في قلب العاصمة الماليزية، وعلى أرضية معرض DSA 2026، أرسلت تركيا رسالة لم تحتج إلى كثير من الكلمات. ثلاث طائرات في جناح واحد، مقاتلة، ومسيّرة، وطائرة تدريب، كافية لتقول إن أنقرة لم تعد تطرق أبواب صناعة الدفاع العالمية، بل باتت تفتحها من الداخل.
شركة “توساش” للصناعات الفضائية والجوية عرضت منظومتها الثلاثية المتكاملة: مقاتلة الجيل الخامس “كان”، والطائرة المسيّرة المسلحة “أنكا”، والطائرة التدريبية القتالية “هورجيت”. وبينما تتسابق دول رابطة آسيان على بناء قدرات ردع ذاتية في ظل تصاعد التوترات ببحر الصين الجنوبي، جاء التوقيت مُحكمًا كأنه مقصود.
“هورجيت” تبدأ من ماليزيا
لم يكن المشهد الأكثر دلالة في الجناح التركي هو الطائرة نفسها، بل كان رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم وهو يُوقّع على نموذجها بالحجم الطبيعي. إيماءة بروتوكولية في الشكل، لكنها رسالة سياسية واضحة في المضمون.

“هورجيت” طائرة تدريب نفّاثة متقدمة ومقاتلة خفيفة في آنٍ واحد، صُمِّمت في الأصل لتحلّ محل منصات التدريب القديمة من طراز T-38. محركها الوحيد من طراز General Electric F404-GE-104 يُنتج 17,700 رطل من الدفع، وتبلغ سرعتها القصوى نحو ماخ 1.0 في تكوينها التدريبي المعتاد، مع مدى يصل إلى 1,060 ميلًا بحريًا وحمولة قتالية بحدود 7,500 رطل. قمرة قيادتها رقمية بالكامل، وإلكترونياتها متوافقة مع معايير الناتو، وهذه النقطة الأخيرة تحديدًا هي ما يجعلها جذابة لدول تريد أسلحة قادرة على الاندماج في بيئاتها العملياتية القائمة دون إعادة هيكلة كاملة.
“أنكا” ليست وافدة جديدة على ماليزيا
ما يميّز “أنكا” عن كثير من المنافسين في هذا المعرض أنها لا تحتاج إلى تقديم نفسها، فقد سبقتها سمعتها. سلّمت “توساش” بالفعل 3 طائرات من هذا الطراز إلى سلاح الجو الماليزي، وهو ما أكّده المدير العام للشركة في تصريحاته على هامش الفعاليات.

المسيّرة قادرة على التحليق لأكثر من 24 ساعة متواصلة، وتحمل أنظمة استشعار كهروبصرية، ورادار ذا فتحة اصطناعية (SAR)، مع منظومة ربط بيانات تنقل المعلومات الاستخباراتية لحظةً بلحظة. في منطقة تمتد فيها الأرخبيلات آلاف الكيلومترات وتكثر فيها تحديات مراقبة الممرات البحرية ومكافحة التهريب، تُقدّم “أنكا” إجابة عملية بتكلفة أدنى بكثير من نظيراتها الأمريكية كـ MQ-9 Reaper، ودون القيود التصديرية المشدّدة التي ترافق الأخيرة عادةً.
“كان”: المشروع الذي يتجاوز حدود السلاح
إذا كانت “هورجيت” و”أنكا” تُمثّلان الحاضر التجاري لتركيا، فإن “كان” تمثّل مشروعها الاستراتيجي بعيد المدى. مقاتلة شبحية ثنائية المحرك من الجيل الخامس، طولها 20.3 مترًا وباع جناحيها 13.4 مترًا، تعمل بمحركَي General Electric F110 يُنتج كلٌّ منهما 29 ألف رطل من الدفع. تصل سرعتها القصوى إلى ماخ 1.8، وسقف خدمتها 55 ألف قدم، وقدرتها المناورية بين +9g و-3.5g. والأهم من الأرقام أن رادارها MURAD AESA صُنِع محليًا في مصانع “أسيلسان”، وأن حجرات أسلحتها الداخلية تحفظ بصمتها الرادارية المنخفضة التي يقوم عليها منطق الجيل الخامس.

في فبراير/ شباط 2026، أعلنت “توساش” أن 3 نماذج أولية وصلت إلى مراحل متقدمة من البناء.
من إندونيسيا إلى الرياض: خريطة العقود الناشئة
أشارت التقارير خلال معرض IDEF 2025 في إسطنبول إلى أن أنقرة وجاكرتا تجريان مفاوضات متقدمة حول توريد طائرات “كان” لإندونيسيا بشروط تتضمن نقل التكنولوجيا والتجميع المحلي، وإن كانت تفاصيل الصفقة النهائية لم تُعلَن رسميًا حتى اليوم.
أما المملكة العربية السعودية فيبدو أن المباحثات معها تجري على مستويات لافتة؛ إذ أشار المدير العام لـ”توساش” إلى أن النقاشات حول “كان” و”غوكباي” بلغت أعلى مستوياتها، مع احتمال إنشاء خط إنتاج محلي في المملكة. وتمتد خيوط التفاوض كذلك لتشمل باكستان وأذربيجان ودولًا من آسيا الوسطى.
ما يعنيه هذا للمنطقة العربية
لم تخفَ دلالات المعرض على صانعي القرار في العواصم العربية، دول الخليج التي وجدت نفسها خارج قائمة الدول المؤهلة للحصول على F-35 منذ عام 2012 تنظر إلى “كان” بعين مختلفة اليوم. ودول المغرب العربي وبعض دول القرن الأفريقي تجد في “أنكا” و”هورجيت” خيارًا يجمع بين الكفاءة التشغيلية والتحرر من الاشتراطات السياسية التي كثيرًا ما ترافق الصفقات الغربية.
النموذج الذي تطرحه تركيا ليس نموذج البائع الذي يشحن الأسلحة ويمضي، بل نموذج الشريك الذي يبني المصانع ويُحوّل المشتري إلى مُنتِج. وهذا تحديدًا هو ما يجعل الشركات الامريكية والاوروبية تتابع ما يجري في كوالالمبور بانتباه غير معتاد.
خلاصة
ما شهدناه في كوالالمبور لم يكن معرضًا دفاعيًا عاديًا بالنسبة لتركيا، بل كان إعلانًا عن اكتمال سلسلة قتالية جوية متكاملة.. من قاعة التدريب إلى الأجواء المتنازع عليها. السؤال الذي بات يطرحه المخططون العسكريون في المنطقة العربية على أنفسهم ليس هل يمكن لتركيا أن تنافس، بل متى تبدأ المنافسة فعليًا في التحوّل إلى عقود موقّعة.






