ترسانة الرعب النووي…غواصات روسيا النووية الحاملة للصواريخ الباليستية “تتدثّر” بشباك مضادة للمسيرات

تشير صور الأقمار الصناعية الحديثة إلى أن البحرية الروسية باتت تستخدم شباكاً لحماية غواصاتها من هجمات المسيّرات في قاعدة بالغة الأهمية الاستراتيجية تقع على شبه جزيرة كامتشاتكا (Kamchatka) في أقصى شرق البلاد. كما تظهر ,على اتخاذ القوات الروسية خطوات جديدة مماثلة في قاعدة منفصلة على البحر الأسود، بهدف درء التهديدات الجوية غير المأهولة عن الغواصات هناك أيضاً. ويكشف ظهور الشباك فوق الغواصات في قاعدة كامتشاتكا مدى اتساع دائرة قلق موسكو من تهديد المسيّرات، بحيث باتت تطال منشآت حيوية بعيدة جداً عن ساحات المعارك في أوكرانيا.

حصلت “تي دبليو زد” (TWZ) على الصور التي تُظهر الشباك المنصوبة فوق غواصات في قاعدة البحرية الروسية في ريباتشي (Rybachiy)، من شركة فانتور (Vantor)، وفق ما تؤكده المجلة الأميركية. وتُعدّ ريباتشي الميناء الأم لغالبية غواصات طراز “بوري” (Borei) و”بوري-إيه” (Borei-A) النووية الحاملة للصواريخ الباليستية العاملة في الخدمة الروسية حالياً، إلى جانب استضافتها عدداً من غواصات الصواريخ الموجّهة والغواصات الهجومية الأخرى التابعة لأسطول المحيط الهادئ الروسي.

وتُظهر صور فانتور لقاعدة ريباتشي الملتقطة في 4 أغسطس/ آب 2026 عدة أنواع من الغواصات مغطاة بالكامل بالشباك، بما يتطابق إلى حدّ بعيد مع نمط الشباك التي استخدمتها القوات الروسية في أوكرانيا وما حولها كإجراء مضاد لهجمات المسيّرات الانتحارية، سواء أكانت ضد أهداف برية أو في المياه. وقد شوهدت شباك مشابهة تستخدمها قوات مسلحة أخرى حول العالم في السياق ذاته.

وبحسب صور إضافية من فانتور، يبدو أن القوات الروسية في ريباتشي بدأت باستخدام هذه الشباك منذ مايو/ أيار 2026، إذ تُظهر صور مايو/ أيار وأغسطس/ آب استخدام (crane barges) للمساعدة في نصب الشباك حول الغواصات في مراسيها.

وكحاشية على الموضوع، تُظهر الصور أيضاً وجود حواجز عائمة (floating booms) ممدودة حول أرصفة ريباتشي، وهو أمر بات شائعاً في قواعد بحرية روسية عدة، ويمكن أن يوفّر حاجزاً إضافياً ضد تهديدات معينة على السطح أو قربه، خصوصاً زوارق المسيّرات الانتحارية المفخخة.

وفي يوم الثلاثاء، نشرت وزارة الدفاع البريطانية صوراً إضافية من فانتور لقاعدة البحرية الروسية في نوفوروسيسك (Novorossiysk) على البحر الأسود، مؤرخة في 13 يونيو/ حزيران 2026. وتُظهر الصور عدة غواصات هجومية من طراز “كيلو” (Kilo) وهي غاطسة جزئياً داخل الميناء، فيما تبدو ثلاث منها مزودة بأقفاص درع مضادة للمسيّرات فوق أبراج قيادتها.

ونقلت التقييمات البريطانية المرافقة للصور، الصادرة في وقت سابق من هذا الأسبوع، أن “أسطول البحر الأسود الروسي زوّد ثلاثاً من غواصاته الأربع من طراز ‘كيلو’ بأقفاص مضادة للأنظمة الجوية غير المأهولة تغطي أبراج قيادة السفن، تطبيقاً لإجراء وقائي رداً على تنامي قدرة أوكرانيا على ضرب أهداف أبعد عن خط الجبهة”. وأضاف التقييم، وفق ما تؤكده وزارة الدفاع البريطانية، أن تحليل صور الأقمار الصناعية التجارية المؤرخة 13 يونيو/ حزيران 2026 كشف عن أنّ ثلاث غواصات فكّت مراسيها الجزئية وغطست داخل الحوض، مع بقاء أبراج قيادتها فوق سطح الماء، وهو ما يفسر الحاجة إلى قفص الحماية المضاد للمسيّرات.

وبحسب التقييم البريطاني ذاته، فإن الغواصة الرابعة، التي لم تُزوَّد بقفص مضاد للأنظمة غير المأهولة، فكّت حبال ربطها وابتعدت عن السفن السطحية القريبة وغاصت داخل الميناء، وهو ما “يشير على الأرجح إلى أنها حظيت بأولوية أدنى مقارنة بالغواصات الثلاث الأخرى”.

وقد تركت التهديدات المتنامية للأنظمة الجوية غير المأهولة، إلى جانب الزوارق السطحية غير المأهولة (USV)، أثراً واضحاً في استحداث قدرات دفاعية جديدة ووضعيات حماية القوات في القواعد البحرية الروسية ومنشآت أخرى، لا سيما في المواقع الأقرب جغرافياً إلى أوكرانيا.

وتواصل القوات الأوكرانية توسيع مساحة الأهداف التي يمكنها تهديدها، براً وبحراً، باستخدام الأنظمة غير المأهولة والصواريخ التقليدية على حد سواء. وتستخدم أوكرانيا حالياً ترسانتها المتنوعة من المسيّرات الانتحارية بعيدة المدى والصواريخ الجناحية لضرب أهداف عبر مساحات واسعة من غرب روسيا، بما فيها محيط العاصمة موسكو، بوتيرة شبه يومية.

ويُذكر أن أوكرانيا طوّرت زوارق مسيّرة سطحية قادرة على إطلاق أنظمة جوية غير مأهولة انتحارية، جامعة بذلك بين قدرتين ما يخلق نواقل تهديد إضافية تواجهها القوات الروسية. إضافة إلى ذلك، باتت أوكرانيا قادرة على ضرب أهداف متحركة باستخدام مسيّرات بعيدة المدى مزوّدة بمحطات اتصال عبر الأقمار الصناعية مصغّرة، ما يُبقي حتى السفن غير الراسية في وضع خطر، وهو ما سلّطت عليه أوكرانيا الضوء في الأشهر الأخيرة عبر استهداف سفن الإمداد اللوجستي الروسية في بحر آزوف، في حملة آخذة بالتسارع والتوسع.

وكما هو واضح، فإن ظهور الشباك في ريباتشي، الواقعة على بعد آلاف الأميال عن أوكرانيا، يعكس مدى اتساع رقعة تهديد المسيّرات. ولا يقتصر الأمر على الضربات بعيدة المدى وحدها؛ فهجمات عملية “شبكة العنكبوت” الأوكرانية غير المسبوقة على قواعد جوية روسية العام الماضي، أبرزت مخاطر الهجمات القريبة المطلقة من عمق الأراضي المعادية قرب أهدافها الفعلية، وقد شملت القواعد المستهدفة في تلك العملية السرية مواقع في أقصى شرق روسيا. كما شنّت القوات الأوكرانية هجمات على سفن مرتبطة بروسيا في البحر الأبيض المتوسط.

ولا تقتصر التهديدات الجوية غير المأهولة على سياق الحرب في أوكرانيا وتداعياتها في أوروبا، إذ كانت المسيّرات عاملاً رئيساً في النزاع مع إيران هذا العام، إضافة إلى أزمات أخرى في الشرق الأوسط ومحيطه في السنوات الأخيرة.

ومع انخفاض عتبة الدخول إلى هذا المجال، تزداد تهديدات المسيّرات انتشاراً على مستوى العالم، مع تناميها لتصل إلى قدرات أكثر تطوراً حتى لدى قوات مسلحة تابعة لدول أصغر حجماً وجهات من غير الدول. وبالنسبة للحكومة الأميركية، باتت الدفاعات المضادة للمسيّرات، بهدف حماية المنشآت العسكرية والبنى التحتية الحيوية الأخرى داخل الأراضي الأميركية وحماية القوات في الخارج على حد سواء، أولوية رئيسة، إلا أن السلطات الأميركية لا تزال، من نواحٍ عدة، متأخرة في مواجهة هذه المخاطر الجدّية القائمة أصلاً.

وإجمالاً، يعكس توسّع الدفاعات المضادة للمسيّرات حول الغواصات في قاعدتَي البحرية الروسية في ريباتشي ونوفوروسيسك تهديدات آنية جداً نابعة من أوكرانيا، لكنه يشكّل أيضاً مؤشراً على اتجاهات أوسع على الصعيد العالمي. ومن المرجح أن تستمر إجراءات مماثلة لحماية القوات في الظهور في مواقع أخرى، وليس فقط داخل روسيا.