وقّع المغرب عقدًا مع شركة «راينميتال موبيل سيستيمه»، الذراع المتخصصة في الأنظمة الطبية المتنقلة التابعة لمجموعة «راينميتال» الألمانية، للحصول على 7 مستشفيات ميدانية فائقة الحركة، في خطوة تُعيد رسم قدرات المملكة على الرعاية الطبية العسكرية والاستجابة السريعة للكوارث في آنٍ واحد. وأعلنت الشركة الصفقة في 3 يوليو/ تموز 2026، بعد توقيع العقد فعليًا في يونيو/ حزيران من العام نفسه، على أن تنطلق عمليات التسليم بين عامي 2027 و2028. ولم تُفصح «راينميتال» عن القيمة الدقيقة للعقد، مكتفيةً بوصفها بأنها تقع «في نطاق عشرات الملايين من اليورو».
ووفق التوزيع المُعلن، خُصص مستشفى واحد فقط من أصل السبعة لوزارة الدفاع المغربية، بينما ستذهب المستشفيات الستة الباقية إلى وزارة الداخلية، وهو ما يكشف بوضوح أن الرباط لا تنظر إلى هذه المنظومات كأداة قتالية بحتة، بل كذراع مزدوجة الاستخدام تخدم ساحة المعركة وميدان الكوارث الطبيعية على حدٍّ سواء.
إرث ميداني من ساحة القتال الأوكرانية
تؤكد «راينميتال» أن الأنظمة الموجهة للمغرب مبنية على حلول طبية طُوّرت أصلًا للقوات الأوكرانية، وخضعت لاختبار ميداني فعلي تحت النيران، وهو مرجع تقني نادرًا ما يتوفر لأي منظومة طبية عسكرية أخرى في العالم. فقد فرضت الحرب في أوكرانيا على الوحدات الطبية العمل وسط قصف المدفعية وهجمات المسيّرات وانهيار البنية التحتية، بعيدًا كل البعد عن بيئة المؤخرة الآمنة التقليدية التي صُممت لها معظم المستشفيات الميدانية الكلاسيكية. والمنظومة المغربية محمولة على شاحنات عند النشر، وقابلة للتوسّع بخيام عسكرية لأداء وظائف إضافية، ما يحافظ على سرعة التنقل دون التضحية بمساحة العمل اللازمة للفرز الطبي وإيواء المصابين.
قلب المستشفى: غرفة العمليات والعناية المركزة والتعقيم
يتمحور كل مستشفى حول مجمع جراحي متكامل يضم غرفة عمليات حديثة ووحدة عناية مركزة ومرافق تعقيم، جميعها داخل حاويات قابلة للتمدد. وتحيط بهذا المحور وحدات لإيواء المرضى والأشعة السينية والصيدلية والمختبر وطب العيون والأسنان والأنف والأذن والحنجرة، إضافة إلى جهاز أشعة مقطعية (CT)، وهو تفصيل يرفع مستوى المنشأة إلى ما هو أبعد بكثير من نقطة إسعاف أولي أو محطة إخلاء بسيطة.
ويحمل جهاز الأشعة المقطعية أهمية حاسمة في سياق الإصابات القتالية، إذ يسمح بتشخيص إصابات الرأس والنزيف الداخلي وكسور العمود الفقري المعقّدة قبل أي تدخل جراحي أو قرار إخلاء. أما وحدة التعقيم فليست تفصيلًا هامشيًا؛ فمن دونها تصبح العمليات الجراحية المتكررة رهينة سلاسل إمداد خارجية معرّضة للانقطاع في أي عملية عسكرية متناثرة الجغرافيا.
كتالوج «راينميتال»: من 50 إلى 200 سرير
يكشف الكتالوج الأوسع لمستشفيات «راينميتال» المتنقلة عن منطق التدرّج الذي تعتمده الشركة عادة، إذ تُقدَّم أحجام قياسية بسعة 50 و100 و200 سرير، يُخصَّص كل منها بحسب طبيعة المهمة. ويعتمد التصميم على حاويات «زيبلين» (ZEPPELIN-Shelter)، إما بصيغتها الثابتة أو بصيغ قابلة للتمدد بنسب 2:1 و3:1، لتغطية مستويات علاجية تعادل «الفئة الثانية الأساسية» و«الفئة الثانية المعززة» في التصنيف الطبي العسكري للناتو. وتشمل الأنظمة المتكاملة تجهيزات مساندة للكهرباء والمياه والصرف الصحي والإعاشة، وهي تفاصيل تبدو تقنية لكنها في الواقع تحدد وحدها ما إذا كان المستشفى قابلًا للعمل فعليًا في منطقة كارثة أو مؤخرة متنازع عليها منقطعة عن الشبكات المحلية.
النموذج الأوكراني: تسعة ملايين يورو ودرسٌ في اللوجستيات
يبقى أقرب مرجع علني لتقييم حجم الصفقة المغربية هو المستشفى الذي سلّمته «راينميتال» لأوكرانيا في سبتمبر/ أيلول 2023، بعقد مع وزارة الدفاع الألمانية بقيمة نحو تسعة ملايين يورو. ضمّ ذلك المستشفى 32 سريرًا، من بينها ثمانية أسرّة عناية مركزة، وغرفة عمليات واحدة مزوّدة بوحدة تعقيم، وأجهزة أشعة سينية ومقطعية، ومختبرًا وصيدلية. وبحسب ما أعلنته الشركة، نُقلت الحاويات العشرون عبر عشر مجموعات شاحنة ومقطورة، مع توليد مستقل للطاقة وإنتاج للغازات الطبية ومعالجة ذاتية للمياه، إضافة إلى نظام تعليق نابضي يحمي جهاز الأشعة المقطعية الحساس أثناء النقل. وتكشف هذه التفاصيل عن الحجم الحقيقي للبصمة اللوجستية التي يستلزمها مستشفى واحد فقط من الفئة الثانية، فما بالك بسبعة مستشفيات دفعة واحدة.
بُعد أمني داخلي لا يقل أهمية عن البُعد العسكري
تحمل الصفقة منطقًا مرتبطًا بالأمن الداخلي بقدر ارتباطها بالجاهزية القتالية؛ فقد استخدم المغرب مستشفيات جراحية ميدانية إثر زلزال الحوز المدمّر في سبتمبر/ أيلول 2023، كما أرسلت الرباط 40 طنًا من المساعدات الطبية إلى غزة في يونيو/ حزيران 2024. وتفسّر هذه السوابق توجيه ست مستشفيات من أصل سبع إلى وزارة الداخلية تحديدًا، إذ يمكن للمعدات ذاتها التي تخدم الجرحى العسكريين أن تتحول بسرعة إلى أصل إنساني قابل للانتشار عند وقوع كارثة طبيعية أو أزمة إقليمية.
نمط أوروبي متصاعد
يأتي الطلب المغربي بعد أشهر فقط من عقد دنماركي مماثل أُعلن في فبراير/ شباط 2026 لخمسة مستشفيات من الفئة الثانية (ثلاثة أساسية واثنان معززان)، ما يكشف عن طلب أوروبي وشراكاتي متنامٍ على منشآت علاجية متنقلة قادرة على مرافقة الوحدات العسكرية وتحمّل النقل المتكرر. وفي المحصلة، يحصل المغرب على شبكة طبية متنقلة ذات فائدة مزدوجة، عسكرية ومدنية، تضعه في مصاف الدول القليلة التي تمتلك قدرة استجابة طبية سريعة مُختبرة في ساحة حرب فعلية.






