تتجه شركتا “دييل ديفنس” (Diehl Defence) الألمانية و”بي إيه إي سيستمز” (BAE Systems) البريطانية نحو تأهيل ذخيرة “فولكانو” الموجهة من عيار 127 ملم للعمل على متن مدفع “إم كيه 45 مود 4” (Mk 45 Mod 4) البحري، إلى جانب دراسة إمكانية دمج صواريخ “آيريس-تي” (IRIS-T) ضمن منظومات الإطلاق التابعة لـ”بي إيه إي سيستمز”. وأُعلن عن هذا التوجه في 3 أغسطس/ آب 2026، في خطوة قد تمنح البحرية الأمريكية وحلف الناتو والدول الشريكة مدى نيران أبعد للبحرية، إضافة إلى خيار أوروبي جديد للدفاع الجوي المحمول على السفن.
يهدف العمل على الذخيرة إلى توسيع مدى وفعالية مدفع بحري واسع الانتشار، في حين تسعى دراسة الصواريخ إلى تقييم إمكانية تكييف أحد إصدارات “IRIS-T” لمواجهة التهديدات البحرية. ولم تُعلن الشركتان بعد عن أي عقد أو برنامج سفن محدد أو جدول زمني للدمج، غير أن التعاون يعكس تصاعد الطلب على قوة نيران بحرية أقوى ودفاع جوي متعدد الطبقات.

“إم كيه 45 مود 4″… مدفع بحري يبحث عن مدى أبعد
“إم كيه 45 مود 4” مدفع بحري آلي من عيار 127 ملم بطول ماسورة يبلغ 62 ضعف قطر الفوهة، أي نحو 7.87 مترًا، وهو ما يميزه عن الطرازات الأقدم ذات الماسورة الأقصر البالغة 54 ضعف القطر. ويتميز الطراز بماسورة أطول وقاعدة تركيب معززة ونظام تحكم رقمي، إلى جانب تعديلات صُممت بهدف استيعاب ذخائر تولّد طاقة إطلاق أعلى بنحو 50 في المئة. وتشير بيانات البحرية الأمريكية إلى معدل إطلاق يتراوح بين 16 و20 طلقة في الدقيقة انطلاقًا من مُغذٍّ آلي سعته 20 طلقة. ويبلغ مدى الذخيرة التقليدية 13 ميلًا بحريًا، أي نحو 24 كيلومترًا، في حين تؤكد “بي إيه إي سيستمز” أن الذخائر الخاصة يمكن أن يتجاوز مداها 20 ميلًا بحريًا، أي 36 كيلومترًا. وتختلف سعة المخزن بحسب السفينة، إذ تحمل مدمرات “آرلي بيرك” (Arleigh Burke) الأمريكية حتى 600 طلقة تقليدية من عيار 127 ملم، بينما صُممت طرادات “تيكونديروغا” (Ticonderoga) لحمل 1200 طلقة موزعة على مدفعين. وتكمن الميزة الرئيسية لهذا النوع من المدافع مقارنة بالصواريخ في قدرة السفينة على حمل مئات القذائف وخوض اشتباكات متكررة من دون استهلاك خلايا الإطلاق الرأسي المحدودة.
مجموعة “فولكانو 127″… دقة موجهة بمدى يصل إلى 80 كيلومترًا
تشكّل مجموعة “فولكانو 127″، التي طوّرتها دييل ديفنس بالشراكة مع ليوناردو، مساهمة الشركة الألمانية الرئيسية في هذا التعاون، وتضم نسختين: النسخة الباليستية بعيدة المدى (Ballistic Extended Range) غير الموجهة، والنسخة الموجهة بعيدة المدى (Guided Long Range). وتعتمد القذيفة الموجهة على ملاحة قصورية مدعومة بالأقمار الصناعية للطيران نحو إحداثيات مبرمجة مسبقًا، ويمكن تزويدها بخيارات توجيه نهائي، إذ أهّلت دييل باحثًا شبه فعّال بالليزر لاستهداف أهداف مضاءة بمؤشر خارجي، وباحثًا بالأشعة تحت الحمراء البعيدة للاكتساب النهائي المستقل، مع توفر تهيئة انفجار على ارتفاع محدد لتحقيق تأثيرات مساحية. أما الرأس الحربي فمتعدد الأغراض وغير حساس، ويحتوي على شظايا “تنغستن” tungsten مسبقة التشكيل، ويُستهدف به الأفراد والمركبات غير المحمية أو خفيفة الحماية والمواقع الميدانية والبنية التحتية. ويسمح التصميم دون العيار المنخفض المقاومة للهواء لدييل بالإعلان عن مدى أقصى يبلغ 80 كيلومترًا انطلاقًا من مدفع عيار 127 ملم، علمًا بأن هذا الرقم يمثل مدى تصميميًا أعلى وليس مسافة اشتباك مضمونة في كل الظروف، إذ تبقى الدقة والتأثير النهائي مرهونين بمسار القذيفة والأحوال الجوية وخطأ تحديد موقع الهدف وتوافر التوجيه ونوع الصمامة أو الباحث المختار.
ألمانيا سبقت الطريق مع “F125″… لكن “Mk 45” يمثل تحديًا مختلفًا
استكملت ألمانيا بالفعل جزءًا كبيرًا من عمليات تأهيل ذخيرة “فولكانو”، لكن ذلك اقتصر على مدفع “127/64 لايتويت” (127/64 Lightweight) الذي طورته ليوناردو، والمُركّب على الفرقاطات الأربع من طراز “F125”. وخلال اختبارات القبول قبالة أندويا في النرويج عام 2022، أطلقت الفرقاطة “راينلاند بفالتس” (Rheinland-Pfalz) عدة قذائف موجهة على منطقة هدف تبعد نحو 30 كيلومترًا. ووفق ما أكده الجيش الألماني، سقطت القذائف على بعد أمتار قليلة من بعضها بالقرب من نقطة التصويب المحددة، وهو ما أثبت سلامة عمليات مناولة الذخيرة وبرمجتها وإطلاقها ودقتها في ظروف تشغيلية فعلية. وكان من المتوقع أن تستمر عملية الشراء الألمانية حتى نهاية عام 2026. ورغم أن هذه التجربة تقلل المخاطر المرتبطة بالقذيفة ووحدة التوجيه وسلسلة الإمداد اللوجستي الألمانية، فإنها لا تعني تلقائيًا تأهيل “فولكانو” للعمل مع “Mk 45″، إذ يمتلك مدفع “بي إيه إي سيستمز” نظام تلقيم وهندسة غرفة احتراق وواجهة ذخيرة ومعمارية تحكم نيراني مختلفة تمامًا. لذلك، لا بد من حملة تأهيل جديدة تتناول أبعاد القذيفة والشحنات الدافعة ومنحنيات الضغط وأحمال الارتداد والمناولة الآلية وبرمجة الصمامة والتوجيه، إضافة إلى تآكل الماسورة وواجهات البرمجيات والتشغيل الآمن ضمن حدود ارتفاع المدفع وزاويته.
في حال نجاح هذا العمل، ستحصل الدول المستخدمة لمدفع “Mk 45” على خيار هجوم بري موجه بمدى يعادل نحو ثلاثة أضعاف مدى الذخيرة الأمريكية التقليدية المعلن عنه. فعند مدى 80 كيلومترًا، تستطيع الفرقاطة ضرب مراكز المراقبة الساحلية ومواقع الرادار ومرافق القيادة ونقاط الذخيرة أو المركبات من دون الاقتراب من الساحل بالقدر الذي يتطلبه الإطلاق التقليدي. ويتيح التوجيه شبه الفعّال بالليزر تصحيحًا نهائيًا في مواجهة هدف متحرك أو قابل للانتقال معلَّم مسبقًا، شريطة استمرار طائرة أو منظومة جوية مسيّرة أو مراقب أرضي أو فريق عمليات خاصة في تثبيت أشعة التصويب. في المقابل، قد يقلل التوجيه بالأشعة تحت الحمراء البعيدة من الاعتماد على الإضاءة الخارجية المستمرة، لكنه يتطلب قدرة موثوقة على تمييز الهدف في البيئات الساحلية المزدحمة. ومع ذلك، لن تحل هذه الذخيرة محل الصواريخ المضادة للسفن أو صواريخ الهجوم البري، إذ يحد رأسها الحربي الأصغر من فعاليتها ضد الهياكل المحصنة والسفن الحربية الكبيرة، فيما تكمن قيمتها الأساسية في توفير اشتباكات دقيقة أكثر عددًا وأقل قوة تدميرية، مع الإبقاء على الصواريخ باهظة الثمن لأهداف تتطلب مدى أو اختراقًا أو تأثيرًا تدميريًا أكبر.
“IRIS-T” على متن السفن… فكرة أقل نضجًا وأكثر تعقيدًا هندسيًا
يظل الجانب الخاص بصواريخ “IRIS-T” أقل نضجًا من الناحية الهندسية ويحمل تساؤلات أكثر عن التنفيذ. وتضم مجموعة دييل الحالية صاروخ “IRIS-T SLS” قصير المدى، المستند إلى صاروخ جو-جو القياسي مزودًا بباحث بالأشعة تحت الحمراء المصورة ووصلة بيانات وتحكم بمتجه الدفع، إضافة إلى صاروخ “IRIS-T SLM” الأكبر حجمًا. وتمنح دييل النسخة الأحدث من “SLS” مدى اشتباك يبلغ 12 كيلومترًا وتغطية ارتفاع تصل إلى 6 كيلومترات، في حين تشير بيانات “SLM” الحالية إلى مدى يصل إلى 60 كيلومترًا وارتفاع يبلغ 20 كيلومترًا. غير أنه لا يمكن نقل هذه الأرقام البرية مباشرة إلى بيئة بحرية، إذ يتطلب الدمج البحري حاوية إطلاق محكمة الإغلاق وحماية من التآكل واختبارات توافق كهرومغناطيسي وتأهيلًا للصدمات والاهتزازات، إضافة إلى إدارة آمنة للعادم وبرمجيات تحكم بمنصة الإطلاق وربط بمنظومة الرصد والرادار ونظام إدارة القتال الخاص بالسفينة. وتنتج “بي إيه إي سيستمز” منظومة الإطلاق الرأسي “Mk 41” المُركّبة تحت سطح السفينة، إلى جانب منظومة “أدابتابل ديك لونشينغ سيستم” ثابتة الزاوية، لكن مذكرة التفاهم لا تحدد اختيار أي منهما. وتتوافق هذه المنظومة الأخيرة مع حاويات من نوع “Mk 41″، وسبق أن أطلقت صاروخ “إيفولفد سي سبارو” خلال الاختبارات، ما يجعلها خيارًا وثيق الصلة تقنيًا لا حلًا مؤكدًا.






