلٍ مستمر، يقرأ الرادار معلومات عن أهداف متعددة وهمية غير موجودة فعليَا، أو يقرأ موقع الطائرة بشكلٍ خاطيء، وبالتالي فإن عملية إطلاق صواريخ الدفاع الجوي أينما كان مصدرها، تتعرض للخداع وللفشل في إصابة أهدافها الحقيقية.

الطائرات التي تستخدم هذه التقنية.

تعتمد مقاتلات الجيلين الخامس والسادس وبعض مقاتلات الجيل الرابع على تقنية الخداع هذه، وهي جميعها تستخدم DRFM jammers  كجزء من منظومات التشويش النشطة. ومن أبرزها:

  • في الولايات المتحدة: F/A-18E/F Super Hornet, F-22  Raptor, F-35 Lightning 
  • في روسيا: Su-57 Felon, Su-35
  • في أوروبا: Dassault Rafale  Eurofighter Typhoon,
  • في الصين: J-20, J-16

تأثيرها على أنظمة الدفاع الجوي

تتسبب تقنية الخداع بإرباك الرادارات وجعل المراقبين أو أجهزة الإطلاق التلقائي غير قادرة على إتخاذ القرار بسبب غموض المعلومات، ما يتسبب بتأخير ردة الفعل أو القيام بفعل خاطيء، ما يسمح للهدف بالهروب والخروج من نطاق الإستهداف المجدي، إضافةً إلى تشتيت النيران وإستهلاك مزيد من صواريخ الدفاع الجوي باهظة الثمن.

تأثيرها على صواريخ الإعتراض

تتأثَّر الصواريخ ذات التوجيه الراداري النشط أو شبه النشط مثل AMRAAM أو SAMs ، حيث يمكن خداعها بسهولة عبر إعادة إرسال إشارات مزيفة، فيلاحق الصاروخ صورة شبحية بدل الهدف الأصلي. أما الصواريخ الحرارية (Infrared)، فهي أقل تأثرًا بالخداع الراداري، لكنها تواجه تحديات ثانية مع الطائرات المجهزة بموزعات شعلات حرارية ومواد تبريد للبصمة الحرارية.    

الأبعاد الاستراتيجية

تقنية الخداع تجعل المنظومات الأكثر حداثة تتعامل مع بيئة مليئة بالضباب الإلكتروني، ما يقلّل دقة الاعتراض وتحويل الدفاع الجوي إلى لعبة احتمالات بدلَا من اليقين، إضافةً إلى تغيير معادلة الكلفة والتي قد ترتفع لتصبح الخسارات هائلة في بعض منظومات الدفاع الجوي الحديثة. هناك أيضَا تاثير نفسي ضاغط على طواقم ومشغلي الدفاعات، وعلى القادة في ميادين الحرب، لا سيما في ظروف الإعتماد الكبير على منظومات الدفاع الجوي في حماية المقرات والمراكز والقدرات العسكرية الإستراتيجية. 

 الإجراءات المضادة

يجب أن تعتمد الأنظمة المضادة للخداع  على دمج الحساسات والوسائل المختلفة لكشف الأهداف: الرادار + الوسائل الكهروبصرية + الأشعة تحت الحمراء، إضافةً إلى معالجة البيانات بالذكاء الاصطناعي لاكتشاف النمط الزائف بين الأهداف، وهنا تجدر الإشارة إلى أن رادارات التردد المنخفض (VHF/UHF) أقل عرضة للتلاعب، لكنها أقل دقة.

كلمة أخيرة

تقنية الخداع الإلكتروني لا تعني مجرد الحماية وإعادة تعريف العلاقة بين الطائرة ومنظومات الدفاع الجوي، بل الخوض في مجال واسع في الحرب الإلكترونية، والتي قد تجعل من أحدث أنظمة التعقب والإستهداف وسيلة غير فاعلة في صد الهجمات الجوية الكثيفة، لا سيما تلك التي تقودها طائرات الجيلين الخامس والسادس، وإن إختيار أي نوع من الطائرات أو أنظمة الدفاع الجوي في عملية تعزيز القدرات الدفاعية، يجب أن يأخذ بعين الإعتبار حيازة تقنيات الخداع الإلكتروني في الطائرات، والتدابير والقدرات المضادة لها في وسائط الإعتراض ومنظومات الدفاع الجوي.

الدفاع الجوي لم يعد يواجه خصمًا مرئيًا بل طيفًا ذكيًا قادرًا على التحكم بما يُرى وما يُخفى، ما يجعل كل اعتراض عملية معقدة، مكلفة، ومليئة بالشكوك، تعتبر تقنية خداع الرادارات إبتكارَا خطيرَا جدَا لا يتعلق فقط بحماية الأهداف الصديقة، بل قد يصل مستقبلَا إلى مستوى توجيه قدرات العدو الصاروخية نحو قواعده وطائراته وقطعه البحرية.