العقيد الركن م. ظافر مراد
لا يمكن الغوص في معايير العلاقة الروسية–الإيرانية في ظل الحرب الراهنة دون التوقف عند استراتيجية الأمن القومي الروسي التي أُعلنت في يوليو/تموز 2021. وجوهر هذه الاستراتيجية يتمثل في الانتقال من وضعية دفاعية إلى إعادة تشكيل نظام دولي جديد متعدد الأقطاب. وهذا يعني أن الأمن القومي الروسي لم يعد مقتصرًا على حماية الحدود والمصالح الحيوية والمصيرية، بل بات يشمل أيضًا تأمين ولادة هذا النظام متعدد الأقطاب، الذي تشارك فيه الصين إلى جانب مجموعة من الحلفاء والأصدقاء مثل إيران والبرازيل والهند، والذين يعملون على إنشاء تحالفات سياسية واقتصادية كـ«بريكس» من شأنها تقليص مركزية النظام العالمي القائم بقيادة الولايات المتحدة.

بالنسبة لروسيا، تمثل إيران أصلًا استراتيجيًا مهمًا، بوصفها حليفًا يؤدي أدوارًا معقدة في الصراع الإقليمي. فهي تعمل كعنصر إرباك للنظام الغربي، وتكمن قيمتها في قدرتها على استنزاف النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، وتشتيت موارد وقدرات الغرب عبر أزمات متزامنة ومتحركة في دول المنطقة، وتهديد أمن المضائق وتعطيل سلاسل الإمداد. وهذا ما يحوّل الصراع مع إيران إلى أزمة عالمية تُرهق اقتصادات الدول كافة، وهو ما تستفيد منه روسيا عبر توظيف مواردها من الطاقة لإعادة ترسيخ دورها كمصدر وضامن لأمن الطاقة العالمي. لذلك، كان الدعم الروسي لإيران في هذا الصراع متوقعًا وغير مفاجئ.
في الأول من أبريل/نيسان، وصفت صحيفة “الغارديان” روسيا بأنها أكبر المستفيدين من الحرب الأميركية–الإيرانية. إذ إن ارتفاع سعر برميل النفط من 72 إلى 100 دولار وفّر للقيادة الروسية عائدات هائلة، مكّنتها من إنعاش اقتصادها الذي أضعفته الحرب والعقوبات. كما تؤكد تقارير غربية، من بينها التقرير نفسه، أن روسيا دعمت ولا تزال تدعم إيران بمعلومات استخباراتية حيوية، عبر تبادل صور الأقمار الصناعية وبيانات تحركات وانتشار القوات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى دعم تحديد الأهداف، وتعزيز الوعي الميداني اللحظي، وتطوير الخبرات في الحرب الإلكترونية وأنظمة التشويش على الـGPS.

وأعلن وزير الدفاع البريطاني جون هيلي في أواخر مارس/آذار عن وجود “محور عدوان بين روسيا وإيران”، متهمًا موسكو بـ”مشاركة التكتيكات والتدريب والتكنولوجيا” لمساعدة طهران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. وجاء تصريحه وسط تقارير تفيد بأن روسيا ترسل طائرات مسيّرة إلى إيران، يُرجح أنها نسخ مطوّرة من منظومة “شاهد-136” الانتحارية. واعتبر أن الكرملين يسعى لضمان بقاء النظام، وفي الوقت ذاته استنزاف الولايات المتحدة وإطالة أمد صراع تستفيد منه روسيا. ووفقًا له، بدأ هذا الدعم قبل الهجوم الأميركي–الإسرائيلي في 28 فبراير/شباط.

وبالتوازي، أفادت صحيفة “فايننشال تايمز”، نقلًا عن تقييمات استخباراتية غربية، بأن روسيا بدأت في أوائل مارس/آذار إرسال طائرات مسيّرة وأدوية ومواد غذائية إلى إيران. ويُعتقد أنها قدّمت أيضًا مكونات لتحسين أنظمة الطائرات المسيّرة الإيرانية، خصوصًا في ما يتعلق بدقة الإصابة ووزن الرؤوس الحربية، إضافة إلى إرشادات حول استخدام أسراب الهجوم وسبل الحماية من الحرب الإلكترونية. وتسلّط هذه المعلومات ضوءًا جديدًا على الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مؤخرًا ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين، والتي هدفت، وفق تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” نقلًا عن مصادر غير مسمّاة، إلى تعطيل الدعم الروسي لإيران في الحرب.
في مجال أنظمة المراقبة الفضائية، أوضح بافيل لوزين، الباحث في مؤسسة “جيمستاون” الأميركية، أن «روسيا أنشأت نظام “ليانا” الذي يُعد من أهم مشاريع الاستطلاع الفضائي، بهدف تتبع مجموعات حاملات الطائرات الأميركية والقوات البحرية الأخرى وتحديدها كأهداف، وأن إيران تستفيد من هذا النظام». كما لعبت روسيا دورًا رئيسيًا في تطوير البرنامج الفضائي الإيراني وقمره الصناعي الأساسي “خيّام”، الذي أُطلق عام 2022 من قاعدة بايكونور الروسية. وأشار لوزين إلى أن موسكو «قادرة نظريًا على استقبال ومعالجة بيانات القمر الإيراني للتصوير البصري، ومشاركة البيانات من أقمارها المتعددة».

ثمة تأكيد واسع لا لبس فيه على الدعم الروسي لإيران في هذه الحرب، إلا أن هذا الدعم يتجاوز الأبعاد العسكرية والاستخباراتية ليشمل المجال السياسي أيضًا، كما يتضح في مجلس الأمن. وبوجه عام، لا يقتصر الدعم الروسي على تزويد تقليدي بالأسلحة، بل يتخذ طابعًا نوعيًا عالي القيمة ومنخفض الظهور. وعلى الرغم من إعلان موسكو وطهران عن شراكة استراتيجية، لا يوجد بينهما اتفاق دفاع مشترك، ولم تتدخل موسكو مباشرة في الصراع الحالي. فاستراتيجية بوتين في إدارة هذه الأزمة تقوم على الحذر والحسابات الدقيقة، عبر الموازنة بين تقديم الحد الأدنى الضروري من الدعم لإيران وتجنب الانخراط في مواجهة مباشرة مع واشنطن.
يمارس بوتين سياسة ضبط الإيقاع وقياس ردود الفعل الأميركية والغربية تجاه دعمه لإيران. فهو يريد إيران قوية بما يكفي لإزعاج الغرب، ولكن ليس إلى حد التحول إلى شريك مهيمن أو عبء دولي. كما لا يرغب في انخراط روسي عميق يقوده إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. لذلك نسمع تصريحاته حول الاستعداد للمساعدة في إنهاء الحرب واستلام اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، وكأنه طرف محايد، مستفيدًا من تفهّم ترامب للموقف الروسي في أوكرانيا، ومن الخلاف الأميركي–الأوروبي الراهن الذي أثّر على تماسك حلف الناتو، حيث انتقد ترامب مرارًا تردد الحلف في دعم الولايات المتحدة في هذه الحرب.
إن إحجام روسيا عن الدفاع المباشر عن إيران لم يفاجئ الخبراء في الشأن الروسي. فعلى الرغم من مستوى التعاون الأمني والاقتصادي الكبير بينهما، لا يمكن تجاهل الفوارق الأيديولوجية والمؤسسية بين طبيعة القيادتين الروسية والإيرانية، وهو ما يشكل عائقًا عميقًا أمام قيام تحالف استراتيجي حقيقي. فروسيا دولة قومية ذات مرجعية مرتبطة بالكنيسة الأرثوذكسية، تُستخدم كإطار تاريخي وثقافي لتعريف هوية روسيا الجديدة، لا كمشروع أيديولوجي توسعي كما هو الحال في إيران. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، تقود إيران عقيدة “ولاية الفقيه” وتعلن صراحة هدف “تصدير الثورة”، أي التوسع الأيديولوجي في الشرق الأوسط والعالم، وهو ما يهدد مصالح روسيا ونفوذها في هذه المنطقة الحساسة. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الخلافات الجوهرية السابقة بين الطرفين حول مستقبل سوريا وتضارب النفوذ ومحاولات السيطرة على قرار النظام السابق.

أدرك بوتين أن إدارة علاقات روسيا الخارجية يجب أن تكون براغماتية بما يكفي لاحتواء انعدام الثقة والعداء التاريخي مع الغرب، خاصة في أوروبا والشرق الأوسط. فهو لا يحتاج إلى اتهامات إضافية تضر بصورته في وقت يسعى فيه لإعادة تعريف دور روسيا في النظام الدولي. فروسيا دولة قومية علمانية تسعى إلى النفوذ، بينما إيران مشروع أيديولوجي عابر للحدود. لذلك لا يثق بوتين بإيران ثقة كاملة، لأنه يراها تتحرك بدوافع عقائدية وقد تتخذ قرارات غير قابلة للضبط البراغماتي، كما حدث في سوريا. وهو لا يسعى اليوم إلى تسوية العلاقة معها، بل إلى إدارة التناقض والاستثمار فيه، عبر استخدامها كورقة ضغط على الغرب، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات تواصل مع خصومها.
لن يذهب بوتين بعيدًا في دعم إيران في هذه الحرب، حتى لو أدت نتائجها إلى انهيار كامل للنظام الإيراني. وسيتصرف كما فعل في سوريا، حيث أتاح انسحابه في الوقت المناسب إعادة ترميم علاقاته مع القيادة الجديدة.
الهدف النهائي لبوتين هو تعظيم موقع روسيا كقوة توازن عالمية، بحيث تصبح موسكو وسيطًا لا غنى عنه لجميع الأطراف المنخرطة أو المتأثرة بالصراع، مثل إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج. لذلك لم تعد تحالفاته عميقة بقدر ما هي أدوات مرحلية ضمن صراع أوسع وأكثر تعقيدًا. فبوتين لا يخوض المعركة بالسلاح فقط، بل عبر إدارة توازنات القوة وصناعة القرار.




