تحديث الذراع البرية للثالوث النووي الأمريكي… بدء أولى أعمال البناء الميداني لمنظومة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات “سنتينل”

بدأت القوات الجوية الأمريكية المرحلة الأولى من أعمال البناء الميداني لبرنامج الصاروخ الباليستي العابر للقارات LGM-35A Sentinel، بعد أن أعلنت القيادة الاستراتيجية الأمريكية (STRATCOM) في 22 يوليو/ تموز 2026 عن انطلاق أعمال حفر الممر التقني بالقرب من مدينة كيمبال بولاية نبراسكا. وتُمثّل هذه الخطوة أول انتشار فعلي لبنية تحتية تخص القوة النووية الأمريكية من الجيل الجديد، في إطار تحديث الذراع البرية للثالوث النووي الأمريكي، وتعزيز مصداقية الردع الاستراتيجي على المدى الطويل.

سيوفر الممر التقني الجوفي شبكة الاتصالات الآمنة اللازمة لتشغيل منظومة صواريخ “سنتينل”، لتحل محل البنية التحتية القديمة لصواريخ “مينتمان 3” (Minuteman III) التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة. ويمثّل المشروع، إلى جانب كونه إنجازًا هندسيًا، انتقالًا فعليًا من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الميداني، بما يعزز مرونة القوات النووية الاستراتيجية الأمريكية وقدرتها على الصمود واستعدادها المستقبلي.

حفل “المجرفة الذهبية”.. انطلاقة رمزية لمشروع استراتيجي

أُقيم حفل “المجرفة الذهبية” الرمزي في 24 يونيو/ حزيران 2026، بحضور كبار القادة من قيادة الضربة الجوية العالمية (AFGSC)، ومركز الأسلحة النووية التابع لسلاح الجو (AFNWC)، والجناح 90 للصواريخ في قاعدة “إف. إي وارن” الجوية  (F.E. Warren Air Force Base)، إلى جانب فرقة عمل “سنتينل 10”. وبحسب سلاح الجو الأمريكي، يمثّل هذا المشروع أول نشاط بنائي يدعم مباشرة البنية التشغيلية لمنظومة “سنتينل”، ويؤكد دخول البرنامج مرحلة جديدة تتجاوز التصميم الهندسي والتخطيط.

وخلافًا لمراكز التحكم بالإطلاق، يركّز مشروع الممر التقني على إنشاء العمود الفقري الجوفي للاتصالات الذي سيربط منظومة الصواريخ المستقبلية. وستستوعب هذه الممرات كابلات الألياف الضوئية التي تربط منشآت الإطلاق ومراكز التحكم وأنظمة الأمن ومواقع الصيانة وعُقد القيادة والسيطرة عبر حقول الصواريخ، لتُشكّل شبكة رقمية مرنة قادرة على دعم متطلبات القيادة والسيطرة والاتصالات النووية الحديثة (NC3).

وأوضح بيتر ستورديفانت، مدير البنية التحتية للصواريخ الباليستية العابرة للقارات في مركز الأسلحة النووية بسلاح الجو الأمريكي، أنه سيتم تركيب أكثر من 20 ميلًا من الممرات التقنية هذا الصيف كمشروع إثبات مفهوم أولي. وسيقوم المهندسون بتقييم ثلاث تقنيات تنفيذ مختلفة، هي الحفر الاتجاهي، والحرث الاهتزازي vibratory plowing، والحفر التقليدي المكشوف، لتحديد الأسلوب الأكثر كفاءة مع تقليل الأضرار على الأراضي الزراعية الخاصة.

ويهدف هذا البرنامج التجريبي إلى التحقق من الحلول الهندسية قبل توسيع أعمال البناء في مناطق نشر “سنتينل” الأخرى. ومن خلال تقليل الاضطرابات السطحية عبر تقنيات التركيب الجوفي الحديثة، يسعى سلاح الجو إلى تسريع تطوير البنية التحتية مع الحد من التأثير على المجتمعات المحلية والحفاظ على التعاون مع أصحاب الأراضي في مناطق حقول الصواريخ.

قادة عسكريون بارزون يشهدون الانطلاقة

ضم الحفل عددًا من كبار الضباط، من بينهم العقيد ريتشارد موريسون، نائب مدير مديرية A10 التابعة لقيادة الضربة الجوية العالمية؛ والعقيد كريستوفر لاكوتر، المساعد التعبوي الفردي لقائد القوة الجوية العشرين؛ والعقيد كيفن براون، قائد مجموعة الدعم البعثي 90؛ وستيف كرافيتسكي، مدير فرقة عمل “سنتينل 10” والقائد السابق للجناح 90 للصواريخ. ووصف كرافيتسكي الحدث بأنه تتويج لسنوات من التصميم الهندسي والتنسيق بين الجهات الحكومية والشركاء الصناعيين قبل بدء أعمال البناء.

“سنتينل”.. بديل شامل لمنظومة “مينتمان 3”

طوّرت شركة “نورثروب غرومان” (Northrop Grumman) صاروخ LGM-35A Sentinel ليحل محل صاروخ LGM-30G Minuteman III الذي يشكّل الردع النووي البري الأمريكي منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي. وانطلق البرنامج في الأصل تحت مسمى “الردع الاستراتيجي القائم على الأرض” (GBSD)، إلا أن “سنتينل” يمثّل استبدالًا شاملًا لمنظومة السلاح بأكملها وليس مجرد صاروخ جديد. فإلى جانب الصاروخ نفسه، يشمل البرنامج منشآت إطلاق جديدة، ومراكز تحكم بالإطلاق، وبنية تحتية للاتصالات، وأنظمة أمنية، وشبكات لوجستية، وهندسة قيادة وسيطرة رقمية مصممة لدعم العمليات الاستراتيجية لعقود مقبلة. وتتوقع القوات الجوية الأمريكية بلوغ القدرة التشغيلية الأولية في مطلع ثلاثينيات القرن الحالي.

وتحتفظ الولايات المتحدة حاليًا بـ400 صاروخ باليستي عابر للقارات من طراز “مينتمان 3” منتشرة عبر 450 منشأة إطلاق محصّنة، يشغّلها الجناح 90 للصواريخ في قاعدة “إف. إي وارن” الجوية بولاية وايومنغ، والجناح 341 للصواريخ في قاعدة مالمستروم الجوية بولاية مونتانا، والجناح 91 للصواريخ في قاعدة مينوت الجوية بولاية داكوتا الشمالية. وتشكّل هذه القوة الذراع البرية للثالوث النووي الأمريكي، إلى جانب الغواصات الباليستية التابعة للبحرية وأسطول القاذفات الاستراتيجية التابع لسلاح الجو. وقد أكد الكونغرس هذا الهيكل التنظيمي في قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026، إذ اشترط على سلاح الجو الحفاظ على ما لا يقل عن 400 صاروخ عابر للقارات جاهز للتشغيل موزعة على 450 منشأة إطلاق على الأقل طوال فترة الانتقال إلى منظومة “سنتينل”.

وعلى الرغم من أن صواريخ “مينتمان 3” لا تزال سلاحًا استراتيجيًا فعّالًا بعد عقود من التحديثات المتعاقبة، فإن جزءًا كبيرًا من البنية التحتية الداعمة لها يعود إلى حقبة الحرب الباردة. وتُعد أنظمة الاتصالات المتقادمة والإلكترونيات القديمة وتكاليف الصيانة المتصاعدة من أبرز الدوافع وراء قرار استبدال المنظومة بأكملها بدلًا من الاستمرار في التحديثات التدريجية. لذلك، لا يمثّل “سنتينل” مجرد صاروخ جديد، بل تحديثًا شاملًا للمنظومة التشغيلية الداعمة للردع النووي البري الأمريكي.

شبكة الألياف الضوئية.. ركيزة الردع الرقمي المستقبلي

من الناحية التقنية، قد يكون مشروع الممر التقني على القدر نفسه من الأهمية التي يحملها الصاروخ ذاته. فالردع الاستراتيجي الحديث يعتمد بشكل متزايد على اتصالات رقمية مرنة قادرة على الصمود أمام الهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية والاضطرابات المادية. وستوفر شبكة الألياف الضوئية المُركّبة تحت حقول الصواريخ اتصالات آمنة وعالية النطاق الترددي تربط منشآت الإطلاق بجهات القيادة عبر مسارات محصّنة ومتكررة. ومقارنة بالبنية التحتية النحاسية القديمة، توفر أنظمة الألياف الضوئية سعة بيانات أكبر بكثير، ومقاومة معززة للتداخل الكهرومغناطيسي، وأمنًا سيبرانيًا محسّنًا، ومتطلبات صيانة أقل، ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في هندسة القيادة والسيطرة والاتصالات النووية من الجيل الجديد.

كما تعكس هذه البنية الرقمية الموزعة التحول في طبيعة الحرب الاستراتيجية؛ إذ صُمم “سنتينل” كمنظومة سلاح متكاملة رقميًا قادرة على دعم تبادل البيانات السريع، وتحسين الوعي الظرفي، والصيانة التنبؤية، والتحديثات البرمجية المستقبلية طوال دورة حياتها التشغيلية، بدلًا من الاعتماد على منشآت إطلاق معزولة مرتبطة بشبكات قديمة. ويعزز هذا النهج المرونة التشغيلية، مع توفير مرونة أكبر لدمج تقنيات القيادة والسيطرة المتطورة دون الحاجة إلى إعادة بناء حقول الصواريخ بشكل موسّع.

خطوة أولى نحو إعادة بناء المنظومة النووية الأمريكية بالكامل

يمثّل حفل بدء أعمال الحفر في غرب نبراسكا أكثر بكثير من مجرد انطلاق مشروع هندسي مدني؛ إذ يُعد الخطوة الأولى الظاهرة لإعادة بناء البنية التحتية الرقمية التي ترتكز عليها إحدى أهم قوى الردع النووي في العالم. ومع اكتمال ممرات تقنية إضافية ومنشآت إطلاق ومراكز قيادة وبنية تحتية داعمة أخرى خلال العقد المقبل، سيحل برنامج “سنتينل” تدريجيًا محل كل عنصر رئيسي من منظومة “مينتمان 3” المتقادمة، بما يضمن بقاء الذراع البرية للثالوث النووي الأمريكي ذات مصداقية وقدرة على الصمود ومواكبة للتطور التقني في مواجهة تهديدات استراتيجية متزايدة التعقيد.