خاص – Defense Arabia
عندما تبحر حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لنكولن” (CVN-72)، فإنها لا تمثل مجرد منصة لإطلاق 90 طائرة مقاتلة، بل تجسيداً لثقل جيوسياسي واقتصادي يضاهي الميزانيات السيادية لدول كاملة. تُصنف هذه السفينة كواحدة من أعقد المنظومات الهندسية في التاريخ، حيث تعمل كقاعدة عسكرية متنقلة تضمن استمرارية الوجود البحري الأمريكي في مناطق النزاع، مقابل تكاليف تشغيلية وتدفقات مالية ضخمة.
التكلفة الرأسمالية: معايير بناء القوة
تبدأ المعادلة المالية من “التكلفة الرأسمالية” للتصنيع. فبينما بلغت تكلفة بناء “لنكولن” في التسعينيات حوالي 4.5 مليار دولار، فإن استبدالها اليوم بمعايير التقنية المعاصرة يتطلب ميزانية تتجاوز 9.5 مليار دولار. وفي حال الانتقال إلى طراز فئة “جيرالد فورد” الأحدث، ترتفع الفاتورة إلى نحو 13.3 مليار دولار للسفينة الواحدة؛ وهو ما يتجاوز الميزانيات القومية السنوية لعدة دول نامية.

الكفاءة التشغيلية: مخصصات الاستدامة اليومية
بمجرد دخول الحاملة في الحالة العملياتية، تبدأ دورة الإنفاق اليومي لضمان جهوزية القتال. يقدر المحللون العسكريون تكلفة التشغيل اليومية بما يتراوح بين 2.1 إلى 2.5 مليون دولار، وتتوزع هذه المخصصات كالتالي:
| البند التشغيلي | التكلفة اليومية التقديرية | التفاصيل والمهام |
| الكتلة الأجرية | $900,000 | رواتب ومزايا لـ 5000 بحار وعنصر “مارينز” وطيار. |
| صيانة الجناح الجوي | $600,000 | قطع غيار وفحوصات تقنية دورية للطائرات المقاتلة. |
| الدعم اللوجستي | $200,000 | تقديم 18,000 وجبة يومياً لـ “المدينة العائمة”. |
| وقود الطائرات | $400,000 | استهلاك هائل لوقود (JP-5) لضمان استمرارية الطلعات. |
ويؤكد الخبير العسكري، اللواء الركن (م) فهد السبيعي، أن هذه الأرقام تعكس طبيعة الحاملة كمدينة متكاملة لا تنام، حيث أن “أي اضطراب في سلاسل الإمداد يرفع الكلفة التشغيلية بشكل طردي نتيجة الحاجة لجهود صيانة طارئة”.
ويشير السبيعي إلى أن المفارقة الكبرى تكمن في أن “أبراهام لنكولن” قد تكون أقل ثمناً من “مخالبها” الجوية. إذ يضم الجناح الجوي للحاملة مقاتلات من طراز F/A-18 Super Hornet (بقيمة 67 مليون دولار للواحدة) وطائرات F-35C الشبحية التي تلامس حاجز الـ 110 مليون دولار. بإجمالي يصل إلى 90 طائرة، تتراوح قيمة “الترسانة الجوية” الرابضة على السطح بين 7 و10 مليارات دولار.
ويضيف إلى ذلك أن ساعة الطيران الواحدة لهذه المقاتلات تكلف الخزانة الأمريكية ما بين 25,000 و40,000 دولار.
علاوة على ذلك، لا تعمل الحاملة بشكل منفرد، بل ضمن “مجموعة الحاملة الضاربة” (CSG)، التي تشمل:
- مدمرات صواريخ (Arleigh Burke): تكلفة الواحدة 1.8 مليار دولار.
- غواصة نووية هجومية: لتأمين المحيط التحت سطحي (3 مليارات دولار).
- سفن دعم لوجستي: لضمان تدفق الذخيرة والوقود. هذا التشكيل الدفاعي يضيف ما لا يقل عن 40% إلى إجمالي التكاليف التشغيلية للمهمة الواحدة.
الاستثمار طويل الأمد: دورة الحياة والجدوى
تعتمد “لنكولن” على مفاعلين نوويين، مما يمنحها طاقة عمل لعقود، لكنها تتطلب في منتصف عمرها الافتراضي عملية “إعادة التزويد بالوقود النووي والإصلاح الشامل” (RCOH). تستغرق هذه العملية 44 شهراً وتكلف نحو 4.6 مليار دولار، وهو مبلغ يكفي لبناء أربع مدمرات صواريخ حديثة.
الخلاصة: تصل “تكلفة دورة الحياة” الكاملة للحاملة، من التصنيع وحتى التفكيك، إلى قرابة 100 مليار دولار. بالنسبة لواشنطن، لا يُنظر إلى هذا الرقم كعبء مالي فحسب، بل كاستثمار سيادي لضمان التفوق البحري وتأمين الممرات المائية العالمية، وهو رهان استراتيجي يكرس الفجوة العسكرية بين القوى العظمى وبقية دول العالم.






