خاص – Defense Arabia
في خطوة تعكس تسارع وتيرة توطين الصناعات العسكرية المتقدمة في المملكة العربية السعودية، شهدت الرياض توقيع مذكرة تفاهم استراتيجية بين شركة “إيراف” الصناعية المحدودة (ERAFF) وشركة “لوكهيد مارتن” المملكة المتحدة (Lockheed Martin UK). الاتفاقية لا تهدف فقط إلى التجميع، بل تؤسس لمرحلة جديدة من تطوير وتصنيع أنظمة الأبراج القتالية غير المأهولة (Uncrewed Turrets) بالكامل داخل الأراضي السعودية، مستهدفة تلبية احتياجات القوات المسلحة المحلية والأسواق العالمية.
فلسفة التصميم: النجاة للطاقم أولاً
يمثل البرج الجديد تحولًا جذريًا في فلسفة تصميم المدرعات الحديثة. ووفقًا لـ أليكس كينغ، مدير تطوير الأعمال في “لوكهيد مارتن”، فإن الميزة الأساسية لهذا النظام هي “فصل الطاقم عن البرج”. في التصاميم التقليدية، يجلس القائد والرامي داخل سلة البرج، مما يعرضهم لخطر مباشر في حال إصابة البرج بقذيفة. أما في التصميم الجديد، فيتم نقل الطاقم بالكامل إلى بدن المركبة (Hull) الأكثر تدريعًا وأمانًا، بينما يتم التحكم في البرج والأسلحة عن بُعد. هذا التوجه لا ينقذ الأرواح فحسب، بل يحرر مساحة داخلية ضخمة كانت مخصصة للطاقم، مما يسمح بزيادة حمولة الذخيرة أو تقليل الوزن الكلي للمدرعة.
مرونة “تكسر القواعد”: حل واحد لكل المنصات
أحد أبرز التحديات التي تواجه الجيوش هو تنوع الآليات وصعوبة دمج أنظمة موحدة عليها. هنا يبرز البرج الجديد بصفته “نظامًا محايدًا للمنصة” (Platform Agnostic). تشير المعلومات التقنية التي حصلنا عليها إلى أن الوزن المنخفض للبرج وتصميمه المدمج يسمحان بتركيبه على مجموعة واسعة من الآليات، بدءًا من:
- المدرعات المدولبة 8×8: مثل عربات “بوكسر” (Boxer) و”باتريا” (Patria).
- المدرعات المجنزرة: بجميع فئاتها.
- المركبات التكتيكية 4×4: وهي ميزة نادرة، حيث تمنح عربات الاستطلاع الخفيفة قوة نيرانية تضاهي دبابات القتال الرئيسية.
الترسانة الفتاكة: من المدفع الذكي إلى “الدرونز” الانتحارية
لم يعد التسليح التقليدي كافيًا لمواجهة تهديدات ساحة المعركة الحديثة. وقد استعرض ستيفان وود، رئيس قسم الاستحواذ في الشركة البريطانية، حزمة التسليح المرعبة التي يوفرها البرج، والتي تعتمد على مبدأ “النمطية” (Modularity):
- المدفع الرئيسي: يأتي البرج قياسيًا بمدفع من عيار 30 ملم، لكنه مصمم هندسيًا لاستيعاب ترقية فورية لمدفع عيار 40 ملم (من نوع CT40 المتطور) أو خفض العيار لـ 25 ملم، مما يمنح القادة الميدانيين مرونة تكتيكية غير مسبوقة.
- زوايا الاشتباك: يوفر المدفع زاوية ارتفاع تصل إلى 75 درجة، وهي ميزة حيوية في حروب المدن (لاستهداف القناصة في الطوابق العليا) واشتباكات الدفاع الجوي التكتيكي ضد الطائرات المسيرة (Anti-Drone)، مع زاوية انخفاض تصل لـ -10 درجات.
- صائد الدبابات: تم دمج منصات إطلاق لصواريخ “جافلين” (Javelin)، مما يمنح المدرعة قدرة “أطلق وانسَ” لتدمير أعتى الدبابات من مسافات بعيدة.
- الذراع الطويلة (Loitering Munitions): ولأول مرة، يدمج البرج أنابيب إطلاق للطائرات المسيرة والذخائر المتسكعة (بأقطار 25 ملم و75 ملم). هذه الميزة تمنح المركبة قدرة استطلاع متقدمة وقدرة هجومية خلف مدى الرؤية (NLOS)، حيث يمكن للطاقم إطلاق “درون” لاستكشاف ما وراء التلال أو ضرب أهداف مخفية بدقة جراحية.
الوعي الظرفي: عيون لا تنام
تعتمد فعالية البرج غير المأهول على قدرة الطاقم المعزول في البدن على “رؤية” الخارج. لذا، تم تزويد النظام بـ:
- مصفوفة كاميرات توفر رؤية محيطية بزاوية 360 درجة.
- رادارات متطورة للكشف والتتبع.
- أنظمة رؤية مستقلة للقائد والرامي، مما يتيح تكتيك “الصياد والقاتل” (Hunter-Killer)، حيث يبحث القائد عن هدف جديد بينما يشتبك الرامي مع الهدف الحالي.
التصنيع في “الخرج”: قفزة صناعية للمملكة
أكد ممثلو شركة “إيراف” أن هذا المشروع ليس مجرد استيراد للتكنولوجيا، بل هو توطين كامل. ستقوم “إيراف”، التي تمتلك منشأة صناعية متطورة بمساحة 10,000 متر مربع في محافظة الخرج، بقيادة عمليات التصنيع. الشركة التي بدأت تاريخيًا في تجديد وتحديث المركبات، انتقلت الآن لتصبح مصنعًا متكاملًا للأنظمة الدفاعية المعقدة، مستفيدة من إرث هندسي يمتد لـ 30 عامًا.
الجدول الزمني والطموح التصديري
فيما لا تزال مراحل التصميم النهائية قيد المراجعة لضمان تلبية المتطلبات الدقيقة للعميل (سواء الحرس الوطني أو القوات البرية)، فإن الخطة الزمنية تشير إلى طموح كبير. حيث يتوقع القائمون على المشروع الوصول إلى مرحلة “الإطلاق الحي” (Live Fire) واختبارات القبول النهائية بحلول منتصف عام 2027. كما أن الرؤية تتجاوز الحدود السعودية؛ إذ يُنظر إلى هذا المنتج “سعودي الصنع” كمنافس قوي في الأسواق العالمية، خاصة مع تزايد الطلب على الحلول الدفاعية المرنة وغير المأهولة.






