دشّنت تركيا، في 27 يوليو/ تموز 2026، الفرقاطة السادسة من طراز “إستيف” (Istif-class)، والمعروفة أيضًا باسم TCG Karadeniz (F-520)، في حوض “سيدف” لبناء السفن، وذلك ضمن برنامج السفن الحربية الوطني “ميلجم” (MILGEM). ويُجسّد هذا التدشين آليةَ البناء المتوازي التي أرستها شركة “أس تي أم” (STM) بالتعاون مع اتحاد أحواض “تايس” (TAIS) لتسريع دورات التسليم البحري. ويتيح توزيع عملية بناء الهياكل على عدة أحواض للبحرية التركية تقليص الفواصل الزمنية بين عمليات التدشين، مع الحفاظ على مسارات تجهيز متوازية قبل مرحلة التسليم النهائي للبحرية.
وتبلغ إزاحة الفرقاطة TCG Karadeniz، البالغ طولها 113.2 مترًا، نحو 3100 طن، وتُدمج منظومة إطلاق عمودي “ميدلاس” (Midlas) بسعة 16 خلية، إلى جانب نظام إدارة القتال “أدفنت” (Advent) التابع لشركة “هافيلسان”، ورادار “جنك-إس” (Cenk-S) النشط ذي المصفوفة الممسوحة إلكترونيًا (AESA). وتعمل الفرقاطة بمحرك دفع مركّب يجمع بين الديزل والغاز (CODAG)، ما يمكّنها من بلوغ سرعة قصوى تتجاوز 29 عقدة، بمدى تشغيلي يصل إلى 5700 ميل بحري عند سرعة 14 عقدة.
برنامج فرقاطات “إستيف”: الطبقة الوسطى في الأسطول التركي المستقبلي
جاء هذا التدشين بعد 30 شهرًا من توقيع عقد ديسمبر/ كانون الأول 2023 الذي مدّد الإنتاج التسلسلي للبرنامج، وبعد 18 شهرًا فقط من تدشين الفرقاطة TCG Akdeniz (F-519)، وهو ما يشير إلى تقلّص الفترات الزمنية الفاصلة بين عمليات البناء مع توزيع العمل على عدة أحواض. ويضم البرنامج حاليًا فرقاطة TCG Istanbul العاملة فعليًا في الخدمة، وفرقاطة TCG Izmir التي تخضع للتجارب البحرية، إلى جانب فرقاطات TCG Izmit وTCG Içel وTCG Akdeniz وTCG Karadeniz التي جرى تدشينها وتمر بمراحل إنجاز مختلفة، فيما لا تزال فرقاطتا TCG Ege وTCG Marmara قيد الإنشاء.
وبذلك، فإن 7 من أصل الفرقاطات الثماني المخطط لها تمر في آنٍ واحد بمراحل البناء أو التجهيز أو التجارب، وهو ما يعكس قدرة تركيا على تشغيل خط إنتاج تسلسلي فعّال، تتقدم فيه عدة سفن عبر مراحل صناعية ومراحل فحص وتسلّم من قِبل البحرية. وكانت أولى فرقاطات الفئة، TCG Istanbul، قد دخلت الخدمة الفعلية في 19 يناير/ كانون الثاني 2024، أي بعد ثلاث سنوات من تدشينها في 23 يناير/ كانون الثاني 2021، وهو ما يعكس طول دورة الدمج والاختبار المطلوبة لأول سفينة من فئة فرقاطات جديدة. أما فرقاطة TCG Izmir فقد انتقلت إلى مرحلة التجارب البحرية، فيما تمر الهياكل الأربعة اللاحقة بمرحلة ما بعد التدشين، التي يجري خلالها تركيب معدات الدفع والشبكات الكهربائية وأجهزة الاستشعار والأسلحة وأنظمة الاتصالات والقيادة، وربطها واختبارها.
توزيع الإنتاج بين 3 أحواض لتسريع وتيرة البناء
تتولى شركة “أنضولو” لبناء السفن مسؤولية فرقاطة TCG Izmir والهياكل اللاحقة المخصصة لخط إنتاجها، بينما بنى حوض “سيدف” كلًا من TCG Izmit وTCG Karadeniz، فيما بنى حوض “سفينة” فرقاطة TCG Içel ويشارك في أعمال لاحقة. وبموجب الترتيب المُبرم بين “أس تي أم” و”تايس”، جرى تخصيص فرقاطة لكل من أحواض “أنضولو” و”سيدف” و”سفينة” للبناء المتزامن ضمن إطار زمني مدته 36 شهرًا، بما يحلّ محل النموذج التسلسلي السابق الذي كانت فيه سفينة واحدة تستحوذ على معظم الطاقة الهندسية والتكاملية المتاحة قبل أن يبدأ العمل على السفينة التالية. ويقلّص البناء المتوازي الفاصل الزمني بين عمليات التدشين، لكنه في المقابل يفرض على الأحواض الثلاثة الحفاظ على معايير بناء موحدة، وضبط صارم للتصميم، وتنسيق جداول الموردين وضمان الجودة عبر هياكل متطابقة اسميًا لكنها قد تستقبل دفعات معدات مختلفة.
تصميم مستقل عن فئة “أضا” رغم القرابة التقنية
تُعرف فئة “إستيف” أيضًا باسم فئة “إسطنبول” أو الفئة “آي”، وهي مشتقة من كورفيت “أضا”، لكنها ليست مجرد نسخة مطوّلة من السفينة السابقة. إذ يبلغ طول هيكلها 113.2 مترًا مقارنة بنحو 99 مترًا لفئة “أضا”، بينما يبلغ عرضها 14.4 مترًا، وغاطسها 4.05 أمتار، وإزاحتها بكامل الحمولة ما بين 3100 و3200 طن. وقد وفّرت الزيادة البالغة 14 مترًا في طول الهيكل، إلى جانب مئات الأطنان الإضافية من الإزاحة، مساحة كافية لتركيب منظومة إطلاق عمودي بسعة 16 خلية، وضعف حمولة الصواريخ المضادة للسفن مقارنة بفئة “أضا”، إضافة إلى توسيع مساحات معلومات القتال، وزيادة مساحات الإقامة وحجرات المعدات، ووقود إضافي، وحمل كهربائي أكبر لتشغيل الرادارات ومعدات الحرب الإلكترونية وأنظمة التبريد. وبفضل ذلك، يمكن للفرقاطة قطع مسافة 5700 ميل بحري عند سرعة 14 عقدة، أي ما يعادل أكثر من 10500 كيلومتر دون الحاجة إلى التزود بالوقود في ظروف تشغيل اقتصادية، كما يمكنها تجاوز سرعة 29 عقدة عند تشغيل التوربين الغازي.
حزمة استشعار متكاملة تجمع الرادار والسونار والحرب الإلكترونية
يتمثل جهاز الاستشعار الرئيسي للمراقبة الجوية في رادار “جنك-أس” النشط ذي المصفوفة الممسوحة إلكترونيًا، القادر على تعقّب نحو 1000 هدف، بمدى كشف أقصى يقارب 400 كيلومتر في ظروف انتشار موجات مواتية. ويوفر رادار “عقرب” (Akrep) توجيهًا دقيقًا للنيران ودعمًا للأسلحة، بينما يكشف رادار “ألبر” (Alper) – منخفض احتمالية الاعتراض – عن السفن والأهداف السطحية الصغيرة، مع تقليل احتمالية رصد انبعاثات الفرقاطة من قِبل وسائل الدعم الإلكتروني المعادية. ويوفر سونار “فرصاح” (Fersah) المثبَّت على الهيكل قدرة البحث الذاتي تحت الماء للسفينة، وإن كانت فعالية تغطيته مرهونة بطبقات حرارة المياه والملوحة والضجيج المحيط وسرعة الفرقاطة نفسها. أما منظومة “أريس-2 إن” (Ares-2N) فتتولى كشف الانبعاثات الرادارية وتصنيفها وتحديد مواقعها، فيما يوفر نظام “خضر” (Hizir) وظائف الإنذار من الطوربيدات والتدابير المضادة.
قدرات جوية وترسانة تسليح موسّعة
وجود حظيرة ومنصة طيران على متن الفرقاطة يدعم تشغيل مروحية واحدة من طراز S-70B سي هوك، إلى جانب طائرات مسيّرة دوّارة الجناح، ما يتيح لفرقاطة TCG Karadeniz فرصة توسيع نطاق تغطيتها إلى ما هو أبعد من حدود أجهزة استشعارها الذاتية. وتمنح حزمة التسليح فئة “إستيف” قدرة اشتباك أكبر بكثير مقارنة بفئة “أضا” ومعظم السفن الحربية السطحية تركية الصنع السابقة. وتحمل الفرقاطة 16 صاروخًا مضادًا للسفن من طراز “أتماجا” (Atmaca) موزعة على أربع قاذفات رباعية، ما يتيح لها تنفيذ دفعة إطلاق أكبر أو الاحتفاظ بأسلحة لاشتباكات متعددة. ويمكن لمنظومة الإطلاق العمودي “ميدلاس” بسعة 16 خلية حمل صاروخ واحد أكبر حجمًا في كل خلية، أو أربعة صواريخ اعتراضية من طراز “حصار-دي آر أف” (Hisar-D RF) في كل خلية، ما يجعل الحد الأقصى النظري 64 صاروخًا من هذا الطراز في حال تخصيص المنظومة بالكامل لهذا السلاح. ومن المرجّح أن يعتمد الحمل التشغيلي الفعلي على مزيج من أنواع الاعتراض يوازن بين عدد الصواريخ ومدى الاشتباك وارتفاع الهدف، والحاجة إلى مواجهة الطائرات والمروحيات والصواريخ الجوالة والطائرات المسيّرة.
ومن شأن التوافق مع صاروخ “سيبر بلوك-1” (Siper Block-1) توسيع مدى الدفاع إلى ما هو أبعد من الدفاع النقطي والمحلي، بفضل مدى يتجاوز 100 كيلومتر، وإن كانت المساحة الدفاعية الفعلية مرهونة بعدد الصواريخ المخصصة للسفينة. ويمكن لمدفع “MKE” من عيار 76 ملم الاشتباك مع الأهداف السطحية والجوية والساحلية، بينما يشكّل نظام “جوك دنيز” (Gökdeniz)، بمدفعيه المزدوجين من عيار 35 ملم والذخيرة القابلة للبرمجة، الطبقة الأخيرة القائمة على المدافع لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما تغطي منصتا أسلحة عن بُعد من عيار 25 ملم القوارب الصغيرة والسفن السطحية غير المأهولة على مدى قريب. ويمكن لقاذفتين مزدوجتين من عيار 324 ملم إطلاق طوربيدات “أوركا” (Orka) خفيفة الوزن، التي تفوق سرعتها المُعلَنة 45 عقدة ويصل مداها إلى 15 كيلومترًا، ما يمنح الفرقاطة وسيلة هجوم ذاتية ضد الغواصات التي يرصدها سونار “فرصاح” أو المروحية أو أي وحدة أخرى ضمن مجموعة المهام.
نسبة تصنيع محلي مرتفعة وتحكّم تركي متزايد بالتكامل
تكمن الأهمية الصناعية في اتساع نطاق الأنظمة التي باتت الشركات التركية تتحكم بتكاملها. فقد بلغت نسبة المحتوى المحلي المقدَّرة لفرقاطة TCG Istanbul نحو 80%، متجاوزة الهدف الأولي البالغ 75%، بمشاركة نحو 80 شركة من الباطن زوّدت أكثر من 150 نظامًا، ومشاركة نحو 220 شركة عبر البرنامج ككل. وتوفر الشركات التركية حاليًا نظام إدارة القتال، ورادارات المراقبة والتوجيه، ومعدات الحرب الإلكترونية، ونظام الدفاع القريب، والصواريخ المضادة للسفن، ومنصة الإطلاق العمودي، وصواريخ الدفاع الجوي، والمدفع الرئيسي، وأنظمة مواجهة الطوربيدات، ومعدات مناولة المروحيات.
وتتيح المسؤولية الوطنية عن هذه الأنظمة تعديل الواجهات والبرمجيات الأساسية وتشكيلات الأسلحة دون الاعتماد الكامل على جهة أجنبية لتكامل النظام القتالي، كما تقلّل من خطر تعطّل الفرقاطة نتيجة تعذّر استبدال أو تحديث أو تصدير مكوّن مستورَد بعد تغيير سياسة الترخيص من قِبل الحكومة المورِّدة. ومع ذلك، فإن التصنيع المحلي لا يُلغي الاعتماد الخارجي كليًا، إذ لا تزال الفئة تعتمد على توربين غازي أميركي من طراز LM2500 ومكونات أجنبية المنشأ في أنظمة الدفع والمعدات الميكانيكية والإلكترونيات، غير أن هذا الاعتماد بات يتركز بشكل متزايد في أنظمة فرعية محددة بدلًا من البنية القتالية العامة. وبالنسبة للبحرية التركية، تسد فئة “إستيف” الفجوة بين كورفيتات “أضا” الأصغر حجمًا، والمدمرات المستقبلية للدفاع الجوي من طراز TF-2000، المعروفة أيضًا بفئة “تبه”.
تركيا في المرتبة الرابعة عالميًا من حيث حجم الإنتاج البحري
تشمل خطط القوة السطحية التركية المستقبلية ثماني فرقاطات من فئة “إستيف”، وأربع فرقاطات محدَّثة من طراز “MEKO 200 TN Track IIB”، وثماني سفن من فئة TF-2000. وبإمكان فئة “إستيف” تنفيذ مهام الحراسة والحرب المضادة للغواصات والحرب السطحية والدفاع الجوي المحلي، إلا أن اقتصارها على 16 خلية إطلاق عمودي يظل قيدًا خلال العمليات المستمرة في مواجهة هجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. فتزويد السفينة بـ64 صاروخ “حصار-دي آر أف” يعظّم عدد الصواريخ الاعتراضية لكنه يضحّي بالمساحة المخصصة للأسلحة الأكبر حجمًا، بينما يقلّص الحمل المختلط من صواريخ “سيبر” و”حصار” العدد الإجمالي للاشتباكات المتاحة قبل اضطرار الفرقاطة للعودة إلى الميناء لإعادة التسلّح. وتفسر هذه المسألة المتعلقة بعمق مخزن الذخيرة سبب تكامل هذه الفئة مع فئة TF-2000 المخطط لها.
وعلى الصعيد الصناعي، تشير التقديرات إلى أن تركيا تمتلك ما بين 10 و15 سفينة حربية رئيسية قيد الإنشاء لصالح بحريتها الخاصة في عام 2026، ما يضعها في المرتبة السابعة عالميًا، خلف الصين التي تمتلك ما بين 40 و60 سفينة أو أكثر، والولايات المتحدة بين 20 و30 سفينة، والهند وروسيا بين 15 و20 سفينة لكل منهما، وكوريا الجنوبية بين 12 و18 سفينة، واليابان بين 10 و15 سفينة. وعند إضافة السفن المخصصة للعملاء الأجانب، يرتفع إجمالي حجم العمل التركي إلى ما بين 20 و30 سفينة تقديريًا، ما يضع تركيا في المرتبة الرابعة خلف الصين وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، متقدمة على إيطاليا. ويعود هذا التموضع المتقدم إلى مجموعة تصدير بحري موزّعة بين عدة شركات وأحواض بناء، وليس إلى عقد أجنبي واحد استثنائي الحجم. فشركات “أس تي أم” و”تايس” و”أسفات” و”ديرسان” والأحواض المرتبطة بها تعمل في آنٍ واحد على فرقاطات وكورفيتات وسفن دورية بحرية وسفن إنزال وزوارق دورية وسفن دعم لعملاء من بينهم باكستان وأوكرانيا وماليزيا وإندونيسيا ونيجيريا وقطر ورومانيا.
ويختلف هذا النموذج عن نموذج أعمال العديد من شركات بناء السفن الأوروبية، التي قد يتركز حجم أعمالها التصديرية في فئة واحدة أو فئتين تُنتَجان على مدى فترات أطول. ويخلق النموذج التركي عددًا أكبر من الهياكل المتزامنة ويوزّع الإنتاج على عدد أكبر من الأحواض، لكنه في المقابل يزيد من مخاطر الجدولة الزمنية، إذ يتعيّن على فرق الهندسة وموردي الرادارات ومنتجي الصواريخ وشركات دمج الأنظمة القتالية دعم عدة عملاء في آنٍ واحد. وبذلك، تمثل فئة “آي” مشروعًا للأسطول المحلي وأداة استقرار للحمل الصناعي في آنٍ معًا، إذ تحافظ على القدرات الهندسية والإنتاجية التي يمكن الاستفادة منها في سفن التصدير، وكذلك في مشاريع TF-2000 وحاملة الطائرات “موجم” (MUGEM) وغواصات “أطيلاي” (Atilay-class) العاملة بالطاقة النووية مستقبلًا.






