تشكِّل المعارض العسكرية الدولية، وعلى وجه الخصوص معارض الطيران والفضاء، فرصة هامة للدول والشركات المصنعة لتبرهن عمليًا تفوقها في مجال المعركة الجوية وإدارة العمليات الجو-فضائية، واكتساب التفوق أو السيطرة على المجال الجوي في ظروف الحرب أو التوترات الجيوسياسية الطارئة أو المتوقعة، وعلى الرغم من أهمية ذلك، إلا أن هذه المعارض تؤمن أيضًا فرصًا أكثر أهمية، تتمثَّل باللقاءات والإجتماعات بين صناع القرار والمسؤولين الحكوميين والمؤثرين والنافذين في رسم وتحديد السياسات الدفاعية للدول، والتي لا يتم من خلالها فقط صرف مليارات الدولارات، بل ايضًا تقديم فرص التعاون والتنسيق وتبادل الخبرات والمعلومات والتدريب في مسائل الأمن والدفاع ومواجهة التهديدات المشتركة وحماية المصالح، والتي تعتبر حاليًا من ابرز أولويات السياسات الحكومية للدول، فخلف العرض الجوي توجد رسائل أخرى تتعلق بالصناعة الدفاعية، والقدرة العسكرية، والأسواق، والشراكات، والسياسة الخارجية. ومن هنا، لا يمكن النظر إلى معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء الذي تستضيفه مصر في مدينة العلمين من 8 إلى 10 أيلول 2026، على أنه مجرد مناسبة لعرض أحدث الطائرات والأنظمة الجوية، فهو في الحقيقة يعمل في اكثر من إتجاه في الوقت نفسه، سوقًا للسلاح، منصة لعرض القدرات، ساحة لإختبار العقائد، وأداة للديبلوماسية الدفاعية.
تشير البيانات الرسمية المصرية إلى توقع مشاركة أكثر من 250 عارضًا من 50 دولة، وأكثر من 100 طائرة، وأكثر من 50 عرضًا جويًا ونحو 12 ألف زائر، إلى جانب وفود رسمية من دول مختلفة، وبنظرة خبير في موقع دفاع العرب، لا يتعلق السؤال المهم بماذا سيُعرض في العلمين؟ بل بتحليل وفهم الرسائل التي تريد الدول والشركات إطلاقها من خلال ما تعرضه؟

إن الوظيفة الأولى لأي معرض دفاعي هي التسويق، لكن التسويق العسكري يختلف عن التسويق التجاري التقليدي، فالشركة لا تبيع منتجًا فقط؛ إنها تحاول إقناع مؤسسة عسكرية بأن منظومتها قادرة على أن تصبح جزءًا من منظومة القتال المستقبلية لدى الدولة، وهذا ما أكَّده الموقع الرسمي للمعرض، الذي يصف العلمين بأنه منصة تستهدف كبار المسؤولين الحكوميين والعسكريين، وسلطات الطيران المدني، ومسؤولي المشتريات، وممثلي الشركات، وتوفر فرصًا لاكتشاف الشراكات والاستثمار ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات، ومن هنا تصبح أجنحة الشركات بمثابة سوق استراتيجي لا يقتصر هدفه على جذب الجمهور، بل يستهدف صانع القرار والمستخدم النهائي، ولهذا فإن وجود الشركات الكبرى في العلمين لا يعني بالضرورة أنها تريد بيع طائرة في اليوم نفسه. قد يكون الهدف أبعد من ذلك، بناء علاقة مع القوات الجوية، اختبار اهتمام دولة معينة بمنظومة جديدة، البحث عن شركاء، تسويق برامج صيانة أو تدريب، فتح الباب أمام التصنيع المشترك، وأخيرًا والاهم مراقبة اتجاهات المنافسين وقدرات طائراتهم وأنظمتهم الجوية، وهنا يتحول المعرض من سوق للمنتجات إلى سوق للمعلومات أيضًًا، حيث يتم مراقبة المنافسين، تقييم إهتمام الزبائن، إستكشاف إتجاهات السوق، مراقبة التكنولوجيا الحديثة، إلتقاط الإشارات عن إحتياجات الزبائن والقوات المسلحة.
على الرغم من أن المعارض الجوية تحمل قيمة تسويقية، لكنها تحمل أيضًا قيم عقائدية وعملياتية وإستراتيجية، تتواجه فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، العقائد العسكرية وفلسفات استخدام القوة الجوية والفضائية للدول المصنعة من جهة، واحتياجات الدول الزبائن وخصوصياتها الجيوبوليتيكية والأمنية من جهة أخرى. فكل منظومة تُعرض ليست مجرد منتج تقني، وإنما هي في جانب منها انعكاس لطريقة الدولة المصنعة في تصور الحرب وإدارة المجال الجوي والفضائي؛ فاختيار المقاتلات، وطبيعة الذخائر، ومستوى الاعتماد على المسيّرات، وقدرات الاستطلاع والإنذار المبكر، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، كلها ترتبط بفلسفة عملياتية تحدد كيفية اكتساب التفوق الجوي والمحافظة عليه واستثماره في المعركة.

في المقابل، لا ينظر الزبون إلى هذه المنظومات من زاوية مواصفاتها الفنية فقط، بل يقاربها انطلاقًا من بيئته الجغرافية وتهديداته المحتملة وطبيعة مسرح عملياته وموارده وقدرته على استيعاب التكنولوجيا، فما يناسب دولة ذات عمق جغرافي واسع وتهديدات جوية بعيدة المدى، قد لا يناسب دولة محدودة المساحة تواجه تهديدات صاروخية ومسيّرات كثيفة، كما أن احتياجات دولة تركز على حماية منشآتها الحيوية تختلف عن احتياجات دولة تسعى إلى بناء قدرة إسقاط قوة خارج حدودها. لذلك، فإن المعارض الجوية هي في الحقيقة مساحة تفاعل بين العرض العملياتي للمنتج والواقع الجيوبوليتيكي للزبون، إذ تحاول الدول المصنعة إقناع الزبائن بأن منظوماتها قادرة على معالجة التحديات وتحييد المخاطر التي تواجههم، بينما تبحث الدول المشاركة عن المنظومات والتكنولوجيا التي يمكن مواءمتها مع عقيدتها وبيئتها الأمنية.
بالنسبة للدولة المضيفة مصر، فهناك بُعد يتجاوز الجانب التجاري، متمثِّل بالرسائل السياسية الموجهة إلى أكثر من طرف إقليمي ودولي. لقد أكَّدت وزارة الدفاع المصرية أن تنظيم المعرض يأتي في إطار حرص القوات المسلحة على المشاركة في تنظيم الأحداث الدولية الكبرى على الأراضي المصرية، كما تشير إلى مشاركة القوات الجوية ووزارة الطيران المدني ووكالة الفضاء المصرية وشركة مصر للطيران في الإعداد للحدث، وهذا يجعل المعرض فرصة لإظهار القدرة المؤسسية للدولة، وليس فقط القدرة الجوية للقوات المسلحة، ومصر تقدم نفسها في العلمين باعتبارها دولة تمتلك قوة جوية، وصناعات دفاعية، وبنية طيران مدني، وقدرة فضائية، وموقعًا جغرافيًا يسمح لها بأن تكون حلقة وصل ومركز إقليمي للتفاعل في الصناعات الدفاعية الجوية بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

أبرز العروض المتوقع تقديمها في المعرض ستكون لـ RAFALE من فرنسا، F-16 من اليونان، F-18 من إسبانيا، أما بالنسبة لـطائرات F-35 و SU 57، فليس هناك تأكيد على تقديمها لأية عروض جوية، وبالتالي يبقى حضورهما من أكثر العناصر التي تستحق المتابعة لما يمثله من دلالة على حضور مقاتلات الجيل الخامس في هذا الحدث.
مدارس مختلفة في إستخدام القوة الجوية ستشارك في معرض العلمين، ومن خلال هذه الفرصة، لن تكون مشاركة “دفاع العرب” في العلمين مجرد حضور إعلامي لتغطية الحدث، بل لقراءة ما وراء المشهد، ماذا تقدم الطائرة للعقيدة؟ وكيف تستجيب المنظومة للتهديد؟ وماذا تكشف إهتمامات الدول والزبائن من خفايا في نقاط الضعف والقوة عند الجيوش. في العلمين لن نكتفي برصد ما يحلق في السماء، بل سنقرأ ونحلل كل ما يقدم فيها من رسائل عسكرية وسياسية، وسنحاول تحليل وإستكشاف أي عقيدة عسكرية وفلسفة عملياتية ستفرض نفسها في حروب المستقبل.


