نظريات واساليب الصراع الحديثة

العقيد الركن م. ظافر مراد

اختلفت نظريات وأساليب الصراع الحديثة عن تلك القديمة بشكلٍ كبير، ولم تعد الحروب الحديثة تُقاس بعدد المدافع والدبابات والطائرات فقط، بل بقدرة الأطراف المتصارعة على إنتاج الأفكار، وتطوير الخوارزميات، وإدارة المعلومات، والتحكم بالزمن، وفرض الإيقاع العملاني على الخصم. فالسلاح الحاسم في القرن الحادي والعشرين لم يعد بالضرورة شيئاً يمكن رؤيته أو تدميره، بل قد يكون فكرة، أو شبكة، أو خوارزمية، أو رواية قادرة على تشكيل الإدراك وتوجيه اسلوك الخصم. لقد أصبحت العقول والبيانات والوعي العام أهدافاً استراتيجية لا تقل أهمية عن الأرض والقوات والسلاح.

  1. الحرب على الإدراك  (Cognitive Warfare): يعتبر هذا المجال أحد أخطر ميادين الصراع المستقبلية، فبدلاً من تدمير قوات العدو في الحرب التقليدية، يتم في حرب الإدراك تدمير معنوياته، وثقته بنفسه، وبقيادته، وبالمعلومات والأوامر التي تصله في خضم المعركة. أحدث مثال على هذا النوع من الحروب، الحرب الروسية-الأوكرانية، فالمعارك هناك لا تقتصر فقط على الدبابات والصواريخ والمسيرات، بل أيضاً عبر الفيديوهات والصور المفبركة، وحملات التأثير النفسي، وضخ الروايات المُضلِّلة والمتناقضة مع الأحداث. ومعيار التفوق والنصر في هذا المجال يتمثل في جعل العدو غير قادر على التمييز بين الحقيقة والكذب، وبين الواقع والتمنيات. 
  • الحرب على قواعد المعلومات والبيانات: كانت الجيوش في الحروب التقليدية تستهدف: مقرات القيادة، القواعد اللوجستية، إحتياطيات العدو، الجسور، المصانع….أما اليوم فالأصول الأهم التي تُستهدف هي: قواعد البيانات، شبكات الكمبيوتر والإتصالات، السحابات الإلكترونية، ويعود ذلك إلى أن الدولة الحديثة تقوم على مجموعة ضخمة من البيانات، فمثلاً إذا نجح الخصم في تغيير بيانات معلومات المطارات والمرافيء، المصارف والدوائر المالية، السجلات العقارية، المنشآت الخطرة والمصانع الهامة، فإن ذلك قد يحقق تأثيراً استراتيجياً من دون إطلاق رصاصة واحدة. إن تعطيل المعلومات قد يكون أخطر من تدمير البنية المادية نفسها، وفي الحروب الحديثة قد يكون “مهاجم قواعد البيانات” قادراً على إلحاق تأثير إستراتيجي على العدو أخطر من ما يلحقه قائد سرب من القاذفات.
  • منصات الذكاء الاصطناعي: ونقصد هنا الطائرات والزوارق المسيرة والروبوتات وشبكات الألغام البحرية المتحركة، والتي تعمل ذاتياً عن طريق الذكاء الإصطناعي، وهذه المنصات قد يتجاوز عددها الآلاف، فهي تتحرك وتضرب ضمن تشكيلات قتالية ذات ديناميكية عالية، تربك وتنهك وسائل دفاع أو هجوم الخصم، وتجعلها غير فاعلة لا تضمن حماية القواعد والمراكز الهامة، ضمن مبدأ “الكمية تتفوَّق على النوعية” ما يجعل من مواجهتها مسألة بالغة الصعوبة ومعقدة للغاية.
  • التحكُّم بالزمن والمهل والتوقيتات الحرجة: ونقصد هنا فرض إيقاع ونمط مواجهة لا يستطيع فيه العدو تحقيق مهله الزمنية المطلوبة، أو التحكم بالفرص التي تحقق له مكتسبات معينة، أو إتخاذ القرار الصحيح ضمن الوقت المطلوب، ونحن هنا نُدخل معياراً حاسماً في فعالية العمليات العسكرية، وعلى الرغم من أن هذا المفهوم كان موجوداً في التخطيط العسكري التقليدي، وكان يُعرف بـ “Operational Tempo” و”Seizing the Initiative” إلا أنه حالياً تجاوز مسألة التحكم بإيقاع العمليات والسيطرة على زمام المبادرة، ليصبح عبارة عن هيمنة زمنية  مطلقة وفرض إيقاع عملاني متسارع يتحكم برد فعل العدو، من خلال الدخول والتحكم في دروة قراره، والإخلال بتوازن وقدرة قيادته على التحكم بتوجيه وقيادة القوات والقدرات. تتزامن هذه العمليات والنشاطات مع إغراق المستشعرات وأجهزة إستطلاع ومعالجة المعلومات عند العدو بكم هائل من البيانات والمعلومات المتشابكة والمتناقضة والوهمية.
  •  الاعتماد الاستراتيجي: أي جعل دولة أومكون سياسي أو عسكري ما، يعتمد كلياً على طرف خارجي، وهذا الإسلوب يُبنى خلال سنوات، ضمن سياق مخطط له وقبل إعلان الحرب، ويتم التحضير لذلك عبر جعل الخصم معتمداً كلياً أو بدرجة عالية على قدرات وموارد خارجية نستطيع التحكم بها، مثل موارد الطاقة، سلامة سلاسل إمداده، برمجيات وأنظمة تشغيل تكنولوجية هامة، خدمات سحابية، ذكاء إصطناعي، أشباه الموصلات، نظام مالي عالمي…، ومن خلال هذه الإعتمادية يتم تهديد الخصم بقطعها أو ضربها، فيتم إخضاعه للشروط وفرض الإرادة عليه.
  • إعادة تشكيل الخصم: بعد تعذُّر شن حروب شاملة على العدو وإحتلال أرضه، تحوَّلت الأهداف من إنهاء العدو ضمن ما يسمى “إستراتيجية السحق” إلى عملية إعادة تشكيل وضبط لطبيعته وسلوكه الدوليين، فيتم إخضاعه لظروف معينة أمنية وسياسية وإقتصادية وإجتماعية، يتم من خلالها إعادة تصميم وتشكيل لتحالفاته العسكرية، وعقيدته الأمنية، وإقتصاده، وعلاقاته الخارجية، وحتى أيضاً بنيته السياسية والأيديولوجية، فتصبح أكثر مطواعية وليونة، بما يتناسب مع النظام الإقليمي أو الدولي المطلوب، لذلك نسمع حالياً مصطلحات تعبر عن هذا الإسلوب، مثل “النظام الإقليمي” و”النظام الدولي الجديد”.

لم تعد الصراعات والحروب خياراً سياسياً أو عسكرياً يتم إتخاذه بناءً على حاجات طارئة أو تحقيقاً لأهداف محددة ومباشرة، بل أصبحت مشروعاً إستراتيجياً طويل الأمد يتم بناء مقوماته والتخطيط له خلال سنوات طويلة، ويرتبط نجاح هذا المشروع بقدرة الدولة أو التحالف على استشراف التحولات السياسية والإقتصادية والتكنولوجية والايديولوجية التي تتحكم ببيئة الصراع. لم يعد العالم آمناً بما يكفي، فقد تحوَّل إلى ساحات منافسة في ميادين عديدة، فرضت إعادة النظر بالكثير من القضايا والمفاهيم السياسية والإقتصادية والأمنية، وحتى القيم الثقافية والايديولوجية، وأصبح العبء ثقيلاً جداً على صانعي القرار، فكل خطأ في الحسابات والتقدير، قد يدخل شعوبهم في دوامة من المآسي والكوارث التي لا تنتهي، فالمطلوب قراءات صحيحة للمتغيرات الدولية، وفهم عميق للنظام الدولي الجديد، ووعي إستراتيجي لبيئة الصراع ولكيفية حماية المصالح الوطنية وتحقيق أمان ورفاهية الشعوب.

لقد اثبت التاريخ العسكري المعاصر، أن الدول الأكثر نجاحاً، ليست تلك التي امتلكت أكبر الجيوش، بل التي تمتلك القدرة على التكيُّف مع أي واقع إقليمي أو دولي جديد ولو كان على شكل هزيمة، وتكون قادرة على الإبتكار والإستثمار في التحولات السياسية والإقتصادية والتكنولوجية بما يخدم مصالحها ورفاهية شعوبها. كما أن الدول التي تنجح في ابتكار أساليب جديدة للتأثير والسيطرة تكون أكثر قدرة على فرض إرادتها الاستراتيجية بأقل كلفة ممكنة، فالقدرة على التكيف السريع مع المتغيرات أصبحت تفوق في أهميتها امتلاك الموارد التقليدية وحدها.