تحوّلات الشراكات الدفاعية الخليجية: من تنويع الحلفاء إلى إعادة تشكيل الهندسة الأمنية الإقليمية

العميد م. ناجي ملاعب

مقدمة

شهدت الهندسة الأمنية في الخليج تحوّلات عميقة منذ 2019، بعد الهجوم على منشآت «أرامكو» الذي كشف محدودية ردّ الفعل الأمريكي،[1]وتزايد الاعتماد الإسرائيلي على الضربات الدقيقة، وصولاً إلى العدوان على قطر. هذا المشهد دفع دول الخليج إلى إعادة تقييم ممرات الأمن الإقليمي، والتوجّه نحو شراكات جديدة تشمل تركيا والصين وروسيا، بالتوازي مع الإطار الأميركي التقليدي.

تتناول هذه الدراسة أربعة دوائر رئيسية: التوجه الخليجي إسلاميا نحو الشراكة الاستراتيجية مع الباكستان والدفاعية مع تركيا، تعميق التفاهمات الخليجية مع الصين، والانفتاح الخليجي على روسيا، وتستكشف كيف تُسهم هذه التحولات في صياغة هندسة أمنية متعددة الأقطاب. لكن قرار تنويع الحلفاء في سبيل إعادة تشكيل الهندسة الأمنية الإقليمية هل يمكن ان يتم من دون المظلة الأميركية للمنطقة وللخليج العربي تحديدا. من هنا سوف تبدأ الدراسة؛ ونبدأ بالنجاحات التي حققتها زيارة الأمير محمد بن سلمان الى واشنطن في 18 نوفمبر تشرين الثاني في مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي والطاقة النووية.

ولا بد من القاء نظرة على استراتيجية الأمن القومي الاميركي التي أقرتها إدارة الرئيس دونالد ترامب حديثا، وما يعنينا منها ما خصص لبند “الشرق الأوسط – منطقة إدارة المخاطر” (كما وردت في الوثيقة). ونستطيع تلخيص هذه الفقرة بالتالي:

– تقليل الالتزامات العسكرية، فالوجود الأميركي أصبح رشيقًا ومحددًا: مسيرات، قوات خاصة، دفاع جوي وصاروخي، وحماية الملاحة البحرية

– شراكات أمنية بدون تدخل بري، تركز واشنطن على دعم: دفاع الخليج الجوي، أمن إسرائيل، احتواء إيران، والحفاظ على تدفق الطاقة.

أولاً – الرياض واشنطن على السكة الاستراتيجية الواعدة

اليوم، حضر “الشخص الذي يهز المكان” كما توقع الكاتب الأميركي الشهير، ففي الفصل الأخير من العام 2025 استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في البيت الأبيض، ضمن مراسم بروتوكولية غير مألوفة أميركيًا، في إشارة واضحة إلى الأهمية التي توليها إدارته لعلاقاتها مع المملكة. وبنتيجة الزيارة أعلن ترمب تصنيف السعودية “حليفًا رئيسًا من خارج حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وأبدى موافقته على بيعها طائرات متطورة من طراز “إف-35″، وهو مؤشر دال على رغبة واشنطن في تعزيز تحالفها الاستراتيجي مع الرياض في سياق منافسة محتدمة مع الصين وروسيا.

​​​​ ووقّعت الولايات المتحدة والسعودية، في هذا اللقاء، عددًا من الاتفاقيات الكبرى التي شملت مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والدفاع والمعادن الحيوية، إن دلت على شيء فهي تدل اننا امام سعودية جديدة، وكان أبرز الإتفاقيات:

أ – عقود دفاعية – طائرات “أف-35” ودبابات

فقد أعلن البيت الأبيض موافقة ترمب على تسليم السعودية طائرات مقاتلة من طراز “إف-35” مستقبلًا، فضلًا عن إبرام اتفاق لشراء 300 دبابة أميركية، وتُعدّ صفقة “إف-35” شديدة الحساسية، لكون إسرائيل الحليف الرئيس للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك هذا الطراز المتقدم من إنتاج شركة لوكهيد مارتن، وتسعى للحفاظ على احتكارها له. لكن الرئيس الأميركي خاطب ولي العهد السعودي قائلًا: “أعلم أن الإسرائيليين يريدون أن تحصلوا على طائرات أقل تطورًا، ولا أظن أن ذلك يسعدكم. كلاكما في مستوى يستحق الحصول على أفضل الطائرات.”

مقاتلة "أف-35"
مقاتلة “أف-35”

ب – المعادن النادرة

وكان من نتائج الزيارة لواشنطن التوقيع على اتفاقيات عدة في مجالات واعدة تبدأ من الشراكة في انتاج المعادن النادرة ومعالجتها على أرض المملكة، حيث تؤكد السعودية أنها تمتلك رابع أكبر احتياطي من المعادن النادرة في العالم؛ وهذا تغير استراتيجي كبير، فكما بُنيت العلاقة الأميركية – السعودية تاريخيًا على معادلة “النفط مقابل الأمن”، فإن المرحلة الراهنة قد تشهد انتقالًا إلى عصر جديد عنوانه “المعادن مقابل الشراكة الاستراتيجية”.

جـ – الذكا​ء الاصطناعي

والخطوة الجريئة على صعيد الذكاء الاصطناعي تمثلت بتوقيع الولايات المتحدة والسعودية مذكرة تفاهم “تمنح المملكة إمكانية الوصول إلى أنظمة أميركية رائدة عالميًا مع ضمان حماية التكنولوجيا الأميركية من التأثيرات الأجنبية”. وفي إطار هذه المذكرة، وافقت واشنطن على بيع رقائق متقدمة من إنتاج شركة “إنفيديا” NVidia لشركتَي “هيوماين” Humainالسعودية و”جي 42″G42 الإماراتية، حيث سُمح لهما بشراء قرابة 35000 رقاقة بقيمة تُقدَّر بمليار دولار. ويُعدّ هذا القرار تحولًا جوهريًا في الموقف الأميركي؛ إذ كانت واشنطن قد رفضت سابقًا فكرة التصدير المباشر لشركات الذكاء الاصطناعي المدعومة من الدولة في الخليج، خشية وصول التكنولوجيا الأميركية المتقدمة إلى الصين بوساطة هذه الدول.

د – الطا​قة النووية

ونذكر هنا الخطة الطموحة التي رسمها ولي العهد بتنويع الاعتماد على مصادر طاقة بديلة وادرجها ضمن رؤية السعودية 20 –  30 بإصراره على امتلاك الطاقة النووية السلمية. وفي هذا السياق، وقّعت شركة أرامكو سبع عشرة مذكرة تفاهم واتفاقية مع شركات أميركية كبرى، بقيمة محتملة تتجاوز 30 مليار دولار، وتؤكد الرياض أنها تمتلك نحو 7 في المئة من احتياطي اليورانيوم العالمي، وهو ما يمنحها قاعدة صلبة للانطلاق نحو بناء محطة نووية كبيرة باستخدام التكنولوجيا والشركات الأميركية، في إطار خططها للتحول الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط.

هـ – ​الدفاعي الاستراتيجي

في مجال الدفاع الاستراتيجي الأميركي – السعودي فقد شكّلت “الضمانات الأمنية” الأميركية للسعودية إحدى أبرز المسائل التي سعت الرياض لتحقيقها من زيارة ابن سلمان لواشنطن – وإن جاءت أقل من معاهدة دفاعية – إذ كانت الرياض تطمح إلى اتفاق دائم يتجاوز فترة حكم ترمب، على غرار المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تنص على الالتزام الجماعي بالدفاع عن أي عضو يتعرض لهجوم. وتعد آخر مرة قدمت فيها واشنطن مثل هذا الالتزام في عام 1969 مع اليابان.

ومع ذلك، فإن ما حصلت عليه الرياض لم يرقَ الى معاهدة دفاعية ملزمة؛ إذ إن مثل هذا الاتفاق لن يمرّ في مجلس الشيوخ مع التعقيدات السياسية والقانونية. وبدلًا من ذلك، أعلن ترمب تصنيف السعودية “حليفًا رئيسًا من خارج الناتو”؛ وهو وضع يمنح الدول التي تتمتع به امتيازات عسكرية واقتصادية مهمة، تشمل تسهيلات في الحصول على المعدات الدفاعية الأميركية، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، فضلًا عن توسيع نطاق الشراكة الاستراتيجية الثنائية.

و- صعود الصناعة الدفاعية الخليجية مستقبل ومعوقات 

تؤيد المملكة العربية السعودية وعموم دول الخليج والمنطقة بناء التهدئة، وتستفيد من ذلك، وتنتعش من الاستقرار والتوافقات السياسية، لكنّ التحدي يبقى اقتناع الطرف الإيراني بأهمية التهدئة والحوار والدبلوماسية، وبأن ثمارها أفضل من التصعيد والتوتر والصراع. هذا تحدٍّ أساسي، وهناك مراهنة أو تفاؤل حذِر بأن بيجين كتبتْ “جملة مفيدة” ومؤثّرة في هذا المجال، عبر دورها الوسيط الذي لعبته عام 2023 ما بين إيران والدول الخليجية، وكذلك في مُمكنات أدوارها العالمية المقبلة.

في المقابل، فإن التصرّف وكأن الاتفاق مؤشر إلى أن الولايات المتحدة فقدت نفوذها في الشرق الأوسط ليس صحيحاً أو واقعياً. لا تزال واشنطن اللاعب الدولي الأكثر نفوذاً وتأثيراً في الشرق الأوسط، والأكثر في عدد الحلفاء والشركاء، والأكثر امتلاكاً لأدوات النفوذ المستدام والعلاقات الاستراتيجية مع الفاعلين الإقليميين. وهذا ما كرّسته نتائج زيارة ولي العهد الى واشنطن.

1 – دبلوماسية الصناعة الدفاعية

امتلاك إحدى أهم أدوات القوة الصلبة، وهي الصناعة الدفاعية، يضاعف فاعلية دور الرياض وأبو ظبي الجادتين في مسار التصنيع الدفاعي، ويزيد من قدرتهما على التكيف مع تقلبات النظام الدولي، عبر رفع رصيدهما من “الاستقلال الاستراتيجي” النسبي، الذي يمنحهما حرية الحركة والمناورة لحفظ مصالحهما مع أطراف متصارعة، مع أن هذا التوجه قد يُحدِث إشكالاً إن أخذنا بعين الاعتبار الشراكة التاريخية مع القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي أدت منذ عقود طويلة دور الضامن لأمن الخليج.

كما قد يصطدم هذا التوجه مع اتساع تعامل الصناعة الدفاعية الخليجية مع شركاء مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل وكوريا الجنوبية وتركيا وإندونيسيا. ولهذا فإن الدبلوماسية الخليجية تحرص على التعامل باقتدار مع مهمة الإبحار عبر تعقيدات هذه القوى التي تتناقض مصالحها أحياناً وتتفق في أحايين أخرى.

تتسم العلاقة بين الصناعة الدفاعية وصُنع السياسة الخارجية واستراتيجيات وحسابات الأمن الوطني بأنها وثيقة. ففي منطقة الشرق الأوسط على سبيل المثال، نجد أن الجمهورية التركية أصبحت في السنوات الأخيرة دولة مؤثرة عالمياً في صناعة الطائرات من دون طيار (Drown Power) وتصديرها، وقد بدأ هذا التطور باعتباره ردة فعل لحاجة ملحة لمواجهة أنشطة حزب العمال الكردستاني، وفاقَم هذه الحاجة الداخلية ما عَدَّتهُ أنقرة تذبذباً في الدعم الخارجي من حلفائها الغربيين. وفيما بعد انتقلت قصة النجاح التركية هذه خارج الحدود، إلى دول مثل أذربيجان، وأوكرانيا، وسورية، وأصبحت أداة فعالة تُقوي الدبلوماسية التركية في أقاليم مختلفة من شرق المتوسط إلى القرن الأفريقي. 

ويبدو أن العديد من دول “الجنوب العالمي”، وبالذات الدول الأفريقية، تنظر اليوم بإيجابية للصناعة التركية، وهو ما أتاح لأنقرة ممارسة ما يمكن تسميته “دبلوماسية الصناعة الدفاعية”، حيث يتم استخدام مزيج شديد الفعالية من صادرات السلاح، وبرامج التعليم والتدريب، وإنشاء روابط مؤسسية طويلة المدى بين تركيا والدول المستورة لمنتجاتها. 

2 – معوقات في طريق الصناعات الدفاعية

قطعت السعودية والإمارات، بوجه خاص، شوطاً طويلاً في تأسيس قطاع الصناعات الدفاعية وتوطينه، ولكن لا تزال هناك تحديات ذات طبيعة بنيوية، وأخرى تكتيكية تُشكِّل في الوقت نفسه فُرصاً متعددة للنمو، ونذكر بعضاً منها الآتي:

أ – تحتاج الأسلحة الخليجية لسجل متكرر من التجارب على أرض المعركة، حيث إن سجلها لا يزال ناشئاً بالمقارنة مع الآخرين. وهذه التجارب مهمة حتى يُتاح للشركات الخليجية تعديل منتجاتها وفق مُعطيات واقعية كي تزداد مصداقية هذه الأسلحة في السوق العالمية، ولذا قد يكون من الجيد تقديم برامج تمويل مُيسرة لدول الجنوب العالمي والدول الحليفة والصديقة المهتمة بالحصول على المنتجات والأنظمة التي يصنعها الخليج، مع توفير اتفاقيات التدريب والتأهيل، وتكثيف التشاور الدبلوماسي، وبناء علاقات مؤسسية بين الطرفين. ومن شأن هذه الخطوة تشجيع الشركاء المحتملين، بالإضافة لرفع تنافسية المنتجات الخليجية في مقابل أقرانها. ومن النتائج المُحتملة لهذا الجهد، منح الشركات الخليجية فرصة تقوية استدامتها المالية وربحيتها، حيث إن الشركات التي تعمل في هذا القطاع تحتاج لتعظيم حجم إنتاجها حتى تقل تكلفة الإنتاج تدريجياً، وهذا مفهوم اتبعته شركات أخرى أثناء مسيرة نموها.

الصناعات الدفاعية الخليجية: تخفيف أم تفكيك الارتباط مع الغرب؟

ب – تستطيع ماكينة الدبلوماسية-الاقتصادية الخليجية النشطة تحريك شبكة علاقاتها حتى تقدم وسيلة أخرى من شأنها تسهيل دخول الشركات الخليجية للسوق العالمية، وهي إدماج منتجات الخليج الدفاعية في سلاسل الإمداد والتوريد الدولية، وهذا من شأنه أن يؤدي لزيادة أعداد الزبائن المحتملين، كما أنه سيؤدي لتخفيض تكلفة استيراد تقنيات ومعادن وأنظمة دقيقة. وتنبغي الإشارة إلى أن الإدارة الحكيمة للتوازنات والتناقضات الدولية التي تتخلل أحياناً سلاسل الإمداد من شأنها أن تُسهِّل ضوابط نقل التكنولوجيا التي تضعها الدول الكبرى. 

جـ – تشجيع دخول مستثمرين جدد، وعلى رأسهم الشركات الخليجية من القطاع الخاص، ولكن مع الحث على التوجه نحو مجالات تخصصية جديدة، من قبيل توطين أنظمة الدفاع الجوي وتصنيعها، والتي أثبتت الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، والاعتداء الإسرائيلي على سيادة قطر (9 سبتمبر 2025)، الحاجة الماسّة لها. وهذا أيضاً يمنع تكرار صُنع المنتجات نفسها بواسطة شركات متعددة، وهو ما حصل في دول أخرى مما أعاق فتح خطوط إنتاج لمنتجات جديدة، وضيّع فرصاً ثمينة لتنويع القاعدة الصناعية، بعيداً من الأنظمة التقليدية والتي يكثر في سوقها المتنافسون والبدائل.

في الخلاصة: إن حفظ السلام في المنطقة ومحيطها يتحققان عبر مراكمة القوة بأنواعها المختلفة، وهذا ما تداركته وسلكته السعودية الجديدة سواء بتوطين الصناعات الدفاعية أو بناء خطوط انتاج دفاعي وأمني رغم المعوقات، او من خلال الدبلوماسية النشطة والتي تمثلت بالضمانات الأمنية مع واشنطن. مع الحفاظ على الدور الدولي والإقليمي الذي انتهجته المملكة سواء مع اللاعبين الدوليين الكبار أوروبا والصين وروسيا، أو مع الدول الإسلامية الشقيقة كالباكستان وتركيا. ويبقى الاحتضان السعودي العربي بخفض التصعيد والتدخل الإيجابي في سوريا والسودان، الى جانب الدور الذي لم تساوم عليه المملكة يوما في القضية الفلسطينية.

ثانياً: تحوّلات الشراكات الدفاعية الخليجية:

1 – خيار التوجه السعودي إسلاميا – السعودية باكستان

وصفت وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) الاتفاقية الدفاعية المشتركة الجديدة بين المملكة العربية السعودية وباكستان بأنها تأتي “انطلاقاً من الشراكة التاريخية الممتدة لنحو ثمانية عقود … وبناءً على روابط الأُخوّة والتضامن الإسلامي، واستناداً إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة، والتعاون الدفاعي الوثيق بين البلدين”.

قالت وزارة الدفاع السعودية، إن الاتفاقية “الاستراتيجية” تهدف إلى تطوير جوانب التعاون الدفاعي بين المملكة وباكستان وتعزيز الردع المشترك ضد أيّ اعتداء، كما تنصّ على أنّ “أي اعتداء على أيّ من البلدين هو اعتداء على كليهما”. لا سيما بعد الخذلان الذي تعرضت له قطر من الحليف الاستراتيجي المتمثل في الولايات المتحدة.

وتغطّي كلمة “استراتيجية”، الواردة في وصْف الاتفاقية، استخدام الصواريخ والسلاح النووي، حيث أن باكستان عادة ما تستخدم وصْف “استراتيجي” للتعبير عن برامجها الصاروخية والنووية.

ولا تلغي الاتفاقية أيّ اتفاق آخر أبرمته السعودية مع أيّ قوة كانت، بل على العكس هو يتكامل مع هذه الاتفاقيات. حيث أن كُلاً من السعودية وباكستان شريكان قويان في الترتيبات الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة في المنطقة؛ فهما من أهم البلاد الواقعة ضمن نطاق عمليات القيادة العسكرية الأمريكية الوسطى المعروفة اختصاراً باسم “سنتكوم”.

2 – تركيا وصعود دور القوة المتوسطة في الأمن الخليجي

أدى التطور اللافت للصناعات الدفاعية التركية، وتراجع فعالية الضمانات الغربية، إلى بروز أنقرة كخيار جذاب أمام دول الخليج. فتركيا التي تصدّر أسلحة لأكثر من 30 دولة، وتجاوزت صادراتها الدفاعية 7.2 مليار دولار عام 2024، أصبحت تمتلك تفوقًا نوعيًا في المسيّرات، وأنظمة الحرب الإلكترونية، والدفاع الجوي، بتكاليف معقولة ومرونة عالية في الشراكات.

ومن دوافع التوجه الخليجي نحو تركيا: ضعف الاستجابة الأميركية لهجمات 2019 على السعودية، الفراغ الجيوسياسي العربي بعد تراجع أدوار العراق وسوريا ومصر، بروز تركيا كقوة متوسطة قادرة على موازنة إيران وإسرائيل، ورغبة الخليج في الاستثمار في الصناعات الدفاعية التركية لتعزيز أمنه وتنويع مصادر السلاح.

أقنجي" تصل للإمارات.. خطوة جديدة في التعاون الدفاعي بين أنقرة وأبوظبي |  Defense Arabia

وفي مجال الشراكات الدفاعية الخليجية–التركية فقد عقدت المملكة العربية السعودية أكبر صفقة مع تركية في تاريخها (2023) لشراء وإنتاج مشترك لمسيّرات أقنجي[2]، إلى جانب تعاون ممتد منذ 2004 في تطوير المدرعات. ومع دولة قطر عقدت شراكات صناعية واسعة مع «أسيلسان» و«برزان»، وإنشاء قاعدة تركية في الدوحة[3]، ولم تخرج الامارات العربية المتحدة عن هذه الشراكات والتي تمثلت بالاهتمام بطائرات ANKA-3 وعقد اتفاقات صناعية مشتركة (TUSAŞ–Calidus)[4]، وتصاعد التعاون بعد المصالحة السياسية. ومنذ العام 2019 هناك تعون عسكري وتبادل خبرات مع سلطنة عمان ومع الكويت.

لماذا تركيا

ان التقدم اللافت للصناعات الدفاعية التركية في السنوات الأخيرة كان ملفتاً، فهذه الدولة تُصدّر الآن إلى أكثر من 30 دولة. وبحلول عام 2024، ارتفع إجمالي صادراتها من الدفاع والفضاء إلى 7.2 مليار دولار، بزيادة تقارب 30% عن العام السابق. واعتبارًا من عام 2023، أصبحت ثلاث شركات دفاعية تركية من بين أكبر 100 شركة مصدرة للأسلحة في العالم. إذ نجحت الشركات التركية في تطوير تفوق تنافسي في مجالات مثل الطائرات المسيرة، وأنظمة الصواريخ، والدفاع الجوي، والتقنيات الإلكترونية للحرب. وتوفر هذه الأنظمة حلولًا فعالة من حيث الكلفة، وسرعة في التسليم، ونماذج تعاون مرنة، ما يتناسب مع احتياجات دول الخليج الأمنية.

فالصناعات الدفاعية التركية اليوم تبرز كأكثر مجال استثماري جاذب لها. وإذا ما اتجه الخليج نحو تركيا، فإن القدرات العسكرية-الصناعية لأنقرة ستزداد تطورًا، ما سيؤدي إلى بناء حاجز قوي في مواجهة العدوانية الإسرائيلية. وهكذا، قد يصبح من الممكن قيام هندسة أمنية جديدة تقودها تركيا في المنطقة.

من جهتها، تحاول تركيا الدخول للمنطقة العربية من العديد من خلال عدد من الأبواب المختلفة أبرزهم الباب التاريخي عن طريق محاولة إحياء زمن الإمبراطورية العثمانية، وهو ما يتضح بقوة في الدراما التي تصدرها للعالم العربي بمختلف أنواعها، فضلا عن تصوير نفسها كنموذج إسلامي في نفس الوقت يتبع المنهج العلماني في التفكير ويحارب السيطرة الإسرائيلية ويدافع عن الدين الإسلامي والمقدسات العربية مستغلة في ذلك الأزمة الفلسطينية

والتعاون الخليجي التركي لن يخرج عن “العباءة” الغربية والأميركية تحديدا، فتركيا سمحت باستخدام قواعدها وموانئها ومضائقها من أجل عمليات الجيش الأمريكي وفعاليات الدعم اللوجستي، كما أكد تقرير سري لوكالة الدفاع الأمريكية نشرته وكالة تركية بتاريخ 30  نوفمبر 2018 ويلفت التقرير في هذا الصدد إلى أن الجنود والرادارات والوحدات الجوية الأمريكية الموجودة في تركيا، تساهم في العديد من عمليات القيادة الأمريكية في أوروبا والقيادة المركزية، بما في ذلك العمليات التي تجري بالعراق وسوريا..

في الخلاصة

الحاضر يشهد انتقال العلاقات الدفاعية الخليجية – التركية من مرحلة رمزية وتعاونية محدودة إلى مرحلة عملية وشراكات كبرى تشمل صفقات تسليح، إنتاج مشترك، تدريبات، وتموضع عسكري مباشر. ما يميز المرحلة أنها تستند إلى منفعة متبادلة فالخليج يستفيد من التكنولوجيا التركية والتنوع الاستراتيجي. وتركيا تكسب سوقاً ضخمة وتموضعاً في الخليج يعزز مكانتها كقوة إقليمية.

وفي المقابل، فإن بعض دول الخليج (خصوصاً السعودية والإمارات) تسعى لجعل الشراكة مع تركيا رافعة لتوطين الصناعات الدفاعية، أي تصنيع مشترك بدلاً من الاستيراد فقط. ولكن، يجب الأخذ بعين الاعتبار انا هناك بعد تنافسيا مع الشركات الغربية التي تخشى خسارة السوق الخليجية لصالح الصناعات التركية.

3 – الصين… من الاقتصاد إلى الأمن

بدأت العلاقات الخليجية–الصينية بالاقتصاد، لكنها توسعت منذ 2016 لتشمل الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، والطائرات المسيّرة. ويمكن تلخيص دوافع هذا التوسع الى: شكوك خليجية متزايدة تجاه الالتزام الأميركي بعد 2019.[5] والرغبة في توطين التصنيع العسكري ضمن «رؤية السعودية 2030»، واستراتيجية الدفاع الإماراتية. ونجاح الصين في الوساطة السعودية–الإيرانية 2023.[6]

وشملت مجالات التعاون الدفاعي: المسيّرات الصينية CH-4 وWing Loong التي اشترتها السعودية والإمارات[7]، تدريبات «درع الصقر» المشتركة (2023–2024).[8] والتعاون في الأمن السيبراني والبنى الرقمية مع الإمارات وقطر.[9]

لكن هذا التوسع للدور الصيني يخضع لحدود معينة وهي: الضغوط الأميركية ضد انخراط خليجي واسع مع «هواوي[10]، غياب رغبة صينية في إقامة مظلة أمنية بديلة عن الولايات المتحدة، وسعي بكين للحفاظ على توازن بين الرياض وطهران.

4 – روسيا… بين «أوبك+» ومحاولة بناء شراكة استراتيجية

توسعت العلاقات الخليجية–الروسية مدفوعة بتنسيق النفط ضمن «أوبك+»، وعدم انخراط الخليج في العقوبات على روسيا، ما فتح الباب أمام حوار أمني–استراتيجي جديد.

وفي نظرة على التعاون الدفاعي مع الروس حاليا، نشير الى عقد السعودية اتفاقات إطار دفاعي منذ 2021، دون صفقات ثقيلة معلنة[11]، وتمتلك دولة الإمارات منذ مدة طويلة لا تقل عن عشر سنوات منظومة بانتسير-S1 والتي تم نشرها في عمليات خارجية.[12]

واقتصر التعاون الدفاعي مع قطر والكويت على مذكرات تفاهم للتعاون العسكري والتقني منذ 2017–2023[13] وتجري سلطنة عمان تدريبات بحرية مشتركة مع البحرية الروسية ودول متعددة الأطراف[14]

ورغم تفوق موسكو في الصواريخ الفرط صوتية والدفاع الجوي، فإن اعتمادها على مسيّرات إيرانية في أوكرانيا يُظهر تأخرها في هذا المجال،[15] ما يجعلها شريكًا إضافيًا وليس بديلًا تقنيًا لتركيا أو الصين.

وفي البعد الجيوسياسي تسعى موسكو إلى: ترسيخ شراكة سياسية واستراتيجية مع الخليج، ملء الفراغ الذي تتركه واشنطن، وتعزيز التعاون في الطاقة، والأمن الغذائي، والممرات البحرية. وتأتي القمة الروسية–العربية لتعكس هذا التوجه وتفتح الباب أمام حوار استراتيجي طويل الأمد.

خاتمة

من خلال تتبّع التوجّه الخليجي إسلاميا نحو باكستان وتركيا ودوليا نحو الصين وروسيا، يتّضح أن الخليج لم يتخلَ عن الولايات المتحدة، بل يبني هندسة أمنية متعددة الأقطاب تقوم على: شريك تقليدي (الولايات المتحدة)، شريك صناعي–دفاعي (تركيا)، شريك تكنولوجي–اقتصادي (الصين)، وشريك سياسي–استراتيجي (روسيا).

تشير الأدبيات إلى «ثورة الشؤون العسكرية» التي تحوّل الحرب من الكمّ إلى النوع[16] ولذلك، تسعى دول الخليج إلى شراكات تنقل المعرفة وتبني قدرة محلية، لا مجرد شراء السلاح. هذا التوازن يمنح دول الخليج قدرة على المناورة في نظام دولي متحوّل، ويحافظ على استقلالية القرار الأمني، مع تعزيز بناء القدرات الذاتية عبر إنتاج مشترك وتوطين الصناعات الدفاعية.


[1] Financial Times, “Saudi Arabia Seeks Firm Security Commitments from Washington,” October 16, 2024.

[2] Anadolu Agency. “Saudi Arabia Signs Largest Defense Deal in Turkish History.” July 2023.

[3] Qatar Ministry of Defense. Barzan–Aselsan Joint Announcement. 2018.

[4] IDEX 2025 Official Releases. “TUSAŞ–Calidus MOU on Advanced Drone Platforms.”

[5] Financial Times. “Gulf Doubts over U.S. Security Guarantees.” 2024.

[6]Xinhua News Agency. “China Hosts Saudi–Iranian Agreement Signing.” March 2023.

[7] Military Balance Database (IISS). “Chinese UAV Exports to Gulf States.” 2023.

[8] Xinhua. “Falcon Shield Joint Training Between UAE and China.” July 2024.

[9] UAE Cyber Security Council. China–UAE Digital Security Cooperation. 2022.

[10] U.S. State Department. “Guidance on Huawei Use by Allies.” 2021.

[11] Radio Free Europe/Radio Liberty. “Saudi–Russian Military Cooperation Agreement Signed.” August 2021.

[12] SIPRI Arms Transfers Database. “UAE Procurement of Pantsir-S1.” 2013–2014.

[13] Qatar News Agency; Kuwait Official Gazette (2023).

[14] Oman Ministry of Defense. “Oman–Russia Naval Cooperation Activities.” 2025.

[15] Kyiv Independent. “Russia’s Use of Iranian Drones in Ukraine.” 2022.

[16] Vinod Anand. Revolution in Military Affairs and the Future of Warfare. Institute for Defense Studies and Analyses, 2020.