حصلت مجموعة تطورات خلال الأسبوعين الماضيين، وعلى الرغم من أنها مجموعة أحداث منفصلة، لكنها تلتقي في العديد من النتائج وتؤسس لبداية مرحلة استراتيجية جديدة، ويمكن تلخيصها بهذا الشكل:
- على مستوى الصراع الأميركي-الإيراني: تتزايد المؤشرات داخل الإدارة الأميركية بالتسليم بأن فرص السلام مع إيران اصبحت شبه معدومة، وأن القيادة الإيرانية الحالية تلعب دورين متناقضين، وتدعي وجود إنقسام داخلي وخلافات لتبرير عدم التوصل إلى قرار حاسم بشأن المفاوضات وقبول الشروط الأميركية، وفي تقارير وزارة الدفاع، تم وصف إيران بأنها تعتمد إستراتيجية اللاحرب واللاسلم، بهدف كسب الوقت ووضع ترامب في مأزق عدم حسم الحرب لإضعافه في الإنتخابات النصفية، وذلك من خلال رفع كلفة الملاحة والتأمين في مضيق هرمز، تنفيذ عمليات متقطعة وغير منتظمة، إبقاء أسواق الطاقة في حالة قلق، لا سيما بعد التهديد بإدخال مضيق باب المندب ضمن اللعبة. في المقابل إعتمد ترامب إستراتيجية الضربات المستمرة المؤلمة لجعل الوقت عاملاً مكلفاً جداً لإيران، مع الإستعداد لشن حرب شاملة جديدة كخيار اصبح الأكثر ترجيحاً، بعد إعادة تذخير الآلة العسكرية وملء المخازن بالذخائر الإستراتيجية.
- على مستوى أوروبا: قد يقود التغيير الذي حصل في بريطانيا، وتكليف “آندي بيرنهام” بتشكيل الحكومة الجديدة، إلى تحوُّل هام في السياسة الخارجية، سيزيد من التباعد الإستراتيجي الأوروبي بين لندن من جهة والمحور الفرنسي-الألماني من جهة أخرى، فمن المرجح أن رئيس الوزراء الجديد سيدير الملفات الخارجية بطريقة مختلفة، لا سيما موضوع العلاقة مع الولايات المتحدة وتعزيز التعاون في ملفات عديدة أبرزها الحرب مع إيران، ويبدو أن بريطانيا تتجه لتقارب سياسي وإستراتيجي مع أميركا وإعادة تعزيز وإحياء بعض مرتكزات التحالف الأنغلوسكسوني، أي ما يمكن تسميته بالنواة الإنغلوسكسونية للغرب، وهي شبكة الدول الناطقة بالإنجليزية التي تتشارك إرثاً سياسياً وإستخباراتياً وعسكرياً، وتضم الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، كندا، أستراليا ونيوزيلندا، وهذه الدول تجتمع في “تحالف العيون الخمس” إضافةً إلى إعتماد ترتيبات دفاعية مثل AUKUS بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا. وهناك عدة أسباب لعودة هذا التحالف إلى الواجهة، منها: تراجع الثقة في قدرة أوروبا على قيادة الأمن الغربي، ظهور ثغرات وأخطاء في الحرب الروسية-الأوكرانية وعدم القدرة على الحسم، تحدي مواجهة الصين كخطر داهم يحتاج إلى تعاون أوسع وأشد مصداقية وفعالية، فشل عدة مشاريع صناعية عسكرية أوروبية، تباعد في الرؤى حول مستقبل الأمن في القارة العجوز، وأخيراً والأهم، سعي بريطاني لمزيد من الظهور على الساحة الدولية والإنخراط في مسألة تأمين ممرات الطاقة البحرية، فلا يجب أن ننسى أن بريطانيا هي دولة بحرية، تعتمد نظريات التفوق والحسم في البحار. وبذلك، ستتغير الأولويات ويعاد ترتيبها، ويعتقد أن مركز الثقل الغربي سيتحول من أوروبا إلى الشرق الأوسط، ضمن معادلة أمنية جديدة تقودها الولايات المتحدة، وتعيد من خلالها رسم خرائط النفوذ التي تريد المملكة المتحدة أن تكون شريكاً ولاعباً فيها. وفي الخلاصة، يزداد الإحتمال بعودة الحرب مع إيران، إضافةً إلى وجود مؤشرات إلى مشاركة أوروبية علنية أو سرية في تأمين العبور في مضيق هرمز، وتحييد قدرات إيران على إعاقة المرور واستهداف السفن هناك.

- بالنسبة للحرب الروسية-الأوكرانية، لا زال الحال كما هو، تقدم بطيء وثابت للقوات الروسية على معظم المحاور، مزيد من الإستنزاف المتبادل، لكن مع تأثير متعاظم على صناعة وتصدير الطاقة الروسية، من خلال اعتماد أوكرانيا بصورة أكبر على الضربات بعيدة المدى بالمسيرات، ما يشكل ضغطاً متزايداً على اسواق الطاقة العالمية بالتزامن مع أزمة مضيق هرمز، ويؤثر ذلك بشكلٍ كبير على الصين بالتحديد. وفي هذا الوقت يزداد الحديث الغربي عن نقص الذخائر والقدرات الصناعية مقارنة بالاحتياجات المطلوبة، والتي ستعطي أولوية للمهام في الشرق الاوسط وحسم الصراع مع إيران أو ضمان التفوق فيه. وفي الصورة الشاملة، لا يبدو أن موسكو تتأثر بشكلٍ حاسم في هذه الضربات بما يجعلها توقف تقدمها البري أو تطالب بوقف الحرب والجلوس على طاولة المفاوضات كما تتحدث القيادة الأوكرانية، وعلى الأرجح سنشهد في الايام القادمة رد فعل عنيف من موسكو، وتراجع محدود في الإنخراط الغربي في دعم أوكرانيا.

- بالنسبة لدول الخليج، يوماً بعد يوم يصبح موقفها أكثر وضوحاً وأشد تماسكاً تجاه الإستهدافات الإيرانية لأراضيها، فهذه الإستهدافات أعادت تشكيل العلاقة بين دول الخليج، مع ذلك هي لا تريد رفع مستوى التصعيد والدخول في أي مواجهة مع إيران، مع الإعتقاد بأن مستوى الصدام بين المملكة العربية السعودية والحوثيين سيرتفع في البحر الاحمر وربما في مناطق أخرى في الأيام المقبلة. تعتمد دول الخليج حالياً في ظروف التحديات الجيوسياسية الكبرى، إستراتيجية تقوم على عدة مرتكزات، أبرزها: تجنب التورط في حرب مباشرة مع إيران، تعزيز الوحدة الخليجية، تعزيز العلاقات الخارجية مع دول النفوذ وأبرزهم الولايات المتحدة، رفع القدرات العسكرية خاصة ما يتعلق بالدفاع الجوي ضد الصواريخ والمسيرات، الإبقاء على القنوات الديبلوماسية مفتوحة، ضمان أن أي إتفاق يحصل لا يهدد أو يمس مصالحها الحيوية والمصيرية، خاصة في مضيق هرمز.

- بالنسبة للملف اللبناني: شكَّلت زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية للولايات المتحدة واللقاء مع ترامب، إنطلاقة مشجعة للعلاقة بين البلدين، ومع تلقي وعود بدعم الجيش اللبناني عسكرياً والحكومة سياسياً، يبدو المسار مفتوحاً نحو مزيد من التعاون والتنسيق الأمني في المنطقة، خاصة أن هذه الزيارة تزامنت مع دخول الجيش اللبناني إلى ثلاث مناطق تجريبية وبدء مهامه فيها، مع ذلك، بقي موقف حزب الله ومن يدعمه في الداخل، معارضاً لكل هذا المسار على المستويين السياسي والأمني، وهذا يخلق تحدياً ويفرض عدم اليقين في شأن نجاح آليات تنفيذ المناطق التجريبية، وإستكمال التفاوض المباشر مع إسرائيل والتوصل إلى نتائج حاسمة. ويُعتقد أن المراحل القادمة ستشهد مزيداً من التعقيدات والصعوبات في موضوع تسلّم الجيش لمواقع الحزب وإستلام سلاحه، وهذا يضع مسألة سيادة الدولة وتنفيذ الترتيبات الأمنية في صلب النقاش الداخلي، والذي يجب أن يحصل في مجلس النواب، وفي الدوائر الحكومية والعسكرية المعنية.

وفي الصورة الأكبر والأكثر شمولاً، يبدو واضحاً أن هناك إعادة تموضع للبنان الرسمي إقليمياً ودولياً، وإعادة التموضع هذه عناوينها: إسترجاع حرية القرار الوطني، حظر السلاح خارج إطار الشرعية، منع التدخلات الخارجية، تحرير كامل الاراضي المحتلة، بناء علاقات ممتازة مع الولايات المتحدة ودول الخليج العربي. عناوين كبيرة وتحديات هائلة وسؤال حاسم يُطرح: هل يستطيع لبنان أن ينتقل من دولة تعايشت مع مراكز قوة متعددة، إلى دولة تحتكر القرارات الإستراتيجية والأمنية؟ وهل تسمح القوى الخارجية صاحبة النفوذ بذلك؟
إن هذه التطورات لا تعكس مجرد تزامن في الأزمات، بل تشير إلى انتقال النظام الأمني الدولي من مرحلة احتواء النزاعات إلى مرحلة إعادة توزيع مراكز الثقل الإستراتيجي تحت ضغط الوقت، فالتنافس لم يعد يدور حول إدارة الأزمات كما كان يحصل سابقاً، بل حول إعادة رسم خرائط النفوذ بالقوة، وتأمين سلاسل الطاقة، والسيطرة على الممرات البحرية، وتحديد القوى التي ستقود النظام الدولي في العقد القادم.






