بعد أشهر من التوتر بين واشنطن وكاراكاس، قامت القوات الاميركية فجر الثالث من يناير/كانون الثاني 2026 بتنفيذ (عملية العزم المطلق- Operation Absolute Resolve ) وهي عملية عسكرية خاطفة ولكن معقدة، أسفرت عن إعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من مقر إقامتهما المحصن في العاصمة كراكاس، لم تحدد ساعة الصفر لإنطلاق العملية إلا بعد التأكد من توافر كافة الظروف التي تؤمن نجاحها، وقد بدأت بسلسلة من النشاطات العسكرية والإستخباراتية المتزامنة والمتناسقة، تمثَّلت بهجمات إلكترونية واسعة النطاق عطلت إمكانية الإتصال بين منظومة الحماية في منطقة العملية والقيادات العليا، بينما قامت عشرات الطائرات بشن ضربات دقيقة على أهداف عسكرية متعددة، بهدف مفاجأة الدفاعات الفنزويلية وإرباك قياداتها، في الوقت الذي اقتحمت فيه قوة من “وحدة دلتا” مقر إقامة مادورو وزوجته بمساعدة من بعض الحراس الشخصيين للرئيس الفنزويلي، بعد أن تم تأكيد وجود الهدف في مقره، وبعد أن تأمنت عملية الدخول والخروج إلى المقر، وإخراج الأشخاص المطلوب إعتقالهم وإقتيادهم خارج البلاد، و”وحدة دلتا- Delta Force” تُعتبر من افضل القوات الخاصة في العالم، تعمل تحت قيادة العمليات الخاصة المشتركة “JSOC”، نفذت عمليات هامة وخطيرة سابقاً، مثل إعتقال رئيس بناما السابق “مانويل نورييغا” عام 1989، وإعتقال الرئيس العراقي “صدام حسين” عام 2003، وقتل زعيم داعش “أبو بكر البغدادي” عام 2019.

على الرغم من محاولة إظهار العملية بأنها تقع في خانة مكافحة تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة الأميركية، ومحاكمة مادورو وزوجته على جرائم إرتكبت سابقاً واستمرت حتى وقت إعتقالهما، إلا أن لهذه العملية تأثيرات وتداعيات كثيرة، وهي تشكل رسالة واضحة لخصوم الولايات المتحدة، فإدارة ترامب وجهت رسالة للعالم مفادها أنه لا حدود للجرأة ولدرجات المخاطر التي يتم قبولها في أي عمل لاحق قد ترى هذه الإدارة أنه ضروري لحماية مصالح هذا البلد، وأن القوات الأميركية جاهزة وقادرة على التدخل في اي مكان في العالم، وليس فقط في منطقة البحر الكاريبي، وهذا يبدو واضحاً من الإنخراط الاميركي العميق في ضرب المنشآت النووية الإيرانية ومشاركتها في سوريا واليمن والعراق في عمليات متعددة.
تهدف إستراتيجية ترامب في منطقة البحر الكاريبي وأميركا اللاتينية، إلى جعل هذه البقعة من العالم “منطقة نفوذ وتأثير” بعد أن كانت مجرد “منطقة إهتمام”، ويعود السبب في ذلك إلى حجم المخاطر التي تشكلها نشاطات حكومات بعض الدول هناك، وبعض المنظمات والعصابات العابرة للحدود الناشطة فيها، إضافةً إلى إحتوائها على الكثير من الثروات التي تسعى الولايات المتحدة للسيطرة عليها، مع السعي لضمان العبور الرخيص والمأمون في قناة بناما، التي تشكل الشريان الرئيسي للتجارة الأميركية عبر البحار.

لا تقتصر أهمية هذه العملية فقط على إعتقال مادورو المتهم بتهديد المجتمع الأميركي عبر ضخ المخدرات وتسهيل عمليات التهريب، بل أيضاً في أن هذا الحدث سيقلب المعادلة في الداخل الفنزويلي، حيث ستميل الكفة لمصلحة المعارضة في أي إستحقاق سياسي لاحق، فمنظومة مادورو الأمنية وجاذبيتها الشعبية إنهارت وفقدت وهجها وجدواها، وما يتوقع لاحقاً صعود المعارضة وإستلامها زمام السلطة لتتحول فنزويلا من بلد خصم إلى بلد صديق وربما حليف لأميركا، وهذا سيستغرق بعض الوقت، وسيطلق شرارة تغيير واسع في المنطقة لتطال تغييراً آخراً في بلدان أخرى مثل كولومبيا وربما كوبا، ولو استغرق ذلك بضعة سنوات.
وفي مقاربة للإستراتيجيات المعتمدة لدى الإدارة الاميركية الحالية بقيادة الرئيس ترامب، من الخطأ الإعتقاد أن التدخل الأميركي الخارجي سينحسر ليقتصر على المحيط القريب وعلى إهتمامات الشؤون الداخلية كما ورد في بعض التقديرات والتحليلات في بداية عهده، فالعمليات الجريئة والتصريحات الخطيرة التي يطلقها ترامب، والتي ترافقت مع نجاحات متواصلة ومؤكدة، ستدفع بإدارته إلى قبول درجات أعلى من المخاطر في نشاطات أمنية وعسكرية وإقتصادية وسياسية لاحقة، وهذا بالتالي سيرفع سقف المواقف والطلبات الأميركية في التفاوض مع الخصوم، وسينعكس سلباً ويؤثر على خصوم الولايات المتحدة، وربما يدفعهم للقبول بالحد الأدنى من الشروط التي تضمن لهم البقاء وعدم الزوال.
يبقى نقطة أخيرة وهامة جداً، تتعلق بكيفية قراءة هذه العملية من قبل القوى العُظمى الأخرى، والتي لديها هواجسها وأهدافها الخاصة، فالصين مثلاً قد ترى في هذا العمل سابقة خطيرة، ولكنها تشجعها على مهاجمة تايوان والقيام بعمل عسكري هناك لتغيير السلطة، وروسيا قد تجد تبريرات لمزيد من الاطماع التوسعية في أوكرانيا، اما اوروبا، فكالعادة ستبقى تابعاً للولايات المتحدة في سياساتها الأمنية والعسكرية، ولن تجروء على خوض أي معركة أو قتال مباشر إلا إذا كان تحت قيادة القوات الأميركية.






