“القبة الفولاذية”… كيف تعيد أنقرة رسم خريطة دفاعها الجوي؟

خاص – Defense Arabia

من الواضح أن أنقرة لا تنظر إلى “القبة الفولاذية” Steel Dome كمنظومة دفاعية جديدة تُضاف إلى الترسانة، بل كعمارة متكاملة تعيد ترتيب كافة أدوات الدفاع الجوي التركي تحت قيادة وتحكم موحدين. قد يبدو هذا الفارق تفصيلاً بسيطاً، لكنه يحدد فعلياً طموح المشروع: فتركيا لا تبني منظومة اعتراض جديدة بقدر ما تبني عقيدة دفاع جوي متكاملة، بهدف تصديرها لاحقاً كحزمة واحدة.

بنية متعددة الطبقات

يقوم تصميم “القبة الفولاذية” على مبدأ “نظام الأنظمة”، حيث تُدمج عدة منظومات دفاعية محلية الصنع، يختص كل منها باعتراض التهديدات ضمن نطاق ارتفاع ومدى محددين، ضمن هيكل قيادة وتحكم موحد. ونقلت وسائل إعلام أجنبية عن مسؤولين في شركة أسلسان (ASELSAN)، الذراع الصناعية الرئيسية للمشروع، وصفهم للفكرة بأنها “مفهوم حديث” لدمج الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي بشكل مترابط، على غرار مشاريع “القبة” الأخرى حول العالم، لكن بمقاربة مختلفة في طريقة الربط بين الطبقات.

HISAR-A+ air defense missile system has been delivered to Turkish army

تبدأ الطبقة الدنيا بمنظومة “كوركوت” Korkut المضادة للطائرات قصيرة المدى جداً، تليها “حصار-إيه” Hisar-A و”حصار-أو” Hisar-O لمدى قصير ومتوسط، ثم يأتي نظام “سيبر” Siper طويل المدى المخصص لاعتراض التهديدات الباليستية وشبه فرط الصوتية. وتربط بنية شبكية مركزية هذه الطبقات كلها، لإنتاج صورة جوية موحدة تُغذّيها أنظمة حرب إلكترونية مثل “كورال” Koral و”فورال” Foral، إضافة إلى سلاح “إجدرها” ذي الطاقة الموجهة المخصص لمواجهة أسراب المسيّرات.

هنا بيت القصيد: لم تعد “القبة الفولاذية” مجرد إعلانات رسمية وصور مكونات منفصلة على منصات التواصل. إذ سجّلت منصة Quwa المتخصصة بالشؤون الدفاعية التركية أول اختبار ميداني متكامل للمنظومة خلال مناورات “إيفيس 2026” Efes 2026 بمنطقة سفريحصار Seferihisar قرب إزمير، حيث وُضعت طبقات “سيبر” و”حصار-أو” و”حصار-إيه” و”سونغور” Sungur والحرب الإلكترونية جنباً إلى جنب أمام وفود من خمسين دولة. وهذا الانتقال من الورق إلى الميدان هو ما يفصل “القبة الفولاذية” عن عشرات مشاريع الدفاع الجوي التي تبقى حبيسة المؤتمرات الصحفية.

استثمار بمليارات الدولارات

الأرقام هنا تتحدث أكثر من أي تصريح رسمي: فقد وقّعت أسلسان عقوداً متتالية خلال عامي 2025 و2026 بقيمة تتجاوز مجتمعة 3 مليارات دولار، من بينها اتفاقية بقيمة 900 مليون دولار لتسليم مكونات إضافية بين عامي 2028 و2032. كما وقّعت الشركة في يوليو/ تموز 2026 عقداً آخر بقيمة 1.68 مليار دولار مع هيئة الصناعات الدفاعية التركية، بهدف توسيع الإنتاج التسلسلي لمنظومات الدفاع الجوي، بحسب ما أوردته منصة Quwa.

وتشير منصة TURDEF التركية المتخصصة إلى دخول بطارية “سيبر-1” Siper-1 الخدمة الفعلية، بعد اجتيازها اختبارات قبول حاكت سيناريو ازدحام جوي واقعي، شمل التمييز بين الأهداف الصديقة والمعادية أثناء الاعتراض. وهنا بالتحديد يكمن الفارق بين مشروع دفاعي يُعلن عنه وآخر يُختبر فعلياً تحت الضغط.

تركيا تستكمل اختبارات القبول للإنتاج التسلسلي لصاروخ "سيبر 1" ضمن مشروع  "القبة الفولاذية" - TRT عربي

أين تقف القبة الفولاذية عالمياً؟

يقارن كثير من المحللين الغربيين “القبة الفولاذية” بمشاريع مثل “القبة الحديدية” Iron Dome و”القبة الذهبية” Golden Dome الأميركيتين، وهي مقارنة قد تكون مضللة إلى حد ما إن توقفنا عندها فقط. إذ توضح مجلة ناشونال إنترست الأميركية National Interest أن “القبة الحديدية” صُممت لاعتراض نوع محدد من التهديدات، بينما تحاول المنظومة التركية تغطية طيف أوسع بكثير يشمل المسيّرات والصواريخ الجناحية والطائرات المأهولة والتهديدات الباليستية، ضمن مقاربة “طبقة فوق طبقة” لا تعتمد على منصة واحدة. والفرق هنا يكمن في المنطق الهندسي نفسه، لا في الحجم فقط.

تبقى “القبة الفولاذية” مشروعاً قيد الإنشاء لا منظومة مكتملة، إذ تمتد جداول التسليم الرسمية حتى عام 2032. لكن وتيرة التمويل والاختبارات الميدانية المتلاحقة خلال عام 2026 تقول شيئاً واضحاً: أنقرة لا تبني سلاحاً جديداً فحسب، بل تبني عقيدة دفاع جوي كاملة قابلة للتصدير، وهو رهان أكبر بكثير من أي منظومة اعتراض مفردة.