انعكاسات “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” على موازين القوى إقليميًّا

لمى فاروق

ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بخبر توقيع كل من ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان (Mohammed bin Salman)، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان (Recep Tayyip Erdoğan)، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (Shehbaz Sharif)، يوم الجمعة 7 أغسطس/ آب 2026، في مكة المكرمة، “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، في خطوة تنقل العلاقات العسكرية القائمة بين الدول الثلاث من إطار التنسيق الثنائي إلى صيغة تحالف دفاعي جماعي.

وتنص الاتفاقية على مبدأ محوري واحد: اعتبار أي هجوم مسلح خارجي على إحدى الدول الموقّعة هجوماً على الأطراف الثلاثة جميعها، على نحو يستحضر بنية الدفاع الجماعي المعتمدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو). ووفق البيان المشترك الذي أوردته وكالة الأنباء السعودية (واس)، فإن الاتفاق لا يلغي ولا يحل محل أي التزامات ثنائية أو متعددة الأطراف قائمة لكل دولة، وهو مفتوح أمام انضمام دول إقليمية أخرى مستقبلاً.

هذا وقد سبق التوقيعَ عام كامل من المفاوضات، بحسب ما ذكره وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني، الذي أوضح أن مسودة الاتفاق أُعدت بمشاركة الدول الثلاث، مشدداً على أن هذا الإطار الثلاثي منفصل عن الاتفاقية الثنائية للدفاع المشترك التي أبرمتها الرياض وإسلام آباد في سبتمبر/ أيلول 2025.

الرياض تموّل، أنقرة تسلّح، إسلام آباد تردع… معادلة التكامل الثلاثي

بالنسبة إلى السعودية، يمثّل الاتفاق تتويجاً لتوجه استراتيجي نحو تنويع الشراكات الأمنية بعيداً عن الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة، عبر بناء منظومة ردع تقوم على شراكات مع قوى إقليمية. وبحسب مسؤولين سعوديين، فإن الهدف “دفاعي بحت”، ولا يهدف إلى تشكيل محور عسكري ذي طابع طائفي أو الانخراط في سباق تسلح.

أما تركيا، فتقدّم في هذه المعادلة خبرتها التكنولوجية والصناعية المتقدمة، خصوصاً في مجالي الطائرات المسيّرة والأنظمة البحرية، إضافة إلى ثقلها كعضو في حلف الناتو، وهو ما يمنح التحالف الجديد بعداً دولياً إضافياً. وقد سبق للرياض أن وقّعت عام 2023 عقداً لشراء طائرات مسيّرة تركية، في ما اعتُبر حينها أكبر صفقة تصدير دفاعي لأنقرة.

في المقابل، تحمل باكستان إلى التحالف قوة عسكرية كبيرة وخبرة عملياتية طويلة، وتشير تحليلات غربية إلى أن حيازتها السلاح النووي قد تُترجم عملياً إلى ما يشبه “مظلة ردع” ضمنية لحلفائها، وإن لم تُصَغ الاتفاقية بهذا الشكل رسمياً.

التهديدات التي تدفع كل طرف نحو التحالف

لا يمكن فهم توقيت “اتفاق مكة” بمعزل عن التهديدات الأمنية المباشرة التي تواجهها كل دولة من الدول الثلاث حالياً، والتي تختلف مصادرها لكنها تتقاطع جميعاً عند بُعد إقليمي مشترك.

فالسعودية تواجه، بحسب تقارير غربية، مرحلة أمنية غير مسبوقة في تاريخها الحديث، إذ باتت مهددة من اتجاهات متعددة في آن واحد: هجمات حوثية بالصواريخ والمسيّرات مدعومة إيرانياً استهدفت الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إضافة إلى ضربات استهدفت منشآت الطاقة داخل الأراضي السعودية نُسبت إلى ميليشيات موالية لطهران في العراق. ويرى محللون أمنيون سعوديون أن اختيار الجهات الوكيلة في الساحتين اليمنية والعراقية “تم بعناية”، بهدف مشترك هو تعطيل ممرات التصدير السعودية الفاعلة في وقت واحد، وذلك في أعقاب هجمات إيرانية مباشرة طالت مصافي ومحطات كهرباء ومجمعات بتروكيماوية سعودية في وقت سابق من الحرب.

أما تركيا، فتنظر إلى التصعيد المتصاعد مع إسرائيل باعتباره التهديد الأبرز على أمنها القومي. وقد حذّر الرئيس التركي من أن تصرفات إسرائيل في سوريا ولبنان لا تقتصر آثارها على الداخل، بل تمتد لتهدد استقرار المنطقة بأكملها، فيما اعتبر وزير الخارجية التركي أن أي تهديد لسوريا يُعد تهديداً مباشراً لأمن أنقرة. وتشير تقديرات إسرائيلية، بينها تقرير نشرته صحيفة “معاريف”، إلى أن تركيا باتت تُنظر إليها في تل أبيب باعتبارها تحدياً أمنياً أكبر من إيران، استناداً إلى التطور المتسارع في قدراتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية.

وتواجه باكستان بدورها جبهتين متزامنتين: تصعيداً عسكرياً مفتوحاً مع حركة طالبان الأفغانية منذ فبراير/ شباط 2026 على خلفية هجمات عبر الحدود تنفذها جماعات مسلحة، أبرزها “تحريك طالبان باكستان” و”جيش تحرير بلوشستان”، إضافة إلى توتر قائم مع الهند التي تتهمها إسلام آباد بدعم هذه الجماعات مالياً، وهو اتهام تنفيه نيودلهي. وحذّر خبراء دوليون من أن مواجهة إسلام آباد لأزمة أمنية على جبهتين في آن واحد تمثل “سيناريو كابوسياً” بالنسبة لباكستان.

ردود الفعل الإقليمية والدولية

جاء الرد الإيراني الأول سريعاً وانتقادياً؛ إذ اعتبر عضو في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان الإيراني، عبر منصة “إكس”، أن الاتفاق “لن يوفر الأمن” للرياض، مشبّهاً إياه بتجربة الاعتماد السابق على الولايات المتحدة. ويقرأ تحليل لشبكة “سي إن إن” الاتفاقيةَ بوصفها رسالة ردع موجهة ضمنياً إلى طهران، رغم تأكيد الأطراف الثلاثة أنها ليست موجهة ضد جهة بعينها.

أما على الصعيد الإسرائيلي، فتشير قراءات تحليلية عربية إلى أن الاتفاق يثير قلقاً في تل أبيب، إذ يضيف بُعداً نووياً باكستانياً ضمنياً إلى أي معادلة صراع إقليمي مستقبلي محتمل، فيما تحد العضوية التركية في الناتو من هامش المناورة الإسرائيلي تجاه أنقرة. ويُلاحظ في هذا السياق غياب مصر عن التحالف رغم علاقاتها الدفاعية الوثيقة مع كل من الرياض وأنقرة، وهو ما تُفسّره بعض التحليلات بحساسية العلاقة المصرية مع إسرائيل وتركيا في آن واحد.

الرهان الحقيقي على مستقبل اتفاقية مكة

بتوقيع هذا الاتفاق، تكون الرياض وأنقرة وإسلام آباد قد أرست أول إطار دفاعي جماعي بهذا الحجم في المنطقة، يجمع ما بين القدرة الصناعية والخبرة التكنولوجية والقوة النووية والعسكرية تحت مظلة واحدة. وهو ما يمنح الدول الثلاث أوراقاً استراتيجية جديدة في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، ويضعها في موقع أقوى للتأثير في موازين القوى الإقليمية مستقبلاً. ويبقى الرهان الحقيقي معلقاً على مجموعة من التساؤلات: إلى أي مدى سيغيّر هذا التحالف الثلاثي موازين القوى في منطقة تتقاطع فيها مصالح لاعبين إقليميين ودوليين كبار؟ وهل يبقى هذا التحالف الثلاثي إطاراً دفاعياً محصوراً بأطرافه، أم يتحوّل إلى نواة لمنظومة أمن إقليمي أوسع تنضم إليها قوى ودول أخرى؟ وهل تنجح الرياض وأنقرة وإسلام آباد في ترجمة هذا الإطار السياسي إلى قدرة ردع فعلية على الأرض؟