رصدت الاستخبارات الأمريكية، وفق ما كشفته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، تصاعداً غير مسبوق في وتيرة الاتصالات العسكرية والأمنية بين القاهرة وأنقرة، يفوق بمراحل حجم التواصل المعتاد بين البلدين خلال السنوات الماضية. وتتصاعد المخاوف في واشنطن وتل أبيب من إمكانية أن يفضي هذا التقارب إلى شراكة أمنية واسعة قد تُعيد رسم موازين القوى في شرق البحر المتوسط.
وبحسب الصحيفة الإسرائيلية، تحركت وزارة الخارجية الأمريكية سريعاً لاستجلاء أبعاد هذه التطورات؛ إذ وجّه مكتب وزير الخارجية ماركو روبيو مذكرة رسمية إلى سفارتَي واشنطن في القاهرة وأنقرة، طالباً الحصول على معلومات تفصيلية بشأن اللقاءات التي تجمع كبار الضباط والمسؤولين العسكريين من الجانبين، في خطوة تكشف عن جدية القلق الأمريكي من مآلات هذا التقارب وانعكاساته المحتملة على التوازنات الإقليمية.
ولا تقتصر المتابعة على واشنطن وحدها؛ فبينما تعمل إسرائيل عبر قنواتها المتعددة على استيضاح تفاصيل التنسيق العسكري المصري التركي، انضمت اليونان وقبرص إلى موجة الضغط ذاتها، مستشهدتَين بأن مستوى الاتصالات المتبادلة وكثافتها يتجاوز بوضوح حدود العلاقات الثنائية المألوفة.
وتتشعب ملفات هذا التقارب لتطال، وفق التقرير، مباحثات تتعلق بالتعاون في مجال خفر السواحل المصري، إلى جانب ما هو أكثر إثارة للانتباه: مناقشات أولية محتملة حول منظومات دفاع جوي تركية الصنع، وفي مقدمتها نظام «سيبر» بعيد المدى الذي غدا إحدى أبرز الأوراق التي تتكئ عليها أنقرة في تعزيز حضورها الدفاعي الإقليمي والدولي.
ولا يتوقف المشهد عند هذا الحد؛ إذ كشفت تقارير منسوبة إلى جهات أمنية وسياسية ألمانية عن توسع محتمل في نطاق التفاهمات بين وزارتَي الدفاع في البلدين، مع إشارة إلى مناقشات أولية حول إطار عسكري أشمل قد يتجاوز حدود الثنائي. بل ذهبت بعض التحليلات إلى رسم سيناريو أكثر طموحاً يستحضر إمكانية بناء منظومة تعاون عربي-إسلامي واسعة قد تنضم إليها مستقبلاً دول كالسعودية وباكستان — وإن ظلت هذه الطروحات في دائرة التكهنات الاستراتيجية دون سند رسمي أو إعلان معلن.
ويكتسب هذا التطور دلالة مضاعفة حين يُقرأ في ضوء المسار الذي قطعته العلاقات المصرية التركية منذ عام 2021، حين بدأ البلدان يرأبان صدع سنوات من التوتر السياسي الحاد، ليتدرجا نحو التطبيع الكامل بتبادل السفراء وتنشيط الزيارات الرسمية. ويبدو أن منطق الجغرافيا والمصلحة المشتركة يدفعان الشريكَين المحتملَين نحو بناء معادلة أمنية فعلية، هي الأولى من نوعها منذ سنوات.
وتأتي هذه التحركات في لحظة بالغة الحساسية، تشهد فيها منطقة شرق المتوسط إعادة ترتيب جيوسياسي متسارعة وتيرته، في ظل التنافس على حقول الغاز والموارد الاستراتيجية، والتطورات الأمنية المتلاحقة في ليبيا وسوريا، فضلاً عن حرص إسرائيل المعلن على صون تفوقها النوعي العسكري في مواجهة أي تكتل إقليمي ناشئ. وتمثل تركيا في هذه المعادلة قوة صناعية دفاعية صاعدة، تمتلك ترسانة متكاملة تضم الطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي وطيفاً واسعاً من الأنظمة العسكرية المحلية، مما يجعل أي شراكة عسكرية محتملة مع مصر حدثاً استراتيجياً ذا تداعيات إقليمية بعيدة المدى.






