أشعلت شركة فرنسية ناشئة محركها الصاروخي 21 مرة متتالية، وخرجت الأجهزة من الاختبار في حالة تسمح بإعادة استخدامها من جديد. هذا المزيج، بين الإشعال المتكرر وإثبات إمكانية إعادة الاستخدام، هو بالضبط ما تحتاج أي شركة ناشئة صغيرة في مجال الفضاء إلى إثباته قبل أن يُسمح لطائرتها المسيّرة فرط الصوتية بالاقتراب من اختبارات الطيران الحقيقية، وهو ما أكدته هذا الأسبوع وكالة التسليح الفرنسية الرسمية بنفسها.
أعلنت المديرية العامة للتسلح الفرنسية (DGA)، الوكالة الحكومية المسؤولة عن تطوير واختبار وشراء المعدات العسكرية للقوات المسلحة الفرنسية، أن الشركة الناشئة “أندروماك” (AndroMach) أنهت حملة اختبارات ضمت نحو عشرين عملية إشعال لمحركها على منصة اختبار مخصصة.
جرت التجارب في مركز “دي جي إيه إسيه دو ميسيل” (DGAEM)، وهو منشأة اختبار حكومية متخصصة تقع في إقليم جيروند بجنوب غرب فرنسا، وتتولى تقييم أنظمة الدفع الخاصة بالصواريخ والقذائف في ظروف محكومة وعالية الخطورة، قبل السماح بالانتقال إلى مراحل تطوير أكثر تقدمًا.
المحرك محل التقييم يشغّل طائرة “إنفول” (Envol)، وهي طائرة مسيّرة فرط صوتية دون مدارية تعمل عليها “أندروماك” حاليًا. والمركبة دون المدارية هي تلك التي تصل إلى حافة الفضاء وترتفع فوق ارتفاعات الطيران التقليدية، لكنها لا تحقق السرعة أو المسار اللازمين للدخول في مدار مستقر حول الأرض، بل تتبع مسارًا قوسيًا يعيدها إلى الأرض من جديد. أما مصطلح “فرط الصوتي” فيشير عمومًا إلى سرعات تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت (ماخ 5)، وهي عتبة تفرض إجهادًا حراريًا وهيكليًا قاسيًا على أي مركبة تحاول الحفاظ عليها. وبناء محرك قادر على تحمّل إشعال متكرر في ظل هذه الظروف، ثم إعادة استخدامه لاحقًا، يُعد من أصعب التحديات الهندسية في عالم الدفع الصاروخي الحديث.
وبحسب المديرية العامة للتسلح، نُفذت الحملة بالشراكة مع المركز الوطني للدراسات الفضائية (CNES)، الوكالة الفضائية الفرنسية، التي قدّمت خبرتها المؤسسية في اختبارات الدفع وأنظمة الطيران الفضائي للمشروع. وكان الهدف المعلن من التجارب هو رصد سلوك محرك “إنفول” أثناء الإقلاع، وهي لحظة تنطوي على إجهاد ميكانيكي وحراري بالغ الشدة لأي محرك صاروخي، إضافة إلى تحديد الظروف التشغيلية المثلى للنظام مستقبلًا.
والنتائج التي كشفت عنها المديرية العامة للتسلح محددة ولافتة بالنسبة لشركة بهذا الحجم؛ إذ حقق محرك “أندروماك” 21 عملية إشعال ناجحة خلال الحملة، وتراكم لديه 7 دقائق من إجمالي زمن الاحتراق، كما أثبت أن محرك الطائرة المسيّرة يمكن إعادة استخدامه بدلًا من التخلص منه بعد إشعال واحد، وهي قدرة تُغيّر جذريًا معادلة التكلفة بالنسبة لأي جهة تأمل في إجراء اختبارات طيران متكررة بدلًا من التعامل مع كل محرك كقطعة تُستهلك مرة واحدة.

وأوضحت المديرية العامة للتسلح أن دعمها لـ”أندروماك” لم يقتصر على توفير المنشأة فقط؛ فقد أسهم مهندسون وخبراء تقنيون وفنيو اختبار من مركز DGAEM بخبرتهم الهندسية طوال الحملة، إلى جانب تقديم دعم تشغيلي شمل إعداد التجارب، والتحقق من سير كل اختبار بالشكل الصحيح، وإدارة المخاطر الأمنية الملازمة لإشعال محرك من هذا النوع. فاختبار المحركات الصاروخية، حتى على مستوى منصة الاختبار، ينطوي على التعامل مع دفعات محرقة متطايرة وإدارة سيناريوهات فشل قد تكون مدمرة أو خطيرة في حال سوء الإدارة، وهو ما يفسر أهمية الوصول إلى منشأة حكومية تتبع بروتوكولات سلامة متخصصة بالنسبة لشركة ناشئة تعمل على تقنية لم تُثبت بعد.
وبمجرد دخولها الخدمة، ستؤدي “الطائرة الصاروخية” التابعة لـ”أندروماك” أدوارًا تتجاوز مجرد إثبات تقنية الدفع الخاصة بها؛ فقد ذكرت المديرية العامة للتسلح أن المركبة ستكون قادرة على إجراء تجارب في بيئة الجاذبية الصغرى، ما يتيح للباحثين اختبار سلوك المواد والسوائل أو العينات البيولوجية في ظروف شبه انعدام الوزن أثناء مسارها دون المداري. كما ستُستخدم لاختبار تقنيات أخرى في ظروف طيران حقيقية بدلًا من المختبر، ولتكون بمثابة هدف قادر على تنفيذ مسارات معقدة لتقييم فعالية أنظمة الرصد والاعتراض المدنية أو العسكرية، وهو دور له أهمية مباشرة لكل من يعمل على تطوير أنظمة رادار أو تتبع أو دفاع صاروخي تحتاج إلى اختبارها ضد أهداف صعبة بحق.

ولم يقدّم إعلان المديرية العامة للتسلح جدولًا زمنيًا للمرحلة المقبلة، تاركًا السؤال الأكثر أهمية، وهو ما إذا كان هذا المحرك سيغادر يومًا منصة الاختبار ليحلّق في السماء، دون إجابة حتى الآن.






