عندما نتحدث عن رؤية ترامب لمستقبل أميركا، نحن في الحقيقة نتحدث عن رؤية ترامب لمستقبل العالم، فما تقوم به إدارة ترامب حالياً هو سلسلة من العمليات والحملات العسكرية والأمنية والسياسية والإقتصادية، المتناغمة والمتناسقة، بعضها متزامن والبعض الآخر متتالي، ضمن إستراتيجيات مناطقية متعددة، تصب جميعها في خانة تشكيل الصورة النهائية، وصقل الواقع الأمني والإقتصادي الذي يتناسب مع رؤية ترامب لمستقبل الولايات المتحدة، ويُجسِّد قراره بما سيتنازل عنه من فرص وثروات للباقين. أي وبشكلٍ مختصر، تحديد “الحالة النهائية-End State” التي يريد الوصول إليها بما يضمن التفوق الأميركي كقوة عالمية وحيدة ولفترة طويلة مستقبلاً في ظل المخاطر والتحديات الماثلة، مستفيداً من عدة عوامل، ابرزها القوة العسكرية، القوة الإقتصادية وهيمنة الدولار، النفوذ الكبير في المؤسسات المالية العالمية كصندوق النقد والبنك الدولي، والنفوذ والتأثير في المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة، والأهم من كل ذلك، الجرأة ودرجات المخاطرة العالية في قراراته التي يتخذها. وترامب يدرك تماماً أن معظم هذه المخاطر والتحديات تطال وتهدد الإقتصاد الأميركي في الدرجة الأولى قبل ان تهدد أمن الولايات المتحدة.

نبدأ أولاً بالنية الأساسية للرئيس الأميركي ترامب كرجل إقتصادي وتاجر عريق في مجال العقارات والسلع الهامة، ونحن هنا أمام نموذج متميِّز في الحكم من حيث الإسلوب ومن حيث الأهداف النهائية التي يريد الوصول إليها، فترامب يريد جعل أميركا بلداً صناعياً متفوقاً على الصين وعلى الإتحاد الأوروبي، وذلك بالإعتماد على الخبرات والقدرات الصناعية والتكنولوجية للولايات المتحدة، إضافةً إلى وضع اليد على مصادر الطاقة التي تعتبر مفتاح القوة الصناعية للصين وللأوروبيين، ونحن نتحدث هنا عن الإتحاد الأوروبي كخصم إقتصادي وليس كخصم عسكري، وترامب يستشعر فعلياً الخطر الصيني على الإقتصاد الأميركي وعلى قوة الدولار كعملة أساسية معتمدة في التجارة العالمية، ويعتبر أن الوقت ضيق جداً ويستوجب إتخاذ إجراءات سريعة وجريئة لحماية مصالح الولايات المتحدة والمحافظة على التفوق عالمياً.

لقد كان الهدف من عملية إعتقال الرئيس الفنزويلي “مادورو” وزوجته، ضرب مركز القوة المعادي للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، وإطلاق “Domino Effect- تأثير الدومينو” في تلك المنطقة، بحيث تتهاوى صورة الممانعة وتبدو هزيلة بشكلٍ يطرح سؤالاً اساسياً حول جدوى مخاصمة الولايات المتحدة، لا سيما عند الشعوب والأجيال الشابة التي ستطلق بدورها تساؤلاً في السر او في العلن: “لما لا؟” لما لا نصادق الولايات المتحدة ونفتح صفحة جديدة معها بما يضمن مزيداً من الإستقرار والرفاهية لشعوب أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي؟ ولا يمكن تجاهل تأثيرات هذه العملية والتي بدأت تظهر من خلال سلوك الحكومة الفنزويلية بعد مادورو، ومن خلال الإتصال الذي جرى بين رئيس كولومبيا والرئيس الاميركي ترامب، والذي جاء كإستجابة للتوتر السياسي والأمني بين البلدين وهدف إلى خفض التصعيد وربما التنسيق لاحقاً في قضايا عديدة. وفي هذا الإطار، من المرجح أن تنجح إستراتيجية ترامب على المدى الطويل في جعل الجانب الغربي من الكرة الارضية خالٍ من النفوذ الخارجي، بما يحقق “مبدأ دونرو” المشتق من “مبدأ مونرو” الذي أعلنه الرئيس الاميركي جيمس مونرو عام 1823، والذي أكد على أن الجزء الغربي من الكرة الارضية أي الأميركيتين، هو مجال نفوذ للولايات المتحدة وأي تدخل أوروبي فيه يعتبر تهديداً لها. لقد دخلنا عصر “مبدأ دونرو”، وهو مصطلح صِيغ لوصف تطبيق الرئيس دونالد ترامب لمبدأ مونرو لفرض مصالح الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي، ولكن هذه المرة لا يقتصر على إستهداف الأوروبيين، بل كل القوى العُظمى والقوى الإقليمية التي بنت أو تريد بناء نفوذ لها هناك، وبالتحديد الصين، روسيا وإيران.
بالنسبة لغرينلاند، فموضوعها إستراتيجي منطقي وليس مفاجأة بالنسبة للسياسة الخارجية الاميركية، فموقعها الجغرافي الإستراتيجي يجعل من الإستحواذ عليها مسألة هامة جداً في صقل الشكل النهائي لخريطة النفوذ والتمركز للقوات الأميركية، فهي تقع بين أميركا الشمالية وأوروبا والقطب الشمال القريب من روسيا، وهذا يجعلها مفتاح التحكم في الممرات القطبية الجديدة، وبالسيطرة عليها يتم القبض والسيطرة على كامل الجزء الشمالي من الكرة الارضية، وغرينلاند تحتوي على أنظمة إنذار مبكر أميركية ضد اي هجوم روسي أو صيني محتمل عبر القطب الشمالي، والجدير ذكره هنا، أن غرينلاند وعلى الرغم من أنها جزء من الدانمرك، إلا أنها خرجت من السوق الأوروبية المشتركة عام 1985، وهي ليست مقيدة بقوانين الإتحاد الاوروبي، ولكنها مرتبطة بدولة عضو في هذا الإتحاد، وهي الدانمارك، ومن المعروف ايضاً أن الدانمرك لا تدخل في منطقة اليورو، وهي تستخدم عملتها الخاصة “الكرونة”، وهذا يزيد من حالة التحرر من الضغط الأوروبي في حال التوصل إلى إتفاق مع ترامب بشأن غرينلاند، وهو ما تعارضه أوروبا بشدة.

ومن المتوقع مستقبلاً، ووفقاً لتسارع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، أن تظهر طرق تجارة جديدة وأن تتكشف ثروات هائلة، ويقارب ترامب الموضوع حالياً بنفس تجاري بحت، عارضاً شراء هذه الجزيرة أو القيام بعمل عسكري اذا لزم الامر، أما كيف سينتهي المطاف هناك، فالحد الأدني من الشروط التي قد يقبلها ترامب، هو الحصول على إمتيازات خاصة وأحادية بالإستثمار في الثروات، وفي إقامة قواعد عسكرية وبناء نفوذ أمني وإقتصادي فيها دون مزاحمة أحد، وهو بذلك يقطع الطريق ليس فقط على الصينيين والروس، بل ايضاً على الاوروبيين، حيث أن غرينلاند تبشر بمستقبل واعد للاوروبيين من حيث مصادر الطاقة والثروات من المعادن النادرة والهامة.
على صعيد منطقة الشرق الأوسط الغنية بموارد الطاقة من النفط والغاز، فالأمر محسوم لصالح النفوذ الاميركي، فترامب لن يتخلى عن هذه المنطقة بأي شكلٍ من الأشكال، ليس ذلك فقط، بل لديه خطط لضمها إلى تحالف إقتصادي تقوده إسرائيل وتستثمر فيه الولايات المتحدة بشكلٍ كبير، تبقى معضلة إيران وبعض القوى الممانعة التي تقف في وجه المشروع الاميركي، ولكن ووفقاً لسلسلة الاحداث الكبرى والحاسمة التي جرت في السنتين الماضيتين، يُعتقد أنه وبشكلٍ ما، ستحسم الامور لمصلحة الولايات المتحدة.
بالنسبة للقوى العُظمى الأخرى، ونقصد هنا روسيا والصين، سيبقى الحال كما هو عليه، وسيمارسان نفوذهما كقوى إقليمية وليس كقوى عالمية منافسة للولايات المتحدة، فروسيا تركز إهتمامها على ضم جزءًا من أوكرانيا وإنهاء الحرب وفرض شروطها الأمنية هناك، وهذا ما لا يعارضه ترامب في المبدأ، وبعد نهاية الحرب هناك، سيستغرق الأمر كثيراً من الوقت لإعادة التعافي للسياسة الخارجية الروسية لناحية الامن والإقتصاد، وعلى الارجح سيبقى تركيز الإهتمامات الروسية إقليمياً وليس عالمياً، ولن تكون قادرة على منافسة أو تهديد المصالح الاميركية، وهذا ينطبق أيضاً على الصين، التي وُضعت في حالة الدفاع عن أمنها الطاقوي بالإضافة إلى هم المشروع التايواني بالإنفصال النهائي والتحرر كلياً من الصين، وفي مجال تأمين موارد الطاقة، ستواجه الصين على الأرجح ه تحديات كبيرة، لا سيما في حالة التغيير الجذري في الأنظمة في اميركا اللاتينية وفي إيران.

في الخلاصة، هناك بوادر نجاح لإستراتيجيات ترامب التي اعتمدها لضمان التفوق الاميركي عسكرياً وإقتصادياً على المستوى العالمي، فالولايات المتحدة لا تتورط في حروب طويلة تستنزف جهدها وقدراتها، بل تقوم بعمليات عسكرية حاسمة معتمدة على تكنولوجيا عسكرية متفوقة، وعلى عمل إستخباراتي متميز، مستهدفةً مراكز الثقل الإستراتيجية لخصومها، وذلك عبر سلسلة من الحملات المخطط لها بعناية ودقة. مع ذلك، يبقى الوقت هو العامل الذي يؤكد النجاح النهائي للمشروع الأميركي الكبير، أو يُظهر الفشل والتعثر، فربما المستقبل يفاجئنا بأحداث غير متوقعة قد تقلب الوضع رأساً على عقب.






