من كيب تاون إلى الأنبار.. لماذا لجأ العراق إلى “وحش” أفريقيا المسيّر؟

خاص – Defense Arabia

أعلن وزير الدفاع الفريق ثابت العباسي أن بغداد أبرمت عقداً مع شركة Milkor الجنوب أفريقية للحصول على سرب من الطائرات المسيّرة متعددة المهام، في إشارة واضحة إلى أن النموذج المُختار هو الـMilkor 380، أضخم طائرة مسيّرة تُنتجها أفريقيا حتى اليوم.

لم يكشف الوزير عن العدد أو القيمة المالية للصفقة، لكن الرسالة وصلت: العراق لم يعد يكتفي بالروسي والصيني والأمريكي.

من كيب تاون إلى الأنبار: لماذا Milkor 380؟

انطلقت أولى رحلات Milkor 380 في سبتمبر/ أيلول 2023، وهي الطائرة المسيّرة الأكبر من نوعها التي تُنتج في أفريقيا، وتُصنّف ضمن فئة MALE، متوسطة الارتفاع طويلة المدى.

تبلغ المسيّرة 9 أمتار طولاً وباع جناحيها 18.6 متراً، مع وزن أقصى عند الإقلاع يقارب 1,500 كيلوغرام وحمولة تصل إلى 220 كيلوغراماً، مع الإشارة إلى أن هذه الحمولة تعتبر متواضعة نسبياً لعمليات هجومية ثقيلة.

تتمتع المسيّرة بمدى تشغيلي يتجاوز 4,000 كيلومتر، وقدرة تحليق تصل إلى 30 ساعة متواصلة، مع سقف عملياتي عند 23,000 قدم.

تمتلك المسيّرة 5 نقاط تعليق لمختلف الذخائر وحمولات الاستطلاع، وتتضمن أنظمة اتصال مزدوجة عبر LOS وSATCOM لضمان التواصل المستمر مع محطات التحكم الأرضية.

لكن ما يجعل هذا الاختيار مثيراً للاهتمام فعلاً ليس المواصفات التقنية.. بل ما وراءها.

بلد لا يبيع لأي كان

تُصرّ شركة Milkor على أنها لا تتعامل إلا مع الحكومات مباشرةً، وأن كل عملية تصدير تخضع لرقابة لجنة NCACC الوزارية المشتركة التي تُشرف على حركة المعدات العسكرية وتضمن استخدامها للأغراض المشروعة.

هذا يعني أن قرار البيع للعراق مرّ بفحص دقيق على مستوى الحكومة الجنوب أفريقية، وهو اعتراف ضمني بأن بغداد باتت شريكاً أمنياً يمكن الوثوق به.

جنوب أفريقيا تُصدّر منظوماتها الدفاعية لأكثر من 56 دولة حول العالم، لكن صفقة بهذا الحجم مع دولة عربية مرّت بأشدّ فترات عدم الاستقرار الإقليمي تُمثّل سابقة نوعية.

العراق يبني أسطولاً طبقياً

لا يمكن فهم صفقة Milkor 380 بمعزل عن المشهد الأشمل لإعادة بناء القوة الجوية غير المأهولة في العراق.

يمتلك العراق أسطولاً غير متجانس من الطائرات المسيّرة يجمع بين منصات روسية وأمريكية وإيرانية وصينية، في ظل سياسة تنويع مصادر التسلّح التي ينتهجها منذ سنوات. وفي مطلع 2026، نقل سلاح الطيران البري العراقي طائرات CH-5 الصينية إلى قاعدة عين الأسد في الأنبار، حيث ظهرت إحداها مُحمَّلة بصواريخ على 4 مواضع تعليق.

إذن المعادلة باتت واضحة: CH-5 صينية للضربات التكتيكية + Milkor 380 جنوب أفريقية للاستطلاع الاستراتيجي بعيد المدى، وربما مفاوضات مع باكستان للحصول على Shahpar II للمهام المتوسطة. 3 طبقات و3 موردين ووصفة تقليل الاعتماد على مورد واحد.

السياق الأمني: العراق يحترق بالمسيّرات التي يفتقدها

الفارق بين ما يطمح إليه العراق وما تفرضه عليه الجغرافيا السياسية يصبح جلياً حين تقرأ مشهد 2025 و2026: تعرّضت القواعد العسكرية العراقية والمنشآت النفطية لموجات متتالية من هجمات الطائرات المسيّرة التي تشنّها ميليشيات مرتبطة بإيران، وأدت إلى أضرار جسيمة في منظومات الرادار والبنية التحتية الحيوية.

بعبارة أخرى: العراق يتعرض لحرب مسيّرات لا يملك فيها أدوات الردع الاستراتيجي الكافية. مسيّرة بمدى 4,000 كيلومتر وعين لا تنام لمدة 30 ساعة ليست رفاهية، إنها ضرورة.

علامة استفهام جنوب أفريقية

ثمة عقبة حقيقية لا ينبغي تجاهلها: طاقة الإنتاج الحالية لـ Milkor لا تتجاوز 8 وحدات سنوياً، مع خطط للوصول إلى 16 وحدة بحلول 2026.

هذا يطرح تساؤلاً مشروعاً: كم طائرة ستحصل عليها بغداد فعلاً في الدفعة الأولى؟ وهل ستكفي لبناء منظومة استطلاع متكاملة أم ستكون رمزية في جوهرها؟

الإجابة ترتبط بعدد آخر لم يُكشف عنه بعد: سعر الوحدة الواحدة.

ما لا تقوله الأرقام

الأهم في هذه الصفقة ليس الجناح البالغ 18.6 متراً ولا الساعات الثلاثين في الجوّ، بل المعنى الاستراتيجي لاختيار مورّد أفريقي مستقل عن الفصائل الجيوسياسية التقليدية.

في عالم تتقاطع فيه الضغوط الأمريكية والنفوذ الصيني والثقل الإيراني فوق الأراضي العراقية، جنوب أفريقيا لا تحمل أياً من هذه الأثقال. إنها مجرد بائع محترف بسجل نظيف وتقنية متقدمة، وهذا بالضبط ما تحتاجه بغداد في الوقت الراهن.

والشركة ذاتها تنظر بعيداً، إذ تُعدّ للإعلان عن منصة Milkor 780، المسيّرة الاستراتيجية عالية الارتفاع التي ستحمل 2,700 كيلوغراماً لمدة 30 إلى 40 ساعة. إذا ما نجحت تجربة العراق مع الـ380، فليس بعيداً أن يكون العراق في قائمة عملاء الـ780 أيضاً.