خاص – Defense Arabia
في عالم تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي، لم تعد القوة العسكرية تُقاس فقط بمدى ضخامة الترسانة أو عدد الجنود على الأرض، بل بقدرة الجيوش على “التواصل” والربط بين منظوماتها في الوقت الفعلي. لقد تحولت ساحة المعركة من مجرد جغرافيا للصراع إلى شبكة معقدة من البيانات، حيث يشكل “المعلومة” الذخيرة الأهم. وفي قلب هذا التحول، تبرز شركات التقنية الدفاعية التي تصنع “الجهاز العصبي” للجيوش الحديثة، وهي الأنظمة التي تضمن تدفق الأوامر والبيانات بسلاسة وأمان.
إن مستقبل الدفاع والأمن لا يكمن في استيراد “الصناديق السوداء” الجاهزة، بل في بناء شراكات استراتيجية تهدف إلى توطين تقنيات الاتصال المتقدمة والقيادة والسيطرة (C4I)، وهو النموذج الذي تقدمه شركة “كاريل” (Karel) التركية كنهج بديل يعتمد على المرونة، التكامل التقني، ونقل المعرفة السيادية للدول الشريكة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
من البدالات الهاتفية إلى التفوق التكتيكي
قصة “كاريل” ليست مجرد قصة شركة دفاعية تقليدية. فكما أشار يافوز بايز، رئيس قطاع التقنيات الدفاعية في شركة “كاريل”، في حديثه الأخير لـ”دفاع العرب” ضمن فعاليات معرض الدفاع العالمي، فإن جذور الشركة تمتد لسنوات طويلة كواحدة من أعمدة الاتصالات في تركيا، حيث بدأت بتطوير البدالات الهاتفية العامة قبل أن تنتقل بخبرتها العريضة إلى القطاع العسكري. هذا الانتقال ليس مجرد تغيير في نوعية العملاء، بل هو توظيف لخبرة هندسية عميقة في مجال الاتصالات المدنية لخدمة الأغراض العسكرية المعقدة.
تكمن قوة هذا النهج في القدرة على دمج التقنيات الحديثة مثل بروتوكولات الإنترنت (IP) وتقنيات الجيل الخامس (5G) داخل المعدات العسكرية الصلبة. ففي الحروب الحديثة، يحتاج الجندي إلى نفس سرعة وكفاءة الاتصال التي يوفرها الهاتف الذكي، ولكن بمعايير أمان ومتانة عسكرية. هنا تبرز براعة “كاريل” في تحويل التكنولوجيا التجارية إلى حلول تكتيكية قادرة على الصمود في أقسى الظروف.

دروس من الصراعات الحديثة: البيانات هي القائد الجديد
لا يمكن الحديث عن تطوير الأنظمة الدفاعية بمعزل عن الواقع الميداني. لقد أثبتت الصراعات الأخيرة حول العالم أن العقيدة العسكرية قد تغيرت بشكل جذري. يوضح “بايز” أن الأحداث والحروب الدائرة تظهر بوضوح أن طرق التشغيل قد تبدلت. لم يعد الأمر يتعلق فقط بإطلاق النار، بل بجمع البيانات من منطقة العمليات عبر الرادارات وأجهزة الاستشعار، ومعالجتها في أجزاء من الثانية، ثم توزيعها على الوحدات المقاتلة.
تخيل سيناريو ميداني: طائرة مسيرة (UAV) تلتقط صورة لمنطقة عمليات معادية. هذه الصورة ليست مجرد لقطة، بل هي معلومة حيوية يجب أن تصل فوراً إلى أنظمة الدفاع الجوي، ووحدات الدعم الناري، والجنود على الأرض لاتخاذ القرار المناسب. هذا “النظام من الأنظمة” (System of Systems) هو ما تعمل “كاريل” على هندسته. بدون شبكة اتصالات موثوقة وسريعة، تصبح الطائرة المسيرة والدبابة مجرد قطع حديدية معزولة، مما يجعل الجيش أعمى وأصم في مواجهة عدو مترابط شبكياً.

السيادة التكنولوجية ونموذج الشراكة مع السعودية
لعل النقطة الأكثر جوهرية في استراتيجية “كاريل”، والتي تميزها عن العديد من الشركات الغربية الكبرى، هي مرونتها في “نقل التكنولوجيا”. في سوق الدفاع العالمي، غالبًا ما تحتفظ الدول الكبرى بأسرارها التقنية، مكتفية ببيع المنتج النهائي. لكن “كاريل” تطرح نموذجاً مختلفاً يعتمد على الشراكة الحقيقية مع الفاعلين المحليين.
في سياق حديثه عن السوق السعودي، أكد “بايز” استعداد الشركة الكامل لنقل التكنولوجيا إلى الشركاء المحليين في المملكة العربية السعودية. هذا التوجه يتناغم تماماً مع “رؤية السعودية 2030” التي تهدف إلى توطين 50% من الإنفاق العسكري. إن “كاريل” لا تعرض مجرد بيع أجهزة راديو أو محطات اتصالات، بل تعرض تأسيس قدرة صناعية محلية، وتفاوض لتمكين الشركات المحلية من تصنيع وتطوير هذه الأنظمة. هذا يعني أن المملكة لن تكون مجرد مستخدم للتكنولوجيا، بل مالكة لها، مما يعزز استقلاليتها الاستراتيجية وأمن سلاسل الإمداد الخاصة بها.

نحو استقلال رقمي آمن
إن التحليل المتعمق لما طرحه يافوز بايز يقودنا إلى استنتاج حاسم: المستقبل ليس لمن يملك السلاح الأقوى فحسب، بل لمن يملك “شبكة الأعصاب” الأكثر ذكاءً واستقلالية. إن توجه شركات مثل “كاريل” نحو دمج تقنيات الاتصال المدني المتقدمة في المجال العسكري، مع انفتاحها على نقل التكنولوجيا للدول الطموحة مثل المملكة العربية السعودية، يرسم ملامح جديدة لخارطة الدفاع الإقليمية.

على صناع القرار والقادة العسكريين اليوم أن يدركوا أن الاستثمار في البنية التحتية للاتصالات العسكرية وتوطين صناعتها ليس ترفاً تقنياً، بل هو حجر الزاوية في الأمن القومي. ففي المعركة القادمة، ستكون الغلبة لمن يستطيع نقل “البيانات” قبل “الذخيرة”.




