نتائج وتأثيرات الاختراق خلف صفائح الدرع

أنور الشراد – باحث عسكري مهتم بشؤون سلاح الدروع

تعبير “التأثيرات خلف الدرع” beyond-armor effects هو مصطلح جرت صياغته في ثمانينات القرن الماضي من قبل FFV (اختصار Forsvarets Fabriksverk) وهي شركة دفاع سويدية شبه حكومية وذلك أثناء تطوير السلاح الكتفي المضاد للدروع AT-4 (سلاح عديم الارتداد غير موجه محمول على الكتف عيار 84 ملم، من إنتاج مجموعة Saab Bofors Dynamics). ومنذ ذلك الوقت، هذا المصطلح استخدم للدلالة على التأثير وحجم الضرر الداخلي الناتج عن عملية ثقب دروع الهدف بمقذوف شديد الانفجار مضاد للدبابات HEAT أو شحنة مشكلة shaped charge، سواء بالنسبة للطاقم أو شاغلي العربة. العبارة أصبحت الآن تقريباً معيار أو مقياس في المصطلح العسكري الحديث. التأثيرات وحجم الضرر الذي ينتج داخل عربات القتال بعد ثقب دروعها بمقذوف شديد الانفجار مضاد للدبابات HEAT (أو بدرجة أقل بمقذوف طاقة حركية KE)هي قضية معقدة، مرتبطة بشكل رئيس ومن ضمن أمور أخرى، بحجم وتصميم الرأس الحربي وكذلك بمادة الدرع وسماكته ومواصفاته البالستية. نتائج التأثيرات خلف الدرع بعد هجوم بمقذوف HEAT يمكن أن تتضمن الآليات التالية:

  • إنتاج مخروط تشظية expanding cone متوسع ومتضخم ناشئ عن أجزاء وشظايا الدرع (وقضيب الخارق إذا كان الحديث عن مقذوف طاقة حركية). هذه الأجزاء تأتي في تشكيلة واسعة ومتنوعة من الأحجام، تتراوح ما بين الغبار أو الرذاذ إلى القطع الكبيرة، مع سرع طيران تتراوح ما بين بضع عشرات إلى عدة مئات الأمتار بالثانية الواحدة. في نفس الوقت، مخروط التشظية وخلال هجوم عند الوضع الطبيعي (العمودي perpendicular) لصفيحة التدريع، قد يتحصل نموذجياً على زاوية انفراج لنحو 90-110 درجات. الأجزاء والشظايا الناتجة عن جدار الدرع الداخلي يمكن أن تماثل وتقارن بانفجار قنبلة يدوية ضمن حيز مقصورة العربة. ويرى الخبراء أنه يمكن لمادة وسماكة الدرع armor thickness أو جدار العربة، أن تكون عامل مؤثر بشدة في مقدار وحجم الشظايا المعدنية الناتجة خلف الدرع. لقد تبين خلال إحدى الاختبارات الأمريكية أن دروع العربات المصفحة من نوع Bradley وكذلك M113 تكون مختلفة ومتباينة في هذه الجزئية. فالتأثيرات خلف الدرع المحدثة والناتجة عن سلاح معين في العربة Bradley تكون أقل من تلك الناتجة عن نفس السلاح خلف دروع العربة M113.
  • اعتماداً على حجم ونوع الرأس الحربي وكذلك نقطة أو موضع الهجوم (مثال على ذلك: البطن، الجانب، القمة) وكذلك على مادة البطانة المعدنية liner material المستخدمة في بناء الشحنة المشكلة (مثل النحاس، الفولاذ، الألمنيوم، الخ)، فإن وقائع ونشاط الاختراق على الهدف يكون مصحوباً عادة بمظاهر الضغط، الحرارة، الوميض، والغازات، التي تنتج جميعها تأثيرات حادة وقاسية severe effects على الأفراد المكشوفين في مقصورة العربة.
  • ضغط العصف الداخلي المرتفع blast over-pressure والناتج عن ثقب جدار الهدف المدرع يمكن أن يتراوح في شدته ما بين 5 إلى 50 psi أو رطل لكل بوصة مربعة (على حسب حجم ومواد الشحنة المشكلة المستخدمة في الهجوم) يستمر لفترة زمنية قصيرة لنحو 100 جزء من الألف من الثانية. هذا الضغط يمكن أن يؤدي إلى صدمة عنيفة يتراوح تأثيرها ما بين الإضرار بطبلة الأذن إلى انجاز جروح قطعية رئيسة major injury. كذلك الأمر بالنسبة للرئتين وتجاويف الجسم الأخرى التي تتأثر بشكل خاص نتيجة الضغط الزائد والمفرط. بالطبع، مستوى الضرر للجسم الإنساني يمكن أن يتفاوت على حسب حجم الضغط over-pressure المعروض لكل حالة. إن زيادة في الضغط لنحو psi 5 سيمزق طبلات الأذن لنسبة 1% من الحالات. وضغط مفرط لنحو 45 psi سيسبب تمزق طبلة الأذن لنسبة 99% من الحالات. بداية الضرر الملحق بالرئة يمكن أن يحدث مع بلوغ الضغط حد psi 15 وما أكثر. الضغط المفرط عندما يصل لمستويات تتراوح ما بين 35 إلى 45 psi فإن ذلك قد يتسبب في حدوث 1% من الوفيات. أما مع ضغط لنحو 55 إلى 65 psi فإن معدل الوفيات يمكن أن يبلغ نسبة 99%. عموماً، الضغط اللحظي المتطور والمتصاعد بشكل فجائي قد يرمي شاغلي العربة أيضاً ضمن نطاق مقصورة الطاقم، مع نسبة إصابات محتملة تنتج عن الاصطدام بالأجسام القاسية والصلبة.
  • درجة حرارة الهواء air temperature ضمن تجويف مقصورة العربة ستواجه تغير وتبدل سريع نتيجة الهجوم برأس حربي ذو شحنة مشكلة، حيث يمكن تسجيل ارتفاع لحظي لنحو 150 درجة مئوية في ذلك التجويف، حيث يتطلب الأمر وبشكل تدريجي نحو ثلاثة دقائق لتراجع الحرارة وانخفاضها.
  • مجريات الأحداث المذكورة في الأعلى وناتج الضغط ودرجات الحرارة المرتفعة، ستكون مرتبطة بشكل رئيس بحجم ونوع مادة بطانة الشحنة المشكلة وكذلك بمادة الدرع. كما يمكن للاختراق وثقب الدروع أن يولد ضوء حاد وكثيف، قد يتسبب في حدوث عمى مؤقت لشاغلي العربة وأفراد الطاقم، أو ضرر وأذى دائم للعيون غير المحمية (مع احتمال حدوث ضرر مادي محسوس للعين physical damage نتيجة الإصابة بالأجزاء والشظايا المتطايرة في مقصورة الطاقم).
  • تجويف مقصورة العربة بعد ثقب دروعها سيكون أيضاً مملوء بغازات الدخان البيضاء الخانقة الممزوجة بالجزيئات الصلبة particulate-filled gas، يقابله انخفاض وتناقص حاد في الأوكسجين المتوافر ضمن ذات الحيز. الاختبارات البريطانية في هذا المجال سجلت على نحو استثنائي ظهور مقادير كبيرة من أكسيدات النتروجين nitrogen oxides عندما شحنة مشكلة مجهزة ببطانة نحاسية تثقب درع مثالي مصنوع من سبائك الألمنيوم (استخدم في بناء هياكل بعض عربات القتال التي في الخدمة الآن).

جميع الظواهر أعلاه تتطور خلال زمن لا يتجاوز غالباً عشر الثانية الواحدة أو 0.1 ثانية. أيضاً نبضة أو موجة ضغط أولية pressure pulse ناتجة عن موجة الاهتزاز المتولدة بتأثير طيران أجزاء وشظايا الدرع المتفتت وكذلك الحطام الصلب عبر مقصورة العربة، قد تكون شديدة ومرتفعة، لكنها عموماً تستمر لفترة زمنية قصيرة جداً (أقل من جزء من الألف من الثانية الواحدة أو 0.001 ثانية). في الحقيقة، نقاش طويل دار في الماضي حول حقيقة الأضرار التي يمكن أن تسببها هذه الزيادة اللحظية في الضغط على الأفراد الشاغلين للعربة. بعض المواد ذات العلاقة أو الناتجة عن عملية ثقب جدار الهدف تكون قابلة للتفاعل والأكسدة بشكل سريع مع الطاقة الحرارية المحررة، خصوصاً مع ميل الأكسجين للاندماج مع المركبات الأخرى في درجات الحرارة المرتفعة (اشتعال النيران بحد ذاته هو عبارة عن أكسدة سريعة خلال العملية الكيميائية الحرارية للمادة، مما ينتج عنه ضوء وحرارة ونواتج تفاعلية أخرى).

الأكسدة أو اشتعال الجزيئات الدقيقة وتأثير معادن الاختراق المتبخرة vaporized metals قد يحدث خلال عشرة أجزاء من الألف من الثانية لإنتاج كلتا درجات الحرارة والضغوط العالية. المواد التي يمكن أن تتأكسد بسهولة تتضمن كلاً من الحديد والألمنيوم، وهما المادتان الرئيستان الداخلتان في تصنيع دروع العديد من عربات القتال المدرعة. وعلى الرغم من أن أكسدة الألمنيوم أكثر ملاحظة خلال الممارسة والتطبيق، إلا أن كلتا المعادن قد تنتج تأثيرات هامة وجدية significant effects، مما يوجب مراعاة هذا الأمر خلال تصميم أنظمة النجاة والبقائية في عربات القتال.

الرؤوس الحربية صغيرة القطر، ذات الشحنات المشكلة والبطانة النحاسية copper-lined، وكما هو الحال مع القذيفة الروسية القياسية PG-7V الخاصة بالسلاح الكتفي RPG-7 (دخلت الخدمة مع السلاح العام 1961 وهي بقطر 85 ملم) أو غيرها من الذخيرة المماثلة في الحجم والمواصفات، تنتج وكما أظهرت الاختبارات آثار جانبية محدودة من الضغط والحرارة والوميض عند ثقبها الهدف المدرع. مع ذلك، فإن من المفيد التوضيح أن هذه الذخيرة الصغيرة وبسبب قابلية اختراقها المعلومة، قادرة فعلياً على ثقب دروع أغلب أنواع عربات القتال المدرعة في ساحة المعركة أو حتى جوانب ومؤخرة أحدث دبابات المعركة الرئيسة MBT.

وبغض النظر عن نقطة أو موضع الثقب المحدث، فإن النفاث الصادر عن الشحنة المشكلة لهذا النوع من الذخيرة صغير الحجم قادر على إشعال الوقود أو السائل الهيدروليكي hydraulic fluid في حال مروره عبر حاوياته وخلايا النقل، ناهيك عن مخزون الذخيرة المكدس في مقصورة العربة. في المقابل، عندما يكون قطر الشحنة المشكلة من الحجم الكبير (120 إلى 150 ملم أو نحو من ذلك) وتكون الذخيرة مستخدمة ضد صفائح التدريع قليلة السماكة نسبياً، فإن التأثيرات والنتائج تجاه الأفراد خلف الدرع تكون في الغالب ضمن مستويات عالية جداً very-high levels وأكثر خطورة، بغض النظر عن المواد المتضمنة. إن المصدر الرئيس للآثار المضادة للأفراد وشاغلي العربة خلف الدرع يتركز على رذاذ الشظايا fragment spray المؤلف من مواد الدرع والجزء المتبقي من القضيب الخارق في حال الحديث عن مقذوف طاقة حركية. عموما، الشظايا والأجزاء الفولاذية، أكثر إضراراً بالطاقم من نظيرتها شظايا الألمنيوم وذلك بسبب كثافتها الأعلى نسبياً (لذا يبدو من المفيد تصميم مقصورة القتال بشكل صحيح وتزويد شاغليها بتجهيزات حماية إضافية مثل سترات الوقاية وخوذ الرأس وواقيات العيون).