10 آلاف قمر أمريكي في مرمى الخصوم… قائد قيادة الفضاء الأمريكية يدق ناقوس الخطر

تتسابق كل من الصين وروسيا حالياً والولايات المتحدة في مجال الأسلحة فرط الصوتية العاملة فعلياً، وها هي واشنطن تكتشف اليوم فجوة، تتمثل هذه المرة في القدرات المضادة للأقمار الصناعية، وهو مجال باتت الإدارة الأمريكية تعترف علناً بالحاجة الملحّة للّحاق بمنافسيها فيه.

وإلى جانب مبادرة الدرع الصاروخي “القبة الذهبية” (Golden Dome)، والجهود الجارية لتسريع إنتاج 14 منظومة سلاح حيوية، رفعت الولايات المتحدة ملف “النيران الفضائية المتكاملة” (Integrated Space Fires) إلى مصاف أولى أولوياتها القتالية.

وفي كلمة ألقاها الجنرال ستيفن ويتينغ، قائد قيادة الفضاء الأمريكية، خلال ندوة الدفاع الصاروخي والفضائي (SMD) السنوية في مدينة هنتسفيل بولاية ألاباما، دعا صراحةً إلى تطوير قدرات جديدة في مجال “النيران الفضائية المتكاملة”، تشمل خيارات حركية وغير حركية على حد سواء، مشدداً على ضرورة امتلاك واشنطن وسائل “معلنة وموثوقة” لإلحاق الضرر بالأصول الفضائية المعادية، بل وتدميرها، في حال اندلاع حرب في المدار.

وقال ويتينغ: “من أوسع زاوية ممكنة، ربما تكون أهم سمة في البنية الفضائية الأمنية القومية المتجاوبة والقابلة للتكيف، التي دعا إليها الأمر التنفيذي الرئاسي لضمان التفوق الفضائي الأمريكي، هي أن قابلية البقاء لا تقل أهمية عن الأداء، بل تفوقه”.

وأضاف: “لا يوجد ملاذ آمن في الفضاء. لا يمكنك حفر خندق أو بناء درع. أقمارنا الصناعية موجودة باستمرار، وبشكل يمكن التنبؤ به، داخل منطقة اشتباك أسلحة الخصم. وبإمكاننا بناء أرقى الأقمار الصناعية وأكثرها تطوراً في التاريخ البشري، لكن إذا كانت تعتمد على بنية تحتية داعمة هشة وقابلة للاستهداف، فإن أداءها سينهار إلى الصفر في اليوم الأول من الحرب المقبلة”.

وفيما شدد ويتينغ على هشاشة الأصول الفضائية الأمريكية، سلّط الضوء أيضاً على القدرات الصينية المتصاعدة في هذا المجال، موضحاً أن بكين تمتلك صواريخ اعتراض مباشر مضادة للأقمار الصناعية (DA-ASAT)، وأسلحة ليزر أرضية، وأجهزة تشويش، وأقماراً صناعية مزدوجة الاستخدام قادرة على المناورة.

وقال: “تهدف هذه التطورات إلى تقويض تفوقنا الفضائي الحالي، ويمكن أن تمنح الصين ميزة في المناورة والإمداد اللوجستي في الفضاء، وهو أمر لن نقبله لا على الأرض، ولا في البحر، ولا في الجو”.

وأكد القائد الأمريكي أن امتلاك قدرات هجومية في الفضاء بات ضرورة حتمية في المرحلة الراهنة، قائلاً: “قابلية البقاء في الفضاء ليست ترفاً أو أمراً مرغوباً فيه فحسب، بل هي حاجة لا بد منها”.

الأولويات الخمس لقيادة الفضاء الأمريكية حتى عام 2033

كما حدد ويتينغ خمسة مجالات ذات أولوية ينبغي أن تركز عليها قيادة الفضاء الأمريكية (SPACECOM) خلال الفترة الممتدة من عام 2029 إلى عام 2033، للحفاظ على تفوقها في المدار، مؤكداً: “هذه ليست مجرد قائمة أمنيات، بل إشارة طلب واضحة موجهة إلى عدة جهات، تصف القدرات القتالية التي نحتاجها لتحقيق مهمتنا”.

أولاً- النيران الفضائية المتكاملة: ويقصد بها قيادة الفضاء الجمع بين القدرات الهجومية الحركية وغير الحركية بهدف “ردع التهديدات المدارية”. وقال ويتينغ: “نحن قيادة قتالية، ونحارب لننتصر في الحروب. وللفوز، نحتاج إلى نيران حركية وغير حركية معلنة وموثوقة. فهي عنصر أساسي في كيفية ترسيخ تفوقنا الفضائي واستعادة مصداقية الردع”.

ثانياً- تقنيات مواجهة الأقمار المنتشرة في المدار الأرضي المنخفض (Counter-pLEO): يشير هذا المصطلح إلى آلاف الأقمار الصناعية المتمركزة في هذا المدار، بما فيها ما يقارب 10 آلاف قمر صناعي تابع لشركة “سبيس إكس”. وتعمل الصين وروسيا تدريجياً على إطلاق مئات الأقمار في المدار الأرضي المنخفض هما الأخريان، إذ سيمتلك معظم الدول مستقبلاً أكبر تجمعات أقمارها الصناعية في هذا المدار بالتحديد، ما يستوجب حماية هذه الأصول ومواجهة أقمار الخصم في آن واحد. وقال ويتينغ: “لا أريد أن تتعرض أي قوة أمريكية للخطر لمجرد أنّ جهة أخرى تمتلك تجمعاً من الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض قادراً على رصدها وتحديد موقعها واستهدافها”.

ثالثاً- القيادة والسيطرة الفضائية المشتركة والمتكاملة: وتعني القدرة على الإشراف على العمليات الفضائية المعقدة وتنظيمها وإدارتها. وأوضح ويتينغ: “يجب أن نعزز الاتصال بين الأنظمة الآلية لدعم صنع القرار وإدارة المعارك في هذه المواجهة الفضائية العالمية، ضمن أطر زمنية ملائمة تكتيكياً”.

رابعاً- الوعي الموقفي المخصص للمجال الفضائي: إذ يُعد تحسين الوعي الظرفي في الفضاء عاملاً أساسياً لنجاح العمليات الدفاعية والهجومية على حد سواء، على أن يتوسع هذا الوعي ويتطور ليشمل كامل نطاق العمليات الفضائية، لا قطاعاً واحداً منها فقط، بحسب ويتينغ، الذي قال: “يجب أن نتبنى عقلية “المسار عالي الدقة الصالح للاستهداف” في كل ما نقوم به في الفضاء، تماماً كما فعل مجتمع الدفاع الصاروخي طوال عقود”.

خامساً- المناورة الفضائية المستدامة: وتشمل القدرة على إعادة تزويد الأقمار الصناعية بالوقود ومناورتها في المدار، وهي وظائف يمكن استخدامها في الصيانة الروتينية أو لأغراض هجومية على حد سواء. وفي مارس/ آذار الماضي، استخدم قمر صناعي تجاري صيني ذراعاً آلية مرنة “لإثبات القدرة على الخدمة المدارية وإعادة التزود بالوقود وإزالة الحطام”، بحسب ما أفادت به قوة الفضاء الأمريكية. وقال ويتينغ: “أقمارنا الصناعية اليوم محكومة بكمية الوقود التي تنطلق بها، ما يولّد عقلية ندرة تجعل الحفاظ على هذا الوقود يطغى في كثير من الأحيان على المناورات القتالية المرغوبة. يجب أن يتغير هذا الواقع. يجب أن نكون قادرين على تفادي التهديدات بفاعلية والمناورة لبلوغ موقع أفضلية على خصومنا”.

وأكّد ويتينغ قائلاً: “نحن قيادة قتالية، ونحارب لننتصر في الحروب. وللفوز، نحتاج إلى نيران حركية وغير حركية معلنة وموثوقة. فهي عنصر أساسي في كيفية ترسيخ تفوقنا الفضائي واستعادة مصداقية الردع”. وأضاف: “يجب أن تكون أصولنا الفضائية قادرة على الإطلاق والمناورة والاتصال، تماماً كبقية عناصر القوة المشتركة، بحيث تُمكّن أصولنا الفضائية القوةَ المشتركة من الإطلاق والمناورة والاتصال. باختصار، يجب أن يقاتل الفضاء بأسلوب القوة المشتركة، تعزيزاً لقدرة هذه القوة على القتال وتقويض قدرة خصومنا على فعل الشيء ذاته”.

ولم يفصح ويتينغ عن طبيعة الخيارات الهجومية الحركية وغير الحركية التي يضعها في الحسبان، غير أنّ كلاً من الولايات المتحدة ومنافسيها الرئيسيين، روسيا والصين، طوّر بالفعل مجموعة من هذه القدرات الهجومية المضادة للأقمار الصناعية.

القدرات الهجومية المضادة للأقمار الصناعية لدى روسيا والصين والولايات المتحدة

تُعد الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية الخيار الحركي الرئيسي في الحرب الفضائية، فيما تشمل الخيارات غير الحركية أسلحة الطاقة الموجهة والليزر والهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية، إضافة إلى أقمار صناعية مزودة بأذرع آلية قادرة على سحب أقمار صناعية أخرى.

وفي المجال الحركي تحديداً، تمتلك روسيا والصين تفوقاً واضحاً على الولايات المتحدة. ففي عام 2007، أجرت الصين أول اختبار لها لصاروخ اعتراض مباشر مضاد للأقمار الصناعية (DA-ASAT)، إذ دمّرت مركبة اعتراض حركية أُطلقت بواسطة صاروخ باليستي قمراً صينياً غير عامل لرصد الطقس يحمل اسم “فنغ يون-1 سي”، على ارتفاع نحو 530 ميلاً (865 كيلومتراً) في المدار الأرضي المنخفض. ومنذ ذلك الحين، أجرت الصين اختبارات متعددة من هذا النوع.

ويُرجَّح أن تكون القدرة الصينية على اعتراض أهداف في المدار الأرضي المنخفض قد بلغت مرحلة النضج، وربما دخلت حيز التشغيل الفعلي على منصات إطلاق متنقلة، في حين لا تزال قدرتها على استهداف أهداف في المدارين المتوسط والمتزامن مع الأرض (MEO وGEO) في مرحلة تجريبية أو قيد التطوير، دون وجود أدلة كافية تحدد ما إذا كانت ستصبح تشغيلية في المستقبل القريب.

ويُعد صاروخ “SC-19” الأكثر شهرة بين منظومات الاعتراض المباشر الصينية، إذ يبلغ مداه الارتفاعي ما بين 1000 و1500 كيلومتر تقريباً، ما يجعله فعالاً محتملاً ضد معظم الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، وقد اختبرته الصين مراراً. كما أطلقت بكين أقماراً صناعية قادرة على “المناورة القتالية” أو سحب أقمار صناعية أخرى خارج مدارها فعلياً.

وإلى جانب ذلك، طوّرت الصين عدداً من القدرات الهجومية غير الحركية المضادة للأقمار الصناعية، من بينها أسلحة الليزر الأرضية، وأجهزة التشويش، والقدرات السيبرانية، وربما أسلحة الموجات الميكروية عالية الطاقة (HPM). وفي العام الماضي، حذّر الجنرال تشانس سالتزمان، رئيس عمليات قوة الفضاء الأمريكية، من أن الصين تعمل بوتيرة متسارعة على بناء ترسانتها من أسلحة مواجهة الفضاء، بدءاً من أسلحة الليزر الأرضية وصولاً إلى أقمار صناعية قادرة على “الإمساك” بأقمار صناعية أخرى، وهي قدرات وصفها بأنها تشكل “تهديداً خطيراً” للولايات المتحدة.

وقال سالتزمان: “بمعزل عن الصواريخ، نشر جيش التحرير الشعبي الصيني عدة أسلحة ليزر أرضية قادرة على تعطيل أجهزة استشعار الأقمار الصناعية أو إضعافها أو إتلافها. ونتوقع، بحلول منتصف العقد الحالي وحتى أواخره، أن يتمكنوا من نشر منظومات ذات طاقة عالية بما يكفي لإلحاق ضرر مادي فعلي بهياكل الأقمار الصناعية”.

وبالمثل، اختبرت روسيا منظومة “نودول” (PL-19) المضادة للأقمار الصناعية عدة مرات، بما في ذلك عملية اعتراض تدميرية ناجحة استهدفت قمراً صناعياً في المدار الأرضي المنخفض عام 2021. كما نشرت موسكو تصاميم أطلق عليها اسم “الدمى الروسية المتداخلة”، رصدت من خلالها أقماراً صناعية أمريكية عالية القيمة وتعقّبتها عن كثب. وتستثمر روسيا أيضاً في منظومات الحرب الإلكترونية، والليزر الأرضي، وأسلحة الطاقة الموجهة، والقدرات الهجومية السيبرانية.

في المقابل، لم تعترف الولايات المتحدة رسمياً سوى بمنظومة “نظام الاتصالات المضاد” (CCS)، وهي منظومة حرب إلكترونية أرضية مخصصة لتشويش الوصلة الصاعدة لأقمار الاتصالات في المدار المتزامن مع الأرض. وقد تمتلك واشنطن قدرات إضافية مضادة للأقمار الصناعية لا تزال سرية، علماً بأن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جو بايدن أعلنت عام 2022 وقفاً اختيارياً لاختبار الأسلحة التدميرية المضادة للأقمار الصناعية ذات الاعتراض المباشر.

ويرى بعض المراقبين أن على الولايات المتحدة إظهار قدراتها المضادة للأقمار الصناعية علناً لردع خصومها. غير أن رفع قيادة الفضاء الأمريكية لملف “النيران الفضائية المتكاملة”، بشقّيه الحركي وغير الحركي، إلى مصاف أعلى أولوياتها القتالية، يشير بوضوح إلى أن واشنطن ستمضي في توسيع قدراتها الهجومية في الفضاء خلال السنوات المقبلة.