أ.د. غادة محمد عامر
خبير الذكاء الاصطناعي – مركز دعم واتخاذ القرار – رئاسة مجلس الوزراء
زميل ومحاضر الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
أستاذ هندسة النظم الكهربائية – جامعة بنها
لقد استخدمت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) وظّفت نموذج الذكاء الاصطناعي” كلود” من شركة “أنثروبيك” كعقل كامل يقوم بمهام عديدة وبكفاءة قد تفوق البشر مثل تحديد الأهداف خلال الضربات الجوية والجو-بحرية ضد أهداف في إيران ومحاكاة سيناريوهات القتال، عن طريق معالجة الكميات الهائلة من البيانات غير المنظمة الواردة من ميدان المعركة. كما اشارت الصحيفة إلى أن البيانات المستخرجة من نظام “كلود” تمت مشاركتها آنيا مع غرف العمليات الإسرائيلية، مما سمح بتنسيق هجمات متزامنة بين سلاح الجو الإسرائيلي والمدمرات الأمريكية في الخليج العربي. كذلك استُخدم “كلود” لتحليل صور الأقمار الصناعية واعتراضات الإشارات Signals Intelligence (SIGINT) لتحديد “بنك أهداف” بثواني والذي يضم أكثر من خمسمئة موقع إيراني، شمل منشآت نووية وقواعد صواريخ باليستية. كما إنه أتاح للمحللين طرحَ أسئلة تكتيكية معقدة بلغة طبيعية، ليرد بمحاكاة احتمالية مبنية على تدريبه النظري وتدفق الاستخبارات الآنية. كذلك قبل شن الهجوم، أجرى نظام كلود آلاف عمليات المحاكاة التكتيكية (Wargaming) للتنبؤ برد الفعل الإيراني واختيار أفضل مسارات الطيران للمقاتلات الأمريكية والإسرائيلية لتجنب الدفاعات الجوية مثل منظومات S-300 وS-400.
كما استخدمت إسرائيل الذكاء الاصطناعي لاختراق الكاميرات لتتبع خامنئي قبل الضربة حيث ذكر تقرير لصحيفة فايننشال تايمز أن إسرائيل تتبعت علي خامنئي باستخدام كاميرات مخترقة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ورسمت خرائط لتحركاته وروتينه قبل الضربة الصاروخية الدقيقة التي أودت بحياته. وبحسب صحيفة فايننشال تايمز، فقد استخدمت إسرائيل كاميرات المرور المخترقة والذكاء الاصطناعي لمراقبة علي خامنئي في الفترة التي سبقت مقتله خلال عملية الأسد الزائر. رصدت العملية الإسرائيلية روتين خامنئي بالتفصيل، متتبعة تحركاته وجداوله اليومية وهويات كبار المسؤولين المحيطين به مكّن المخططين من توقع تحركات خامنئي وتقليل الأضرار الجانبية. وقد مكّن هذا الرصد المكثف المخططين من تحديد الوقت الأمثل لشن ضربة دقيقة على مجمعه. شملت الضربة 30 صاروخاً من طراز سبارو، ونُفذت نهاراً لتحقيق أقصى قدر من الميزة التكتيكية، بينما تم تعطيل شبكات الهاتف المحمول المحلية لمنع قوات الأمن الإيرانية من تلقي أي تحذيرات.
ولم تكن عملية إيران الاختبار الأول؛ ففي يناير 2026، استُخدم النظام ذاته نموذج كلود العسكري وتقنية” بالانتير أنطولوجي “في العملية التي أدت للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. كما استخدمت إسرائيل نظام “لافندر” الذي هو قاعدة بيانات تعتمد على الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد الأهداف العسكرية المرتبطة بحماس في غزة. لم يكن نموذجًا لغويًا ضخمًا، ولكنه حلل كميات هائلة من بيانات المراقبة، مثل العلاقات الاجتماعية وسجل المواقع، ليُعطي كل فرد درجة من 1 إلى 100. وعندما تتجاوز درجة شخص ما عتبة معينة، يُصنّفه “لافندر” كهدف عسكري.
إن تقنية الذكاء الاصطناعي “كلود” التابعة لشركة “أنثروبك” تستخدمها العديد من القيادات العسكرية حول العالم، بما في ذلك القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط في أمور عديدة مثل تقييمات الاستخبارات، وتحديد الأهداف، ومحاكاة سيناريوهات المعارك، مما يسلط الضوء على مدى ترسخ أدوات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية. في نوفمبر الماضي، دخلت شركة Anthropic في شراكة مع شركة Palantir Technologies Inc.، وهي شركة لتحليل البيانات تقوم بالكثير من العمل لصالح البنتاغون، حيث حولت نموذج اللغة الضخم Claude إلى محرك التفكير داخل نظام دعم القرار للجيش. وتتلخص فكرة الشركة في استخدام نظام كلود لترجمة نوايا القائد إلى تعليمات رقمية لتنسيق أسطول من الطائرات المسيّرة. ثم تحول من مجرد تلخيص التقارير الاستخباراتية، كما قد تتوقع من برنامج دردشة آلي. إلى تطوير “الوعي والمشاركة المتعلقة بالأهداف”، و”الإطلاق والإنهاء” لأسراب الطائرات المسيّرة التي قد تكون قاتلة.
المرعب والذي يجب أن ينتبه له الجميع أن نموذج لغوي صُمِّم في الأصل لمساعدة المستخدمين على الكتابة والتفكير قد تحول إلى عنصراً محورياً في سلسلة القتل -Kill Chain-. إن ما كشفته كواليس عملية “الغضب الملحمي” هو إعلان رسمي عن دخول البشرية عصر “الحروب الخوارزمية”.




