بدأت صور متداولة على الإنترنت منذ بداية يونيو/حزيران 2026 تكشف عن مقاتلات “سو-57” الروسية بتشكيلات تسليح خارجية غير مألوفة، في مؤشر قد يعكس تحولًا جوهريًا في طريقة استخدام موسكو لمقاتلتها من الجيل الخامس. فالطائرة التي ارتبط اسمها تاريخيًا بحمل الأسلحة داخليًا وبمهام الضرب الشبحي منخفض الرصد، ظهرت هذه المرة مزوّدة بمحطات تسليح خارجية، تشمل حوامل وقاذفات من طراز «آكو-إيه إس بي» (AKU-ASP) لصواريخ عائلتي “آر-73/آر-74″ و”آر-77”. وإذا ثبتت صحة هذه التشكيلة، فإنها تشير إلى تطور كبير في دور “الفيلون”: من منصة ضرب وسيادة جوية شبحية، إلى أصل مرن للدفاع الجوي المضاد يهدف إلى حماية المجال الجوي الروسي من المسيّرات والصواريخ الجوالة والتهديدات الجوية الأخرى.
وتشمل التشكيلة المرصودة، وفق التحليل البصري للصور، خليطًا من صواريخ “آر-73/آر-74” قصيرة المدى وصواريخ عائلة “آر-77” متوسطة المدى، إضافة إلى ما يُحتمل أنه نصّابة استهداف من طراز «101 كي إس-إن» (101KS-N) مثبتة أسفل فتحة المحرك اليسرى. ولم تؤكد وزارة الدفاع الروسية هذه الصور رسميًا حتى الآن، ما يجعلها في خانة المعلومات مفتوحة المصدر غير المُثبتة رسميًا.

صُممت “سو-57” أصلًا حول فلسفة الحمل الداخلي للأسلحة، معتمدة على تشكيل هيكلي منخفض الرصد وحجرات تسليح داخلية ومنظومات استشعار متطورة لتقليص المقطع الراداري خلال مهام السيادة الجوية والضرب. وتصف شركة “روسوبورونكسبورت” الروسية، المسؤولة عن التصدير العسكري، نسخة التصدير “سو-57 إي” بأنها مقاتلة متعددة المهام من الجيل الخامس، مصممة لاستهداف الأهداف الجوية والبرية والسطحية، بحمولة قتالية قصوى تبلغ 7500 كيلوغرام ونطاق قتالي يصل إلى 1250 كيلومترًا وفق ما تؤكده الشركة المُصنّعة. بينما تشير الصور الجديدة إلى منطق تشغيلي مختلف تمامًا: “فيلون” لا يعمل كمنصة اختراق شبحية عميقة، بل كأصل دفاعي جوي مضاد مسلّح بكثافة، يعمل داخل المجال الجوي الخاضع لسيطرة روسيا.
تُظهر الصورة الجوية الأولى المتداولة أربع حوامل خارجية من طراز «آكو-إيه إس بي»، اثنتان تحت الجناحين واثنتان أسفل فتحتي سحب الهواء، دون صواريخ أو نصّابات ظاهرة، وهو ما قد يشير إلى حالة نقل أو تجربة أو عودة من مهمة. أما الصورة الجوية الثانية، فتُظهر ست حوامل خارجية، مع صواريخ جو-جو ظاهرة تحت الجناحين تشمل صواريخ “آر-73/آر-74” قصيرة المدى وصواريخ عائلة “آر-77” متوسطة المدى، المعروفة في تصنيف حلف شمال الأطلسي باسم “إيه إيه-12 أدر” (AA-12 Adder)، والتي تُعد العمود الفقري لصواريخ روسيا الجو-جو العاملة بالرادار النشط والقادرة على تجاوز مدى الرؤية البصرية. وتصف الشركة المصنعة نسخة التصدير “آر في في-إس دي” بأنها صاروخ متوسط المدى من طراز “أطلق وانسَ” قادر على الاشتباك مع أهداف جوية عند مدى يصل إلى 110 كيلومترات في بيئة تشويش إلكتروني كثيفة، مستخدمًا التوجيه القصوري مع تصحيح لاسلكي قبل الانتقال إلى التوجيه الراداري النشط في المرحلة الأخيرة من الطلعة.
وتضيف الصورة الأرضية طبقة أخرى من الأهمية، حيث تُظهر حاملين من طراز «آكو-إيه إس بي» يحملان صواريخ “آر-73″، إلى جانب نصّابة استهداف من طراز «101 كي إس-إن» مثبتة أسفل فتحة المحرك اليسرى. وهذا الدمج بين صواريخ قصيرة المدى ونصّابة استهداف يشير إلى مهمة مصممة خصيصًا لصيد المسيّرات واعتراض الصواريخ الجوالة والسيطرة الدفاعية على المجال الجوي. وصواريخ “آر-73/آر-74″، المعروفة في تصنيف الناتو باسم “إيه إيه-11 آرتشر” (AA-11 Archer)، مصممة للاشتباك ضمن مدى الرؤية البصرية، وتصف الشركة المصنعة نسخة “آر-73 إي” بأنها صاروخ سلبي بالأشعة تحت الحمراء يعمل من جميع الجهات، مزود بتحكم بدفع الطاقة الموجَّه ومدى إطلاق أقصى يبلغ 30 كيلومترًا، مع قدرة اشتباك خارج محور التصويب تصل إلى 45 درجة. وهذه الخصائص تجعله مناسبًا لمواجهة المسيّرات المنخفضة الارتفاع والصواريخ الجوالة والمروحيات إضافة إلى قتال المطاردة الجوية التقليدي.
وتُعزز أهمية وجود صواريخ “آر-73/آر-74″ فرضية أن الدور الجديد لـ”فيلون” يتمحور حول صيد المسيّرات واعتراض الصواريخ الجوالة، إذ إن مواجهة أهداف بطيئة ومنخفضة الارتفاع وضعيفة الإشارة الرادارية تجعل عوامل الكشف والتحديد وسرعة الرد وتوافر الصواريخ أكثر أهمية من التخفي نفسه. ويمكن لطائرة “سو-57” العاملة داخل المجال الجوي الروسي أن تُوجَّه عبر شبكات الرادار الأرضي ومنظومات قيادة الدفاع الجوي، ثم تستخدم رادارها المصفوفي النشط “إن-036” ومجموعتها الكهروضوئية “101 كي إس” وقدرات البحث والتتبع بالأشعة تحت الحمراء إلى جانب النصّابة المحمولة، لإكمال حلقة الاستشعار والإطلاق.
وتُعد قضية قاذفات «آكو-إيه إس بي» محورية في هذه التشكيلة، فقبل موجة التحديث التي بدأت في أوائل 2026، ارتبطت “سو-57” باستخدام أربع قاذفات من هذا الطراز، غالبًا لدمج صواريخ متوسطة المدى من فئة “آر-77 إم”. وإذا صحّت التقديرات القائلة بأن الطائرة قادرة على حمل ما يصل إلى ست صواريخ من فئة “آر-77 إم” داخليًا، فإن إضافة أربعة صواريخ خارجية تتجاوز مدى الرؤية البصرية قد ترفع نظريًا حمولتها الجوية الإجمالية إلى نحو عشرة صواريخ متوسطة المدى. وبصرف النظر عن الرقم الدقيق، الذي يتوقف على نوع الصاروخ وتوزيع الحجرات، فإن المنطق التكتيكي واضح: مزيد من الصواريخ في كل طلعة يعني كثافة نارية أعلى وقدرة استمرار أطول خلال مهام الدفاع الجوي المضاد.
وتنطوي هذه التشكيلة على مفاضلة تكتيكية واضحة، فالحمل الداخلي يحافظ على التخفي الراداري ويقلل من مقاومة الهواء، ويدعم اختراق منظومات الدفاع الجوي المتكاملة على النمط الغربي، في حين يزيد الحمل الخارجي من المقطع الراداري ويقلص ميزة التخفي، لكنه في المقابل يرفع من عمق الذخيرة المتاحة. وهذا يعني نموذج مهمة مختلفًا تمامًا: ليس “الضارب الشبحي الصامت” في الليلة الأولى من أي نزاع، بل مقاطعًا جويًا عالي القدرة، يعمل خلف خطوط الدفاع الروسية تحت غطاء منظومات “إس-400” وأنظمة “بانتسير” وعقد القيادة والتحكم الجوية.
وعلى المستوى الجيوستراتيجي، تعكس هذه التشكيلة الضغط المتزايد على البنية الدفاعية الجوية الروسية، إذ اضطرت المسيّرات والصواريخ الجوالة الأوكرانية طويلة المدى موسكو إلى الدفاع عن مساحة خلفية واسعة، تشمل القواعد الجوية والبنية التحتية للطاقة ومواقع القيادة والمنشآت الصناعية الدفاعية. ويشير ظهور “سو-57” بصواريخ قصيرة المدى ونصّابة استهداف إلى أن القوات الجوية الفضائية الروسية قد تكيّف أصولها الشحيحة من الجيل الخامس لخدمة الدفاع الجوي المضاد الداخلي، لا لمهام الضرب الاستعراضية وحدها، في ما يعكس اتجاهًا عالميًا أوسع تُستخدم فيه المقاتلات المتقدمة، بما فيها الطرازات الغربية من الجيل الخامس، لمواجهة تهديدات جوية منخفضة الكلفة عندما يصل تأثيرها إلى مستوى مزعزع استراتيجيًا.
ويمكن لهذه التشكيلة أن تُغيّر معادلة المعركة الجوية عبر توسيع منظومة الدفاع الجوي الروسي الطبقية من شبكة أرضية بحتة إلى درع جوي أكثر حركية وغنى استشعاريًا. فـ”فيلون” المحمّل بصواريخ خارجية من فئة “آر-77 إم” يمكن أن يوسّع مناطق الاشتباك خارج مدى الرؤية البصرية، بينما تُوفر صواريخ “آر-73/آر-74” ردودًا سريعة ضمن مدى الرؤية البصرية ضد المسيّرات والصواريخ الجوالة والمروحيات أو أي محاولة اختراق منخفض الارتفاع. وتبقى معادلة الكلفة والفعالية مثار جدل، فاستخدام مقاتلة “سو-57” وصواريخها المتطورة ضد المسيّرات مكلف اقتصاديًا، لكن المنطق العسكري لا يقوم على الحساب الاقتصادي فقط، بل على حماية العمق الاستراتيجي والحفاظ على الأصول عالية القيمة ومنع كييف من فرض حالة ضعف مستمر على المجال الجوي الخلفي لروسيا.
وتشير التشكيلات الجديدة الخارجية لـ”سو-57″ إلى تطور مهم في عقيدة القوة الجوية الروسية، إذ لم تعد “فيلون” تُقدَّم كمقاتلة ضرب شبحية فقط، بل كمنصة دفاع جوي مرنة قادرة على التضحية بجزء من التخفي مقابل سعة نارية أكبر ومدى استشعاري أوسع وسرعة اعتراض أعلى. وسواء كانت هذه الصور تُظهر عودة من مهمة قتالية، أو تجارب، أو تشكيلة تشغيلية قيد التطوير، فإن الرسالة واضحة: روسيا تُكيّف “سو-57” مع واقع حرب المسيّرات وتهديد الصواريخ الجوالة والدفاع عن المجال الجوي الداخلي. وقد يتحدد مستقبل دور “الفيلون” مستقبلًا بقدرته على سد الثغرات في درع روسيا الجوي المتصاعد الضغط، أكثر من كونه مرتبطًا بالتخفي وحده.






