خلصت أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بحسب تقييم نشره معهد دراسة الحرب (ISW) في 2 أغسطس/ آب 2026، إلى أن روسيا زوّدت إيران بذخائر متسكعة من طراز “شاهد” (Shahed) بنسخة مطوّرة، إلى جانب معلومات استخباراتية للاستهداف استُخدمت في هجمات ضد القوات والأصول الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وفي حال تأكدت هذه المعطيات، فإنها تمثّل تصعيدًا لافتًا في الدعم العسكري الذي تقدّمه موسكو لطهران، بما يعزّز قدرات إيران على الضرب البعيد المدى ويزيد من التهديدات المحدقة بالقواعد الأمريكية والقوات المنتشرة والأصول الحليفة في المنطقة
ويشير التقييم، بحسب تقرير مجموعة “آرمي ريكوغنيشن”، إلى أن دور روسيا تجاوز مجرّد تزويد إيران بتقنية الطائرات المسيّرة، ليشمل توفير عناصر تشغيلية تُسهم في تحسين دقة الاستهداف والفعالية القتالية. ويعكس هذا التعاون العسكري المتنامي تقاربًا استراتيجيًا متزايدًا بين موسكو وطهران، ويسلّط الضوء على الدور المتوسّع لحرب الطائرات المسيّرة الشبكية في تشكيل ملامح النزاعات الإقليمية المقبلة.
ووفق التقييم الذي استند إلى تقارير استخباراتية أمريكية، نقلت روسيا إلى إيران تحسينات مُثبتة قتاليًا طوّرتها بفضل استخدامها الواسع لطائرات مشتقة من طراز “شاهد” (Shahed) الإيراني الصنع في أوكرانيا، إلى جانب تزويدها بمعلومات استخباراتية لدعم العمليات الإيرانية. ويمثّل هذا التعاون تطورًا مهمًا في الشراكة الدفاعية الروسية الإيرانية، إذ يجمع بين الذخائر المتسكعة المطوّرة والاستخبارات التشغيلية، بما قد يرفع فعالية الضربات الإيرانية بعيدة المدى ضد البنية التحتية العسكرية الأمريكية، ويعزّز المخاوف داخل البنتاغون وحلف شمال الأطلسي (الناتو) إزاء تنامي التكامل بين القدرات العسكرية للخصوم.
ويكشف هذا المعطى الاستخباراتي كيف تطوّرت العلاقة العسكرية بين روسيا وإيران لتصبح تبادلًا ثنائي الاتجاه للتقنية والخبرة التشغيلية. فبعد أن تلقّت روسيا ذخائر “شاهد-131″ و”شاهد-136” الإيرانية الصنع عقب غزوها لأوكرانيا، أسّست إنتاجًا محليًا لها تحت تسمية “جيران” (Geran)، وواصلت تطوير هذه المنظومات بالاستناد إلى الخبرة القتالية المتراكمة خلال آلاف الضربات بعيدة المدى التي نفّذتها ضد البنية التحتية العسكرية الأوكرانية ومراكز اللوجستيات ومستودعات الذخيرة ومراكز القيادة ومنشآت الطاقة الحيوية.
وتنتج الصناعة الروسية اليوم نسختين رئيسيتين مشتقتين من التصاميم الإيرانية، هما “جيران-1” (Geran-1) المستمدة من طراز “شاهد-131″ الأصغر حجمًا، و”جيران-2” (Geran-2) المشتقة من طراز “شاهد-136” الأكبر. ومع احتفاظ النسختين بالمفهوم الأيروديناميكي الأصلي القائم على طائرة انتحارية أحادية الاستخدام منخفضة الكلفة تعمل بمحرك مكبسي، فإنهما أدخلتا تحسينات على أنظمة الملاحة والبنية الإلكترونية وأساليب الإنتاج ومقاومة الحرب الإلكترونية، ما يجعلهما أكثر قدرة بشكل ملحوظ مقارنة بالنسخ الإيرانية الأولى.
وتُخصَّص طائرة “جيران-1” (Geran-1)، النسخة الروسية المحلية من “شاهد-131″، بشكل أساسي لتنفيذ ضربات تكتيكية وعملياتية ضد محطات الرادار ومراكز القيادة ومنشآت اللوجستيات ومواقع المدفعية ومنظومات الدفاع الجوي. وتشير تقييمات مفتوحة المصدر إلى أن هذه الذخيرة المتسكعة تحمل رأسًا حربيًا شديد الانفجار مجزّأ يتراوح وزنه بين 10 و20 كيلوغرامًا، بمدى تشغيلي يقارب 700 إلى 900 كيلومتر، وقدرة على البقاء في الجو لأربع إلى خمس ساعات بحسب طبيعة المهمة. وتعمل الطائرة بمحرك مكبسي خلفي يُدير مروحة دافعة، وتحلّق بسرعة تقارب 150 إلى 180 كيلومترًا في الساعة، بما يتيح للقوات الروسية تنفيذ هجمات إشباعية منخفضة الكلفة تهدف إلى إرهاق منظومات الدفاع الجوي المعادية عبر الكثافة العددية لا السرعة.
أما طائرة “جيران-2” (Geran-2) الأكبر حجمًا، فقد باتت السلاح الرئيسي للضربات بعيدة المدى الذي تعتمده روسيا طوال الحرب في أوكرانيا. ويبلغ طولها نحو 3.5 أمتار، بجناح دلتا يمتد 2.5 متر، ووزن إقلاع يقارب 200 كيلوغرام، وتحمل عادة رأسًا حربيًا شديد الانفجار يتراوح وزنه بين 40 و50 كيلوغرامًا، رغم أن تقييمات استخباراتية أوكرانية عدة تشير إلى أن النسخ الروسية الأحدث قد تحمل حمولات تقترب من 90 كيلوغرامًا بحسب تشكيلة المهمة. وتشير تقديرات مفتوحة المصدر إلى أن مداها التشغيلي يتراوح بين 1500 و2500 كيلومتر، فيما تُقدَّر مدة تحمّلها بثماني إلى اثنتي عشرة ساعة، بما يتيح تنفيذ ضربات عميقة ضد أهداف استراتيجية. وتحلّق الطائرة بسرعة تقارب 170 إلى 190 كيلومترًا في الساعة، متبعة مسارات ملاحية مبرمجة مسبقًا قبل أن تنقضّ على هدفها المحدد.
ومقارنة بطراز “شاهد-136” (Shahed-136) الإيراني الأصلي، يُعتقد أن النسخ الروسية الحالية من “جيران-2” (Geran-2) تتضمن العديد من التحسينات المستمدة من التجربة القتالية. وتشير تحليلات الحطام المستعاد في أوكرانيا والتقييمات التقنية الغربية إلى تعديلات تشمل مستقبلات ملاحة عبر الأقمار الصناعية أكثر مقاومة قادرة على دمج إشارات نظام “غلوناس” (GLONASS) إلى جانب نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، إضافة إلى أنظمة ملاحة قصورية مطوّرة، وحواسيب تحكم طيران مُنقَّحة، وهوائيات مضادة للتشويش محسّنة، وبنية إلكترونية مُعاد تصميمها، وبرمجيات طيران معزّزة، وتعديلات تصنيعية تُبسّط الإنتاج التسلسلي مع تحسين الموثوقية. كما تُظهر النماذج المُستعادة حديثًا استخدامًا متزايدًا للإلكترونيات الروسية محليّة الصنع، بهدف تقليص الاعتماد على المكوّنات المستوردة وتعزيز مرونة الإنتاج رغم العقوبات الدولية.
وقد أثبتت الخبرة القتالية أهمية موازية للتحسينات الهندسية. فبعد إطلاق آلاف طائرات “جيران” (Geran) خلال حملات ضربات مستمرة ضد أوكرانيا، جمعت القوات الروسية بيانات تشغيلية واسعة حول مسارات الطيران المثلى وهجمات الأسراب المنسّقة وأنماط الاختراق المنخفض الارتفاع وإجراءات مواجهة الحرب الإلكترونية وأساليب إشباع الشبكات الدفاعية الجوية متعددة الطبقات. وقد حوّلت هذه الدروس الميدانية عائلة “جيران” من نسخة محلية لتصميم إيراني إلى سلاح ضربات بعيدة المدى مُثبت كفاءته قتاليًا، ما زال يتطور عبر التغذية الراجعة التشغيلية.
ووفق التقييم الاستخباراتي الأمريكي الذي استشهد به معهد دراسة الحرب، يُعتقد أن بعضًا من هذه التحسينات الروسية قد نُقل مجددًا إلى إيران. فبدلًا من تشغيل النسخة الأصلية من “شاهد-136″، يُعتقد أن طهران استخدمت نسخًا تتضمن التعديلات الروسية التي طُوّرت خلال النزاع الأوكراني. وفي حال تأكدت هذه المعطيات، فإنها تمثّل حلقة تغذية راجعة تقنية مكتملة، إذ عادت طائرات مسيّرة إيرانية التصميم زُوّدت بها روسيا إلى إيران بعد أن تعزّزت قدراتها بشكل ملحوظ خلال استخدامها المكثّف في زمن الحرب.
ولعل ما يفوق أهمية الجانب التقني ذاته هو عنصر تبادل الاستخبارات المُبلَّغ عنه. فبحسب مسؤولين أمريكيين، ربما تكون روسيا قد زوّدت إيران بمعلومات استخباراتية للاستهداف دعمًا للضربات الإيرانية ضد المنشآت العسكرية الأمريكية والأصول الاستراتيجية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. فالوصول إلى الاستطلاع عبر الأقمار الصناعية والاستخبارات الإشارية والتحليل التشغيلي والمعلومات التفصيلية بشأن انتشار القوات الأمريكية قد يُحسّن بشكل كبير فعالية عمليات الطائرات المسيّرة البعيدة المدى دون الحاجة إلى تعديلات جوهرية على الطائرات ذاتها. ففي عمليات الضربة الدقيقة الحديثة، كثيرًا ما تحدّد جودة استخبارات الاستهداف نجاح المهمة بقدر ما تحدّده قدرات السلاح المُستخدم نفسه.
ويشير هذا التعاون المُبلَّغ عنه أيضًا إلى أن الحملات الإيرانية المستقبلية بالطائرات المسيّرة قد تستغل بشكل متزايد تقنيات متقدمة للتخطيط للمهام، تدمج الصور الساتلية ورسم الخرائط الرقمي للتضاريس والاستخبارات الإلكترونية وتحليل الأهداف بمساعدة الذكاء الاصطناعي. ويمكن للتخطيط المدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يُحسّن مسارات الطيران، ويحدّد الثغرات في التغطية الدفاعية الجوية المتكاملة، ويوصي بالتوقيت الأمثل للهجوم، ويُحسّن أولويات الاستهداف تبعًا للظروف التشغيلية المتغيّرة. وعند اقتران هذه التقنيات بذخائر متسكعة منخفضة الكلفة نسبيًا، يمكنها أن ترفع فعالية الضربات بشكل ملحوظ مع تعقيد عملية التخطيط الدفاعي للقوات الأمريكية والحليفة.
وبالنسبة إلى البنتاغون، تثير هذه المعطيات الاستخباراتية مخاوف من أن تصبح الهجمات الإيرانية المستقبلية بالطائرات المسيّرة أكثر تطورًا بكثير من الحملات السابقة. فبدلًا من الاعتماد حصرًا على الذخائر المتسكعة المُنتَجة بكميات كبيرة، يمكن لطهران أن تجمع بين تقنية الطائرات المسيّرة المطوّرة والخبرة الميدانية التي اكتسبتها روسيا أثناء مواجهتها لواحدة من أكثر بيئات الدفاع الجوي تحصينًا في العالم. ومن شأن هذا التعاون أن يرفع احتمالات تحقيق الهجمات المستقبلية آثارًا تشغيلية ضد القواعد الأمريكية ومراكز القيادة ومحاور اللوجستيات ومستودعات الذخيرة والبنية التحتية البحرية وغيرها من المنشآت العسكرية عالية القيمة المحمية بمنظومات دفاع جوي متقدمة.
كما يعكس هذا التطور تعمّق التكامل الاستراتيجي بين روسيا وإيران. فما بدأ كدعم إيراني للعمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، تحوّل إلى شراكة دفاعية تبادلية تشمل نقل التقنية والتعاون الصناعي والعقيدة التكتيكية والخبرة التشغيلية، وربما تبادل الاستخبارات أيضًا. وتستفيد روسيا من الوصول إلى مورّد موثوق قادر على إنتاج كميات كبيرة من الطائرات المسيّرة بعيدة المدى منخفضة الكلفة، فيما تحصل إيران على تحديث مستمد من أوسع استخدام مستدام للذخائر المتسكعة في الحروب المعاصرة.
ومن الناحية التشغيلية، يُعدّ أحد أبرز إسهامات روسيا تحويل عائلة “جيران” (Geran) إلى قدرة ضربة دقيقة بمستوى صناعي. ويُعتقد أن منشآت الإنتاج الروسية قادرة الآن على تصنيع عدة آلاف من طائرات “جيران” سنويًا، مع دمج مستمر للدروس الميدانية في الدفعات الإنتاجية المتعاقبة. وتتيح دورة التكيّف السريعة هذه إدخال تحسينات على الملاحة ومقاومة الحرب الإلكترونية وكفاءة الإنتاج وبرمجيات التوجيه والتكتيكات القتالية خلال أشهر بدلًا من سنوات. وفي حال استمرار تدفّق هذه الابتكارات إلى صناعة الطائرات المسيّرة الإيرانية، فقد توسّع طهران بشكل كبير فعالية ونطاق عمليات الضربات بعيدة المدى المستقبلية.
وبالنسبة إلى الناتو وصنّاع القرار الدفاعي الأمريكي، يُظهر هذا التعاون المُبلَّغ عنه كيف باتت الدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا تؤثر بشكل متزايد على التطورات العسكرية في مناطق تتجاوز أوروبا بكثير. ويبدو أن خبرة روسيا في الإنتاج الصناعي للطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية واختراق الدفاعات الجوية وعمليات الضربة الدقيقة بعيدة المدى قادرة الآن على تعزيز القدرات العسكرية الإيرانية في الشرق الأوسط. ويخلق هذا التبادل الناشئ للتقنية والخبرة التشغيلية بيئة تهديد أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى القوات الأمريكية وشبكات الدفاع الجوي الحليفة والمجموعات المهمّاتية البحرية والقواعد الأمامية في المنطقة.
واستراتيجيًا، تؤكد هذه المعطيات الاستخباراتية أن النزاعات المستقبلية ستشهد على الأرجح شراكات متزايدة التكامل بين خصوم الولايات المتحدة بدلًا من قدرات عسكرية وطنية منعزلة. فالحرب الحديثة لم تعد تُعرَّف فقط بنقل الأسلحة، بل أيضًا بتبادل البيانات التشغيلية والاستهداف بمساعدة الذكاء الاصطناعي والاستخبارات الساتلية وخبرة الحرب الإلكترونية وتقنيات التصنيع الصناعي. وبالنسبة إلى البنتاغون والناتو، سيتطلّب مواجهة هذا التهديد المتطور استثمارًا متواصلًا في منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات وقدرات الحرب الإلكترونية وشبكات الكشف المدعومة بالذكاء الاصطناعي والأنظمة المتكاملة لمواجهة الطائرات المسيّرة القادرة على التصدي لهجمات الذخائر المتسكعة المتطورة بشكل متزايد.






