الحرب الإلكترونية: ساحة المعركة الخفية التي تُعيد تشكيل حروب اليوم

لطالما ارتبطت الحروب في أذهان كثيرين بالدبابات والمدفعية وصور المعارك المباشرة، إلا أن ساحة المعركة الحقيقية في الحروب الحديثة باتت أوسع من ذلك بكثير، لتمتد إلى فضاء غير مرئي يعج بموجات الراديو والرادار والإشارات الإلكترونية. هذا الفضاء هو ما يُعرف بـ”الحرب الإلكترونية”، وهي بالفعل تشكّل ملامح النزاعات الدائرة حاليًا حول العالم، من أوكرانيا إلى البحر الأحمر.

السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي

في جوهرها، تُعنى الحرب الإلكترونية بالسيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي، ذلك “الطريق السريع” غير المنظور الذي تعتمد عليه أنظمة تحديد المواقع (GPS) والرادارات وأجهزة الاتصال والطائرات المسيّرة لأداء وظائفها. ومن يسيطر على هذا الطيف يمتلك القدرة على الرصد والتواصل والضربة الأولى، بينما من يخسره يفقد قدرته على الإبصار والتواصل والتصرف، أي يُصاب عمليًا بـ”العمى والصمم” العسكري. ويصنّف الخبراء العسكريون هذا الميدان ضمن 3 فئات معتمدة عالميًا: الهجوم الإلكتروني (EA)، والحماية الإلكترونية (EP)، والدعم الإلكتروني (ES) ، وهو التصنيف الذي تعتمده حلف الناتو والجيوش الكبرى في عقائدها القتالية.

المهام الثلاث للحرب الإلكترونية

تقوم الجيوش، في هذا الإطار، بثلاث مهام أساسية: الهجوم عبر تشويش أو خداع رادارات وأنظمة اتصال العدو باستخدام منظومات تشويش متخصصة، والحماية عبر تأمين أنظمتها الخاصة من التشويش أو التضليل بوسائل مثل شراك الرادار (Chaff) والمشاعل الحرارية (Flares) وتقنيات مقاومة تشويش GPS، والدعم عبر رصد إشارات العدو وتحديد مواقعها لبناء صورة ميدانية واضحة عن ساحة المعركة، وهو ما يُعرف باستخبارات الإشارة (SIGINT) واستخبارات الرادار (ELINT).

جذور الحرب الإلكترونية: من الحرب العالمية الثانية إلى معركة البقاع

ليست الحرب الإلكترونية ظاهرة حديثة؛ فجذورها تعود إلى الحرب العالمية الثانية، حين لجأت بريطانيا إلى ما عُرف بـ”معركة الأشعة” (Battle of the Beams) لتشويش إشارات الملاحة اللاسلكية الألمانية التي كانت تقود قاذفات سلاح الجو الألماني نحو أهدافها الليلية فوق لندن. ومنذ ذلك الحين، تطورت هذه الحرب لتصبح ركيزة أساسية في أي مواجهة عسكرية حديثة.

ومن أبرز المحطات التاريخية في هذا المجال ما وقع خلال حرب أكتوبر 1973، حين واجهت مقاتلات سلاح الجو الإسرائيلي شبكة دفاع جوي مصرية وسورية كثيفة اعتمدت على صواريخ SA-6، ما تسبب في خسائر جوية إسرائيلية كبيرة، ودفع تل أبيب لاحقًا إلى استثمار مكثف في تطوير قدراتها الإلكترونية المضادة.

وتمثّل عملية “الجندل” أو ما عُرف دوليًا بـ”Mole Cricket 19″ في وادي البقاع اللبناني عام 1982 إحدى أشهر عمليات الحرب الإلكترونية في التاريخ العسكري الحديث، إذ تمكنت إسرائيل، باستخدام طائرات استطلاع مسيّرة كطعم لاستدراج الرادارات السورية وتشويش شبكة الدفاع الجوي بالكامل، من تدمير نحو 29 بطارية صواريخ سورية من طراز SA-6 في أقل من ساعتين تقريبًا، دون أن تخسر أي طائرة مقاتلة تقريبًا في المرحلة الأولى من العملية. وما زالت هذه المعركة تُدرَّس حتى اليوم في الأكاديميات العسكرية كنموذج كلاسيكي لدمج الحرب الإلكترونية مع الطائرات المسيّرة والضربات الجوية.

من حرب الخليج إلى أوكرانيا والبحر الأحمر: أمثلة حديثة

في حرب الخليج عام 1991، اعتمد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على طائرات “وايلد ويزل” (Wild Weasel) المتخصصة في قمع الدفاعات الجوية المعادية (SEAD)، إلى جانب تشويش مكثف لشبكة الرادارات العراقية، ما مهّد الطريق لتفوق جوي شبه كامل خلال أيام قليلة من بدء العمليات.

وفي سوريا، نشرت روسيا منظومة “كراسوخا-4” (Krasukha-4) للتشويش الإلكتروني في محيط قاعدة حميميم الجوية، وهي منظومة قادرة على تعطيل الرادارات وأنظمة الأقمار الصناعية للاستطلاع على مسافات واسعة، في مؤشر على تحول سوريا إلى ساحة اختبار لقدرات الحرب الإلكترونية الروسية.

أما في نزاع ناغورنو كاراباخ عام 2020 بين أذربيجان وأرمينيا، فقد لعبت الحرب الإلكترونية دورًا محوريًا، حين واجهت منظومات الدفاع الجوي والتشويش الأرمينية طائرات مسيّرة تركية وإسرائيلية الصنع استخدمتها باكو بفعالية كبيرة، في نزاع وُصف لاحقًا بأنه أحد أول الحروب التي حسمتها إلى حد كبير الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية مجتمعة.

وفي أوكرانيا، منذ اندلاع الحرب الروسية الشاملة عام 2022، تحولت الحرب الإلكترونية إلى “جبهة موازية” حقيقية، إذ خسر الطرفان آلاف الطائرات المسيّرة بفعل التشويش وخداع أنظمة GPS، كما سجّلت محاولات روسية متكررة لتشويش شبكة الإنترنت الفضائية “ستارلينك” التي تعتمد عليها القوات الأوكرانية في الاتصال والقيادة الميدانية.

وفي البحر الأحمر، خاضت القوات الأميركية والبريطانية، منذ نهاية 2023، مواجهات إلكترونية مستمرة مع جماعة الحوثيين اليمنية، التي استخدمت صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت السفن التجارية والعسكرية، ما دفع القطع البحرية الغربية إلى الاعتماد بشكل مكثف على أنظمة الحرب الإلكترونية والدفاعات المضادة للصواريخ لتعطيل هذه التهديدات قبل وصولها.

الحرب الإلكترونية واقع يزداد حضوره وخطورته يومًا بعد يوم

إذا كانت الحروب في الماضي تُحسم بامتلاك دبابات ومدافع أفضل، فإن ميزان القوى اليوم يميل بشكل متزايد نحو من يسيطر على الطيف الكهرومغناطيسي غير المرئي. فمن معركة البقاع عام 1982 إلى سماء أوكرانيا ومياه البحر الأحمر اليوم، تؤكد التجربة العسكرية المتراكمة أن الحرب الإلكترونية ليست مستقبل المعارك، بل هي واقع قائم بالفعل منذ عقود، ويزداد حضوره وخطورته يومًا بعد يوم.