العميد ناجي ملاعب – باحث في الشؤون الأمنية و الاستراتيجية
أولاً – الرياض واشنطن على السكة الاستراتيجية الواعدة
في الفصل الأخير من العام 2025 استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في البيت الأبيض، ضمن مراسم بروتوكولية غير مألوفة أميركيًا، في إشارة واضحة إلى الأهمية التي توليها إدارته لعلاقاتها مع المملكة. وبنتيجة الزيارة أعلن ترمب تصنيف السعودية “حليفًا رئيسًا من خارج حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وأبدى موافقته على بيعها طائرات متطورة من طراز “إف-35″، وهو مؤشر دال على رغبة واشنطن في تعزيز تحالفها الاستراتيجي مع الرياض في سياق منافسة محتدمة مع الصين وروسيا.
ووقّعت الولايات المتحدة والسعودية، في هذا اللقاء، عددًا من الاتفاقيات الكبرى التي شملت مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والدفاع والمعادن الحيوية، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على اننا امام سعودية جديدة، أما أبرز الاتفاقيات فكانت:
1 – عقود دفاعية – طائرات “أف- 35” ودبابات
فقد أعلن البيت الأبيض موافقة ترمب على تسليم السعودية طائرات مقاتلة من طراز “إف – 35” مستقبلًا، فضلًا عن إبرام اتفاق لشراء 300 دبابة أميركية، وتُعدّ صفقة “إف- 35” شديدة الحساسية، لكون إسرائيل الحليف الرئيس للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك هذا الطراز المتقدم من إنتاج شركة لوكهيد مارتن، وتسعى للحفاظ على احتكارها له.
2 – المعادن النادرة
وكان من نتائج الزيارة لواشنطن التوقيع على اتفاقيات عدة في مجالات واعدة تبدأ من الشراكة في انتاج المعادن النادرة ومعالجتها على أرض المملكة، حيث تؤكد السعودية أنها تمتلك رابع أكبر احتياطي من المعادن النادرة في العالم؛ وهذا تغير استراتيجي كبير، فكما بُنيت العلاقة الأميركية – السعودية تاريخيًا على معادلة “النفط مقابل الأمن”، فإن المرحلة الراهنة قد تشهد انتقالًا إلى عصر جديد عنوانه “المعادن مقابل الشراكة الاستراتيجية”.
3 – الذكاء الاصطناعي
والخطوة الجريئة على صعيد الذكاء الاصطناعي تمثلت بتوقيع الولايات المتحدة والسعودية مذكرة تفاهم “تمنح المملكة إمكانية الوصول إلى أنظمة أميركية رائدة عالميًا مع ضمان حماية التكنولوجيا الأميركية من التأثيرات الأجنبية”. وفي إطار هذه المذكرة، وافقت واشنطن على بيع رقائق متقدمة من إنتاج شركة “إنفيديا” NVidia لشركتَي “هيوماين” Humainالسعودية و”جي 42″G42 الإماراتية، حيث سُمح لهما بشراء قرابة 35000 رقاقة بقيمة تُقدَّر بمليار دولار. ويُعدّ هذا القرار تحولًا جوهريًا في الموقف الأميركي؛ إذ كانت واشنطن قد رفضت سابقًا فكرة التصدير المباشر لشركات الذكاء الاصطناعي المدعومة من الدولة في الخليج، خشية وصول التكنولوجيا الأميركية المتقدمة إلى الصين بوساطة هذه الدول.
4 – الطاقة النووية
ونذكر هنا الخطة الطموحة التي رسمها ولي العهد بتنويع الاعتماد على مصادر طاقة بديلة وادرجها ضمن رؤية السعودية 2030 بإصراره على امتلاك الطاقة النووية السلمية. وفي هذا السياق، وقّعت شركة أرامكو سبع عشرة مذكرة تفاهم واتفاقية مع شركات أميركية كبرى، بقيمة محتملة تتجاوز 30 مليار دولار، وتؤكد الرياض أنها تمتلك نحو 7 في المئة من احتياطي اليورانيوم العالمي، وهو ما يمنحها قاعدة صلبة للانطلاق نحو بناء محطة نووية كبيرة باستخدام التكنولوجيا والشركات الأميركية، في إطار خططها للتحول الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط.
5 – الدفاعي الاستراتيجي
في مجال الدفاع الاستراتيجي الأميركي – السعودي فقد شكّلت “الضمانات الأمنية” الأميركية للسعودية إحدى أبرز المسائل التي سعت الرياض لتحقيقها من زيارة ولي العهد لواشنطن – وإن جاءت أقل من معاهدة دفاعية – إذ كانت الرياض تطمح إلى اتفاق دائم يتجاوز فترة حكم ترمب، على غرار المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تنص على الالتزام الجماعي بالدفاع عن أي عضو يتعرض لهجوم. وتعد آخر مرة قدمت فيها واشنطن مثل هذا الالتزام في عام 1969 مع اليابان.
ومع ذلك، فإن ما حصلت عليه الرياض لم يرقَ الى معاهدة دفاعية ملزمة؛ إذ إن مثل هذا الاتفاق لن يمرّ في مجلس الشيوخ مع التعقيدات السياسية والقانونية. وبدلًا من ذلك، أعلن ترمب تصنيف السعودية “حليفًا رئيسًا من خارج الناتو”؛ وهو وضع يمنح الدول التي تتمتع به امتيازات عسكرية واقتصادية مهمة، تشمل تسهيلات في الحصول على المعدات الدفاعية الأميركية، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، فضلًا عن توسيع نطاق الشراكة الاستراتيجية الثنائية.
ثانياً – صعود الصناعة الدفاعية الخليجية… مستقبل ومعوقات
تؤيد المملكة العربية السعودية وعموم دول الخليج والمنطقة بناء التهدئة، وتستفيد من ذلك، وتنتعش من الاستقرار والتوافقات السياسية، لكنّ التحدي يبقى اقتناع الطرف الإيراني بأهمية التهدئة والحوار والدبلوماسية، وبأن ثمارها أفضل من التصعيد والتوتر والصراع. هذا تحدٍّ أساسي، وهناك مراهنة أو تفاؤل حذِر بأن بيكين كتبتْ “جملة مفيدة” ومؤثّرة في هذا المجال، عبر دورها الوسيط الذي لعبته عام 2023 ما بين إيران والدول الخليجية، وكذلك في أدوارها العالمية المقبلة.
في المقابل، فإن التصرّف وكأن الاتفاق مؤشر إلى أن الولايات المتحدة فقدت نفوذها في الشرق الأوسط ليس صحيحاً أو واقعياً. لا تزال واشنطن اللاعب الدولي الأكثر نفوذاً وتأثيراً في الشرق الأوسط، والأكثر في عدد الحلفاء والشركاء، والأكثر امتلاكاً لأدوات النفوذ المستدام والعلاقات الاستراتيجية مع الفاعلين الإقليميين. هذا ما كرّسته نتائج زيارة ولي العهد الى واشنطن.
1 – دبلوماسية الصناعة الدفاعية
امتلاك إحدى أهم أدوات القوة الصلبة، وهي الصناعة الدفاعية، يضاعف فاعلية دور الرياض وأبو ظبي الجادتين في مسار التصنيع الدفاعي، ويزيد من قدرتهما على التكيف مع تقلبات النظام الدولي، عبر رفع رصيدهما من “الاستقلال الاستراتيجي” النسبي، الذي يمنحهما حرية الحركة والمناورة لحفظ مصالحهما مع أطراف متصارعة، مع أن هذا التوجه قد يُحدِث إشكالاً إن أخذنا بعين الاعتبار الشراكة التاريخية مع القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي أدت منذ عقود طويلة دور الضامن لأمن الخليج.
كما قد يصطدم هذا التوجه مع اتساع تعامل الصناعة الدفاعية الخليجية مع شركاء مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل وكوريا الجنوبية وتركيا وإندونيسيا. ولهذا فإن الدبلوماسية الخليجية تحرص على التعامل باقتدار مع مهمة الإبحار عبر تعقيدات هذه القوى التي تتناقض مصالحها أحياناً وتتفق في مرات أخرى.
تتسم العلاقة بين الصناعة الدفاعية وصُنع السياسة الخارجية واستراتيجيات وحسابات الأمن الوطني بأنها وثيقة. ففي منطقة الشرق الأوسط على سبيل المثال، نجد أن الجمهورية التركية أصبحت في السنوات الأخيرة دولة مؤثرة عالمياً في صناعة وتصدير الطائرات من دون طيار (Drown Power)، وقد بدأ هذا التطور باعتباره ردة فعل لحاجة ملحة لمواجهة أنشطة حزب العمال الكردستاني، وفاقَم هذه الحاجة الداخلية ما عَدَّتهُ أنقرة تذبذباً في الدعم الخارجي من حلفائها الغربيين. وفيما بعد انتقلت قصة النجاح التركية هذه خارج الحدود، إلى دول مثل أذربيجان، وأوكرانيا، وسوريا، وأصبحت أداة فعالة تُقوي الدبلوماسية التركية في أقاليم مختلفة من شرق المتوسط إلى القرن الإفريقي.
ويبدو أن العديد من دول “الجنوب العالمي”، وبالذات الدول الإفريقية، تنظر اليوم بإيجابية للصناعة التركية، وهو ما أتاح لأنقرة ممارسة ما يمكن تسميته “دبلوماسية الصناعة الدفاعية”، حيث يتم استخدام مزيج شديد الفعالية من صادرات السلاح، وبرامج التعليم والتدريب، وإنشاء روابط مؤسسية طويلة المدى بين تركيا والدول المستوردة لمنتجاتها.
2 – معوقات في طريق الصناعات الدفاعية
قطعت السعودية والإمارات، بوجه خاص، شوطاً طويلاً في تأسيس قطاع الصناعات الدفاعية وتوطينه، ولكن لا تزال هناك تحديات ذات طبيعة بنيوية، وأخرى تكتيكية تُشكِّل في الوقت نفسه فُرصاً متعددة للنمو، ونذكر بعضاً منها :
أ – تحتاج الأسلحة الخليجية لسجل متكرر من التجارب على أرض المعركة، حيث إن سجلها لا يزال ناشئاً بالمقارنة مع الآخرين. وهذه التجارب مهمة حتى يُتاح للشركات الخليجية تعديل منتجاتها وفق مُعطيات واقعية كي تزداد مصداقية هذه الأسلحة في السوق العالمية، ولذا قد يكون من الجيد تقديم برامج تمويل مُيسرة لدول الجنوب العالمي والدول الحليفة والصديقة المهتمة بالحصول على المنتجات والأنظمة التي يصنعها الخليج، مع توفير اتفاقيات التدريب والتأهيل، وتكثيف التشاور الدبلوماسي، وبناء علاقات مؤسسية بين الطرفين. ومن شأن هذه الخطوة تشجيع الشركاء المحتملين، بالإضافة لرفع تنافسية المنتجات الخليجية في مقابل أقرانها. ومن النتائج المُحتملة لهذا الجهد، منح الشركات الخليجية فرصة تقوية استدامتها المالية وربحيتها، حيث إن الشركات التي تعمل في هذا القطاع تحتاج لتعظيم حجم إنتاجها حتى تقل تكلفة الإنتاج تدريجياً، وهذا مفهوم اتبعته شركات أخرى أثناء مسيرة نموها.
ب – تستطيع ماكينة الدبلوماسية-الاقتصادية الخليجية النشطة تحريك شبكة علاقاتها حتى تقدم وسيلة أخرى من شأنها تسهيل دخول الشركات الخليجية للسوق العالمية، وهي دمج منتجات الخليج الدفاعية في سلاسل الإمداد والتوريد الدولية، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى زيادة أعداد الزبائن المحتملين، كما أنه سيؤدي إلى تخفيض تكلفة استيراد تقنيات ومعادن وأنظمة دقيقة. وتنبغي الإشارة إلى أن الإدارة الحكيمة للتوازنات والتناقضات الدولية التي تتخلل أحياناً سلاسل الإمداد من شأنها أن تُسهِّل ضوابط نقل التكنولوجيا التي تضعها الدول الكبرى.
جـ – تشجيع دخول مستثمرين جدد، وعلى رأسهم الشركات الخليجية من القطاع الخاص، ولكن مع الحث على التوجه نحو مجالات تخصصية جديدة، من قبيل توطين أنظمة الدفاع الجوي وتصنيعها، والتي أثبتت الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، والاعتداء الإسرائيلي على سيادة قطر (9 سبتمبر 2025)، الحاجة الماسّة لها. وهذا أيضاً يمنع تكرار صُنع المنتجات نفسها بواسطة شركات متعددة، وهو ما حصل في دول أخرى مما أعاق فتح خطوط إنتاج لمنتجات جديدة، وضيّع فرصاً ثمينة لتنويع القاعدة الصناعية، بعيداً عن الأنظمة التقليدية والتي يكثر في سوقها المتنافسون والبدائل.
الخلاصة
إن حفظ السلام في المنطقة ومحيطها يتحققان عبر مراكمة القوة بأنواعها المختلفة، وهذا ما تداركته وسلكته السعودية الجديدة سواء بتوطين الصناعات الدفاعية أو بناء خطوط انتاج دفاعي وأمني رغم المعوقات، او من خلال الدبلوماسية النشطة والتي تمثلت بالضمانات الأمنية مع واشنطن. مع الحفاظ على الدور الدولي والإقليمي الذي انتهجته المملكة سواء مع اللاعبين الدوليين الكبار أوروبا والصين وروسيا، أو مع الدول الإسلامية الشقيقة كباكستان وتركيا. ويبقى الاحتضان السعودي العربي بخفض التصعيد والتدخل الإيجابي في سوريا والسودان، الى جانب الدور الذي لم تساوم عليه المملكة يوما في القضية الفلسطينية.






