البحرية الملكية البريطانية تختبر منظومة “SkyCarrier” على متن القارب الروبوتي “Pioneer”

شهدت المياه البريطانية واقعًا تشغيليًآ فريدًا حيث نجحت شركة الروبوتات البحرية البريطانية ACUA Ocean، بالتعاون مع شركة تيليدين فلير ديفنس الأمريكية المتخصصة في أجهزة الاستشعار والمسيّرات بإطلاق مسيّرة جوية من على متن قارب بلا طيار وسط عرض البحر، دون وجود أي طاقم بشري على متن أي من المركبتين. الحدث، الذي قد يعيد تشكيل الطريقة التي تراقب بها البحرية الملكية البريطانية مياهها الإقليمية مستقبلاً.

حصل المشروع على تمويل من برنامج UK Defence Innovation (UKDI) التابع لوزارة الدفاع البريطانية، وهو برنامج يدعم التقنيات ذات الإمكانات العسكرية في مراحلها المبكرة قبل وصولها لمرحلة التعاقد الكامل، ويركز غالباً على دعم الشركات الصغيرة والنماذج التجريبية التي قد تتجاهلها شركات الدفاع الكبرى الراسخة. ومكّن هذا التمويل من إجراء عرض توضيحي مشترك لما تصفه الشركتان بمنظومة الطائرة المسيّرة المربوطة (T-UAS)، العاملة بالتنسيق مع مركبة سطحية بلا طيار (USV)، وهي قارب روبوتي يعمل دون طاقم بشري، ويمكن تشغيله عن بُعد أو بشكل ذاتي حسب طبيعة المهمة.

تمحور العرض التوضيحي حول قطعتين رئيسيتين من العتاد تعملان بالتنسيق فيما بينهما. فمنظومة “SkyCarrier” التابعة لشركة “تيليدين فلير” (Teledyne FLIR) هي منصة متينة ومؤتمتة بالكامل لإطلاق واستعادة المسيّرات، محفوظة داخل حاوية واقية تنفتح لتشكل منصة هبوط قابلة للتمفصل، بما يتيح للمسيّرة الإقلاع والعودة ذاتياً حتى أثناء تحرك القارب الحامل لها أو استقراره على سطح غير مستوٍ. وخلال التجربة، أطلقت منظومة “SkyCarrier” بشكل ذاتي مسيّرة من طراز “SkyRanger R70″، وهي مسيّرة صغيرة من إنتاج “تيليدين فلير”، من على سطح القارب “Pioneer” التابع لشركة ACUA Ocean، الذي تصفه الشركة بأنه أول مركبة بريطانية بلا طيار تحصل على شهادة من هيئة “لويدز ريجستر” البحرية، الجهة المرجعية التي تضع معايير السلامة والهندسة للسفن، لتشغيلها عن بُعد.

وبمجرد إقلاعها، بقيت مسيّرة “SkyRanger R70” متصلة بالقارب “Pioneer” عبر كابل يوفر لها الطاقة والبيانات، بدلاً من الطيران الحر بالاعتماد الكامل على بطاريتها. ويُلغي هذا الربط اعتماد المسيّرة على قدرة تحمل بطاريتها الداخلية، إذ يمدها القارب بطاقة مستمرة، كما يبقي موقعها مرتبطاً مباشرة بموقعه بدلاً من الانجراف في مسار طيران مستقل. والنتيجة مراقبة جوية مستمرة وغير منقطعة لا تحتاج للتوقف كي تهبط المسيّرة ويُعاد شحنها، وهي عقبة ظلت لسنوات تحدّ من فعالية المسيّرات المربوطة وغير المربوطة على حد سواء.

قدرات تقنية متقدمة على منصة خفيفة الوزن

تحمل مسيّرة “SkyRanger R70” في حد ذاتها مستوى تقنياً متطوراً مصمماً للبيئات القاسية، إذ تعمل بعدة معالجات مدمجة من “إنفيديا” وتوفر ذكاءً اصطناعياً فورياً على متن المسيّرة نفسها، بما في ذلك كشف الأهداف وتصنيفها دون الحاجة لإحالتها إلى مشغّل بعيد، إلى جانب أربع كاميرات رؤية حاسوبية مخصصة تدعم التشغيل الذاتي. وتوفر منظومتها المتكاملة من المستشعرات الكهروبصرية والأشعة تحت الحمراء طويلة المدى وعالية الدقة والمثبتة، ما تصفه الشركتان بأداء استخباراتي واستطلاعي من الفئة الثانية (Group 2 ISR)، وهي فئة أعلى قدرة في مجال الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة، رغم أن هيكل المسيّرة نفسه يصنَّف ضمن الفئة الأولى (Group 1)، وهي أصغر وأخف تصنيف للمسيّرات العسكرية وفق نظام تصنيف وزارة الحرب الأمريكية للطائرات بلا طيار.

ثبات استثنائي في بحار هائجة

شكّلت قدرة القارب “Pioneer” على الحفاظ على استقراره في مياه شديدة الاضطراب الركيزة الأساسية لنجاح العرض بأكمله. وأفادت ACUA Ocean بأن القارب أثبت في يناير/ كانون الثاني 2026 تفوقاً في خصائص “السلوك البحري” (Seakeeping)، وهو المصطلح الذي يصف مدى تحكم المركبة في حركتها وسط الأمواج العاتية، في ظل ارتفاع أمواج بلغ 4.25 متراً (13.9 قدماً)، محققاً تراجعاً بنسبة 60 في المئة في درجة الترنح، وانخفاضاً بمقدار أربعة أضعاف في معدلات الترنح القصوى مقارنة بالسفن أحادية الهيكل التقليدية، وهي التصميم القياسي الأكثر شيوعاً في القطاع البحري. ولا يُعد هذا الاستقرار تفصيلاً هامشياً، بل هو الأساس الميكانيكي الذي يجعل تشغيل مسيّرة مربوطة انطلاقاً من قارب روبوتي صغير أمراً ممكناً أصلاً في ظروف عرض البحر المفتوح، إذ إن اهتزاز المنصة بعنف كان سيجعل استمرار عمليات طيران مسيّرة “SkyRanger R70” شبه مستحيل.

وأوضحت ACUA Ocean أن القارب أنجز بالفعل عدة عقود تجريبية سابقة مع البحرية الملكية شملت مهام الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة، إضافة إلى الحرب المضادة للغواصات التي تركز على كشف وتعقب الغواصات المعادية، ما يمنح هذا العرض الأخير سجلاً من الاختبارات التشغيلية السابقة بدلاً من كونه مجرد إثبات مفهوم منفرد.

مراقبة بلا توقف: الفجوة التي تسعى بريطانيا لسدها
وبحسب ACUA Ocean، تعالج المنظومة المدمجة من “T-UAS” و”USV” فجوة حددتها البحرية الملكية والمنظومة الدفاعية البريطانية الأوسع، تتمثل في الحاجة لمراقبة مستمرة وطويلة الأمد عبر نطاقات متعددة، أي سطح البحر والمجال الجوي معاً، دون تعريض الأفراد للخطر في ما يصفه القطاع عادة بالبيئات “المملة أو القذرة أو الخطرة”، وهي مهام تتسم بالتكرار أو الخطورة أو كلتيهما معاً. وبعملهما معاً، توسّع المنظومتان تغطية المراقبة من خط الماء وصولاً إلى الارتفاعات الجوية، لتشكلا ما تصفه الشركتان بحزمة متكاملة جو-سطح قادرة على تحمل عمليات بحرية تمتد لأسابيع متعددة، وهي مدة يصعب تحقيقها بتكلفة معقولة عبر الاعتماد فقط على سفن أو طائرات مأهولة.

ولهذا التحمل التشغيلي صلة مباشرة بمجموعة من الأولويات المحددة لدى البحرية الملكية، من بينها دعم عمليات مكافحة الغواصات، وإزالة الألغام البحرية، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وحماية البنية التحتية البحرية الحساسة كالكابلات تحت البحرية والمنشآت البحرية لإنتاج الطاقة، وهي أهداف حظيت باهتمام متزايد لدى بحريات حلف الناتو وسط تقارير عن أنشطة تخريب ومراقبة مشتبه بها قرب البنية التحتية البحرية في المياه الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.

تصريحات المسؤولين

وقال نيل تينماوث، الرئيس التنفيذي لشركة ACUA Ocean: “يمثل الحصول على تمويل UKDI لهذا النموذج التجريبي إنجازاً بارزاً لشركتنا وللاستقلالية البحرية البريطانية بشكل أوسع”. وأضاف: “يخلق دمج مسيّرة SkyRanger R70 مع القارب Pioneer قدرة جديدة فعلياً: منظومة استخباراتية واستطلاعية متعددة النطاقات، مستمرة وقابلة للنشر، يمكن للبحرية الملكية إرسالها إلى البحر ابتداءً من اليوم”.

من جهته، قال ريتشارد كونها، المدير الرئيسي لمنتجات الأنظمة الجوية بلا طيار في تيليدين فلير ديفنس: “لقد اكتسبت مسيّرة SkyRanger R70 سمعتها في أكثر بيئات التشغيل تطلباً حول العالم”. وأضاف: “يفتح اقترانها بقدرة القارب Pioneer Mk2 الاستثنائية على السلوك البحري والتحمل الطويل فئة جديدة كلياً من مهام المراقبة البحرية المستمرة، لم تكن ممكنة من قبل”.