عندما يُخطىء التصميم العملياتي ويفشل السلاح في فرض الإرادة

العقيد الركن م. ظافر مراد

يبدأ كل شيء من الخطة، ومن “التصميم العملياتي” للحملة أو للحرب الشاملة، والتصميم العملياتي ليس خطة للقتال فقط، بل هو “الرابط الفكري الذي يحوّل الأهداف السياسية إلى حملات عسكرية قابلة للتحقيق” وهذا التصميم يضعه كبار القادة والخبراء في تحضير الحملات، والذين من المفترض أن يدركوا جيداً العلاقة بين الأهداف العسكرية التي يجب تحقيقها، والتي يجب أن تهيِّء الظروف المادية والمعنوية لتحقيق الأهداف السياسية وفرض الإرادة على العدو.

قد تمتلك دولة ما قدرات عسكرية متفوقة ولا تقهر، ولكن قد لا تؤمن هذه القدرات النصر الكامل في حرب ضد عدوٍ يتمتع بخصوصية عقائدية، وإرادة بقاء تتجاوز مفاهيم الهزيمة، ويمتلك ميزة جيوبوليتيكية تمنحه أوراق قوة متعددة.

هناك الكثير من المتغيرات والظروف التي فرضت أساليب وأنماط جديدة في إدارة الصراعات حديثاً، فالصراع لم يعد عنواناً موحداً يخضع لترتيبات وقواعد تقليدية، بل أصبح واقعاً ديناميكياً مستمراً، لا يمكن من خلاله تحقيق نصر نهائي، ولا فرض الإرادة بالكامل، فمفاهيم النصر والهزيمة تغيَّرت، وأصبحت ترتبط بطبيعة المجتمع، وقيمه، وتقاليده الثقافية، والأيديولوجيا التي تحكمه وتقوده، وهذا ينطبق تماماً على إيران، ومع إنتهاء العمليات العسكرية في الحرب، بات السؤال المركزي الذي تدور حوله كافة التحليلات والنشاطات الديبلوماسية والسياسة، من انتصر؟ وهل تمكنت الولايات المتحدة من فرض إرادتها على إيران؟

لا يمكن الجزم باكراً في تحديد من انتصر في هذه الحرب، مع أن المؤشرات المادية التي تقاس من خلال المقارنة بالخسائر، تشير إلى نصر أميركي مؤكد، مع ذلك، يجب إعادة النظر بمعايير النصر في هذه المواجهة، فمنذ بداية الحرب، اعتبرت القيادة الإيرانية أن بقاء النظام ومنع تغييره يمثل أحد الأهداف الأساسية للمواجهة في هذه الحرب، وانها إذا حافظت على بقائه، تكون قد منعت العدو من تحقيق النصر، بينما في الولايات المتحدة، لم يكن في الحقيقة تغيير النظام هو الهدف الأساسي، بل كان تغيير سلوكه وإخضاعه هو الغاية النهائية التي يريدها الرئيس ترامب، فبعد دراسة الخيارات، تبين أن مسألة تغيير النظام لا تضمن قيام نظام بديل موالٍ، وسيتبعها الكثير من التعقيدات والفوضى، والتي لا تستطيع معها الولايات المتحدة فرض الإستقرار وتأمين مصالحها كما يجب. ومع ذلك فإن عملية تغيير السلوك وفرض الإرادة الأميركية على القيادة الإيرانية، هي مسألة نسبية لم تتَّضح تفاصيلها بشكلٍ حاسم لغاية الآن، ولكن من المؤكد أن تغييراً هاماً قد حصل.

يمكن القول إن التصميم العملياتي للحملة التي قادتها الولايات المتحدة على إيران، قد حقق نجاحات تكتيكية وعملياتية، لأن الولايات المتحدة تملك تفوقًا هائلًا في الاستطلاع، الضربات بعيدة المدى، الذخائر الدقيقة، والحرب الإلكترونية، بينما على المستوى الإستراتيجي، فالمسألة لم تحسم بعد، فهناك اختباران حاسمان يحددان نجاح الخطة وتحقيق الأهداف النهائية من هذه الحرب، الأول يتعلق بتحديد العلاقة والروابط بين المستويين العملياتي والاستراتيجي، فالضربات قد تكون ناجحة عملياتيًا، لكن إذا لم تتحول إلى مكاسب سياسية مستدامة، فيكون هناك خطأ في تحديد هذه العلاقة وكيفية الربط بين المستويين، أي التأكد من أن الإنتصارات العسكرية تحقق الغاية السياسية. أما الثاني، فيتعلق بقدرة الخصم على النجاة والإستمرار والتكيّف، فالخصم الذي يحتفظ بقدرته على الردع، وتعبئة الداخل، وإعادة بناء القدرات، وفتح جبهات بديلة، قد يمنع تحقيق الإخضاع وفرض الإرادة عليه.

وسط هذا الغموض والتناقض في الروايات، قد لا تكون المشكلة في التصميم العملياتي للحملة الأميركية على إيران، بل في طبيعة طرفي الصراع ونواياهما المعلنة وغير المعلنة، فكل طرف دخل الحرب بنظرية مختلفة للنصر، فبالنسبة للإدارة الاميركية، تمثَّل النصر بمنع إيران من إمتلاك سلاح نووي، تغيير السلوك، تقليص القدرات، تكريس الردع. أما بالنسبة للنظام الإيراني، فالنصر يعني البقاء، منع تغيير النظام، الحفاظ على القدرة على الرد.

ظهرت في الآونة الأخيرة، وفي التاريخ العسكري الحديث، معضلة حسم الصراع وتحقيق النصر،  فالحروب الأخيرة أظهرت فجوة كبيرة بين الانتصار العسكري والانتصار السياسي، وتبلور ذلك بشكلٍ خاص في منطقة الشرق الأوسط، الذي يعجّ بالأيديولوجيات والثقافات المتناقضة، إضافةً إلى تعقيد الواقع الجيوسياسي، والذي خلقته دول الإستعمار قبل رحيلها، عبر رسم خرائط نفوذ تحوَّلت إلى أزمات مستمرة وممتدة تتجاوز حدود الدول، تراكمت فيها حسابات القوى الكبرى التي تحاول إعادة ترتيب وصياغة التوازنات بهدف تحقيق مصالحها.

قد تكون إيران خسرت عسكرياً، ولكنها نجت ونجا نظامها العقائدي، أقله لغاية الآن، فيبدو أنها ربحت الوقت، والرواية، والشرعية، والقدرة على الإستمرار، لكن ذلك لا يعني وجود ضمانات أكيدة ودائمة للنجاة في هذا الصراع.

 لقد قاتلت القيادة الإيرانية على جبهتين، جبهة خارجية ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وجبهة داخلية أكثر شراسة ضد الوعي الشعبي وإرادة التغيير، وعلى الرغم من توقف القتال، إلا أن الحرب النفسية وصناعة الرأي العام وعمليات التأثير في الجماهير لم تتوقف، ليس فقط في الداخل الإيراني، بل أيضاً على كامل محور النفوذ في اليمن والعراق ولبنان وغزة.

هناك الكثير من النتائج والتفاصيل والتداعيات التي لم تتّضح ولم تظهر بشكلها النهائي، والتي من المؤكد أيضاً أنها لن تتّضح في نتائج ومقررات مسارات التفاوض وبنود الإتفاقات، والنتائج النهائية والحقيقية لهذه الحرب ستتمثَّل بالممارسة والتطبيق، والنجاح في تحويل الإتفاق والتوقيع عليه إلى وقائع مستقرة ومستدامة. مع ذلك، ليس هناك ضمانات أكيدة أو دائمة، فالإتفاق السياسي ليس نهاية لهذا الصراع ، بل لحظة مؤقتة محكومة بموازين القوة والإعتبارات الإقليمية والدولية، فقد يتحول اي إتفاق بين أطراف الصراع، إلى وثيقة فقدت صلاحيتها عندما تغيَّرت البيئة والظروف التي أنتجتها، لأن التاريخ لا يحترم الإتفاقات بقدر ما يحترم ويهاب القوة والطرف القادر على فرض واقع جديد.

نعود إلى السؤال المركزي، والذي لا أريده أن يتعلق بتحديد المنتصر والمهزوم في هذه المواجهة، بل يتعلق في شكل العلاقة التي ستُبنى بعد توقف الحرب، هل ستكون علاقة ردع متبادل؟ صراع مؤجل ينتظر ظروفاً مؤاتية؟ أم تعاون براغماتي يضع في الأولوية الإقتصاد والرفاهية على حساب الروايات التاريخية العقيمة؟