نظّمت فرنسا يوم الثلاثاء 14 يوليو/ تموز 2026 أضخم عرض عسكري في تاريخ عيدها الوطني، في مناسبة حملت بصمة سياسية واضحة تمثّلت في حضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كضيف شرف، في وقت يتسارع فيه التسلح الأوروبي في مواجهة الحرب الروسية على أوكرانيا. وشكّل هذا العرض، الذي أشرف عليه الرئيس إيمانويل ماكرون للمرة الأخيرة قبل مغادرته السلطة عام 2027 بعد ولايتين متتاليتين، محطة رمزية أراد من خلالها الإليزيه إرسال رسالة مزدوجة إلى كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب مفادها أن أوروبا موحّدة وقادرة على الدفاع عن نفسها.
وبحسب ما أعلنه حاكم باريس العسكري، شارك في العرض هذا العام نحو 7,600 عنصر عسكري مقارنة بـ 5,810 عناصر في عام 2025، في رقم قياسي جديد لعدد المشاركين. كما أوردت تقارير صحافية غربية أرقاماً تكميلية تفيد بمشاركة نحو 6,700 عنصر، و98 طائرة، و31 مروحية، و315 آلية عسكرية، ساروا في المسار التقليدي الممتد بين قوس النصر وساحة الكونكورد. وضمّ الحشد نحو 500 جندي من قوات ما يُعرف بـ«تحالف الراغبين»، وهو تجمّع يضم بشكل رئيسي دولاً أوروبية داعمة لكييف، في مؤشر رمزي آخر على وحدة الموقف الأوروبي.

وحظي الرئيس زيلينسكي بترحيب حار من القادة الأوروبيين الحاضرين لدى وصوله، فيما حصدت القوات الأوكرانية أعلى نسبة تصفيق من الجمهور المحتشد على طول جادة الشانزليزيه. ولافت أن طيارين أوكرانيين تدرّبوا في فرنسا شاركوا على متن طائرتين من طراز «ميراج 2000 بي» إلى جانب طيارين فرنسيين، في مشهد جسّد عملياً التعاون العسكري بين البلدين. وضمّ الحفل نحو ثلاثين من رؤساء الدول والحكومات، من بينهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الذي شهد مشاركة قوات بلاده للمرة الأولى منذ نحو عشرين عاماً، إلى جانب طائرات من دول أوروبية عدة شملت ألمانيا وبريطانيا وكرواتيا وبولندا والدنمارك واليونان والسويد والنرويج وإسبانيا وإيطاليا.

وجاء العرض العسكري في اليوم التالي لاستضافة ماكرون قمة لحلفاء أوكرانيا، بعد نحو أربع سنوات ونصف على بدء الغزو الروسي الشامل لجارتها. وفي كلمة له، شدد الرئيس الفرنسي على أن هدف بلاده هو السلام، لكنه أكد استعداد فرنسا للدفاع عن الحرية وسيادة القانون “حتى لو اقتضى الأمر إراقة الدماء” إذا لزم الأمر. من جهتها، وصفت نائبة وزير الدفاع أليس روفو، في تصريح لإذاعة «آر تي إل»، ما جرى بأنه تعبير عن أوروبا موحّدة وواثقة بنفسها في مواجهة روسيا ودعمها لأوكرانيا.
وعكس العرض العسكري أيضاً التحول العملياتي الجاري في الجيش الفرنسي في إطار برنامج «سكوربيون» للتحديث، الذي يهدف إلى تطوير قوة برية متصلة رقمياً وقادرة على الانتشار السريع في حروب عالية الشدة. وشكّلت مركبة «غريفون» المدرعة، المزوّدة بنظام المعلومات والقتال «سيكس»، العمود الفقري الرقمي لهذا التحول، إذ تتيح تبادل المعلومات الميدانية في الوقت الفعلي بين الوحدات المختلفة، فيما مثّلت مركبة الاستطلاع المدرّعة «جاغوار» تجسيداً لتحديث قدرات الاستطلاع البرية. كما شارك في العرض نظاما الدفاع الجوي «في إل ميكا» و«سامب/تي»، إلى جانب طائرات مسيّرة بحرية من طراز «إس-100» تابعة للسرب البحري 36 إف، في إشارة إلى الأولوية المتزايدة التي توليها فرنسا للدفاع الجوي المضاد للطائرات المسيّرة، والذي تعزز مكانته بعد الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا.


وتزامن العيد الوطني الفرنسي هذا العام مع حرائق غابات مندلعة في غابة فونتينبلو جنوب باريس ومناطق أخرى في جنوب البلاد، وسط موجة حر ثالثة هذا العام بلغت درجة الإنذار الأحمر، ما دفع السلطات في عدد من المناطق، بما فيها العاصمة، إلى إلغاء عروض الألعاب النارية التقليدية وحفلات رجال الإطفاء. ومع ذلك، أُقيم عرض الألعاب النارية والمسيّرات الضوئية عند برج إيفل مساء الاثنين كما هو مقرر، وتضمن تشكيلاً بواسطة المسيّرات على هيئة تمثال الحرية، في إشارة إلى الهدية التي قدّمتها فرنسا للولايات المتحدة ووصلت إلى نيويورك عام 1885. كما تزامنت الذكرى مع مرور عشر سنوات على هجوم نيس، حين اقتحمت شاحنة حشوداً غادرت عرض الألعاب النارية في المدينة الجنوبية في 14 يوليو/ تموز 2016، ما أسفر عن مقتل 86 شخصاً وإصابة أكثر من 400 آخرين.

يُذكر أن هذا العرض يأتي بعد تسع سنوات من استضافة ماكرون في أولى أشهر ولايته الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب كضيف شرف في عرض عام 2017، وهي الزيارة التي يُقال إنها ألهمت ترامب لاحقاً لتنظيم عرضه العسكري الخاص في واشنطن.






