الجزائر أمام مفترق طرق.. “جيه-10 سي” و”كيه جيه-500″ يهددان بكسر احتكار موسكو للسماء الجزائرية

جيه-10 سي
الطائرة القتالية "جيه-10 سي"

تشهد خريطة التسلح الجوي في شمال أفريقيا تحولًا لافتًا، مع تقارير متقاطعة من مصادر صينية وجزائرية محلية، عززتها تحليلات مفتوحة المصدر (OSINT)، تتحدث عن مباحثات جزائرية-صينية للحصول على 40 مقاتلة “جيه-10 سي” من طراز الجيل الرابع المتقدم، إضافة إلى 4 أو 5 طائرات إنذار مبكر وسيطرة جوية من طراز “كيه جيه-500”. ولم تؤكد بكين رسميًا حتى الآن هذه المعلومات، وفق ما ذكرته مجلة الطيران العسكري الألمانية Flug Revue، ونقلته منصة ميتا ديفانس الفرنسية عن مصادرها الخاصة.

وإذا تأكدت الصفقة، فستمثل أول دخول لمقاتلة صينية إلى الأسطول القتالي الجزائري، في خطوة تعني عمليًا كسر الاعتماد شبه الكامل الذي دام لعقود على المدرسة السوفياتية ثم الروسية، والانتقال إلى تنويع مصادر التكنولوجيا العسكرية عبر التعاون مع بكين. ولا تكمن أهمية هذا التحول في نوع المقاتلة وحدها، بل في المنظومة الكاملة التي تجمع بين مقاتلة حديثة متعددة المهام وطائرة إنذار مبكر قادرة على إدارة المجال الجوي بأكمله، وهو المفهوم القتالي الذي تعتمد عليه القوى الجوية الكبرى في حروب الجيل الحديث.

“جيه-10 سي”.. مقاتلة صينية تنافس الجيل الرابع المتقدم الغربي

تُعد “تشنغدو جيه-10 سي” أحدث نسخ عائلة “جيه-10” الصينية، وهي مقاتلة متعددة المهام من فئة “الجيل الرابع المتقدم 4.5″، صُممت للجمع بين القتال الجوي والهجوم الأرضي والضربات الدقيقة. وتتميز هذه النسخة بتطورات جوهرية مقارنة بإصداراتها السابقة، أبرزها دمج رادار مصفوفة ممسوحة إلكترونيًا نشط (إيسا/AESA)، وأنظمة حرب إلكترونية محسّنة، وقدرة على استخدام صواريخ جو-جو بعيدة المدى من طراز “بي إل-15″، ما يمنحها قدرة أكبر على الاشتباك خلف مدى الرؤية البصرية.

ويمنحها تصميمها الديناميكي ومحركها القوي قدرة عالية على المناورة، فيما تتيح أنظمة التحكم الرقمية تنفيذ مهام متنوعة تمتد من حماية المجال الجوي إلى الضربات الدقيقة ضد أهداف أرضية. وتدخل “جيه-10 سي” في منافسة مباشرة مع مقاتلات غربية من طراز “إف-16 في بلوك 70/72″، إذ تعتمد كلتاهما على رادارات حديثة وقدرات متعددة المهام، فيما يرى محللون أن نقطة القوة الصينية الأساسية تكمن في الجمع بين سعر أقل وقدرات تسليحية متقدمة، خصوصًا في مجال الصواريخ بعيدة المدى.

“بي إل-15”.. سلاح يغيّر قواعد الاشتباك الجوي

يشكّل صاروخ “بي إل-15” الجو-جو بعيد المدى أحد أهم عناصر قوة “جيه-10 سي”، إذ صُمم لمنح الطيارين القدرة على مهاجمة أهداف جوية من مسافات بعيدة قبل الدخول في قتال قريب. وتُغيّر هذه الفئة من الصواريخ طبيعة المعركة الجوية الحديثة، حيث يصبح اكتشاف الهدف وتوجيه الصاروخ من بُعد عاملًا حاسمًا، خاصة عند دمج المقاتلة مع منظومات الإنذار المبكر.

“كيه جيه-500”.. العين التي تدير المعركة من السماء

إلى جانب المقاتلات، تشير التقارير إلى أن الجزائر قد تحصل على طائرة الإنذار المبكر الصينية “شنشي كيه جيه-500″، وهي من أهم منصات القيادة الجوية في سلاح الجو الصيني. وتعمل هذه الطائرة كمركز قيادة طائر، إذ تستخدم رادارًا متطورًا مثبتًا أعلى جسمها لرصد الأهداف الجوية على مسافات بعيدة، ثم نقل المعلومات إلى المقاتلات والدفاعات الجوية والوحدات المختلفة. ويمثل هذا النوع من الطائرات تحولًا جوهريًا في طبيعة العمليات الجوية، لأن المقاتلة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على رادارها الداخلي، بل تحصل على صورة شاملة لساحة القتال من منصة خارجية قادرة على مراقبة مساحة أوسع. وتُقارَن هذه المنظومة الصينية بطائرات غربية مثل “إي-3 سنتري” و”إي-7 ويدجتيل”، إذ تؤدي جميعها وظيفة توجيه القوات الجوية وتنسيق عمليات الاعتراض والهجوم.

روسيا لا تزال حاضرة.. لكن الثقة تتزعزع

تجدر الإشارة إلى أن هذا التوجه الصيني المحتمل لا يعني قطيعة جزائرية فورية مع موسكو؛ إذ تشير مصادر ميتا ديفانس إلى استمرار تدفق العتاد الروسي، مع رصد ما لا يقل عن 167 رحلة شحن ربطت روسيا بالجزائر بين مارس/ آذار 2025 وأبريل/ نيسان 2026، بينها رحلات إلى مجمع كومسومولسك أون أمور، موقع إنتاج مقاتلتي “سو-35” و”سو-57″، في مؤشر على استمرار عمليات تسليم محتملة لهذه الطرازات. كما لا تزال موسكو تحتفظ بمكانة تفضيلية تاريخية لدى الجزائر، تجسدت في دمج صواريخ كروز “كاليبر” على متن غواصات “كيلو”، وهو ما يعكس مستوى ثقة ثنائية واعتمادًا تقنيًا يصعب تعويضه في المدى القصير.

ومع ذلك، فإن مجرد طرح خيار الاعتماد على منظومات صينية متكاملة يضع الجزائر أمام خيار استراتيجي مهم، بعدما اعتمدت قواتها لعقود على العتاد السوفياتي ثم الروسي، مع انفتاحات أوروبية وأميركية محدودة في قطاعات مستهدفة، خصوصًا في المجال البحري.

انتقال من الطائرة إلى المنظومة الكاملة

في حال تأكدت هذه الصفقة، فإن إدخال “جيه-10 سي” و”كيه جيه-500″ معًا سيمثل نقلة نوعية في العقيدة الجوية الجزائرية، ذلك أن امتلاك مقاتلات حديثة دون منظومة إنذار مبكر يحدّ من قدرتها العملياتية الكاملة. أما الجمع بين مقاتلة متقدمة وطائرة قيادة جوية، فيمنح القوات الجوية الجزائرية قدرة أكبر على اكتشاف التهديدات مبكرًا، وتوزيع الطائرات، وتنفيذ عمليات أكثر تعقيدًا وتنسيقًا. وتأتي هذه الخطوة المحتملة في وقت تتسارع فيه المنافسة العسكرية في المنطقة، مع استمرار تحديث القوات الجوية لدول شمال أفريقيا، وظهور سباق جديد حول امتلاك الطائرات بعيدة المدى والأنظمة الشبكية المتكاملة.

وبينما لا تزال التفاصيل النهائية للصفقة بحاجة إلى تأكيد رسمي من الجانبين الجزائري والصيني، فإن مجرد توجه الجزائر نحو منظومات جوية صينية متقدمة يعكس تغيرًا محتملًا في حسابات القوة الجوية بالمنطقة، ويشير إلى دخولها مرحلة جديدة تعتمد على التكنولوجيا والشبكات القتالية أكثر من اعتمادها على عدد الطائرات وحده.