باب المندب في قلب الحسابات المصرية… ماذا تملك القاهرة لتأمين الممر الأحمر؟

يكتسب مضيق باب المندب موقعًا محوريًا في الحسابات الاستراتيجية المصرية، كونه يشكّل المدخل الجنوبي لممر بحري متصل يربط البحر الأحمر بقناة السويس وخط “سوميد”، وهو من أبرز شرايين التجارة الدولية ومصدر أساسي للعملة الصعبة بالنسبة للاقتصاد المصري، فهو ممر عالمي لتجارة النفط والغاز ويعتبر من أهم “نقاط الاختناق” النفطية بالعالم Chokepoints، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط الخليجي المتجهة لأوروبا وأمريكا الشمالية عبر البحر الأحمر وقناة السويس، بدل الطريق الأطول حول أفريقيا (رأس الرجاء الصالح).

كما أنه بديل استراتيجي عن مضيق هرمز فبعض الشحنات النفطية والغازية تُحوَّل أحيانًا عبر باب المندب كخيار احتياطي إذا تعطّل أو توتّر الوضع بمضيق هرمز. ناهيك عن أنه ممر رئيسي للاتصالات البحرية (الكابلات البحرية) حيث يمر عبر البحر الأحمر وباب المندب عدد كبير من الكابلات البحرية لنقل بيانات الإنترنت بين آسيا وأوروبا، ما يجعل أي اضطراب بالمنطقة (كما حصل بحوادث قطع كابلات سابقة) تهديدًا مباشرًا للبنية التحتية الرقمية العالمية.

فاستقرار هذا الممر لا يقتصر أثره على حرية الملاحة العالمية وحدها، بل ينعكس مباشرة على الأمن القومي المصري، إذ تبقى قناة السويس رهينة استمرار حركة السفن العابرة من البحر الأحمر، فيما يمثّل خط “سوميد” والموانئ المصرية حلقة من منظومة النقل والطاقة والتجارة التي تغذّي خزينة النقد الأجنبي للبلاد.

تحركات مصرية تحت المجهر الإسرائيلي

هذه الحسابات عادت إلى الواجهة مؤخرًا، بعدما رصدت وسائل إعلام إسرائيلية خلال الأيام الماضية ما وصفته بتحركات بحرية مصرية موسّعة قرب باب المندب. جاء ذلك متزامنًا مع تصعيد هجمات جماعة الحوثي ضد سفن مرتبطة بالسعودية، وسط تسريبات عن مبادرة سعودية لبناء تحالف بحري إقليمي تنضم إليه مصر ودول أخرى، بهدف تأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر. وقد رفعت هذه التطورات من منسوب القلق إزاء احتمال أن تمتد التهديدات لتطال الموانئ المصرية والمنشآت الحيوية على الساحل.

بالتوازي، دخلت هذه القراءة في سياق أوسع، فالبحر الأحمر تحوّل خلال العامين الأخيرين إلى واحدة من أشد الساحات البحرية توترًا عالميًا، مع تصاعد ملحوظ في الهجمات بالمسيّرات والصواريخ المضادة للسفن والزوارق المفخخة والألغام البحرية. ودفع هذا المسار عددًا من القوى الإقليمية والدولية لتكثيف حضورها العسكري حماية لخطوط الملاحة التجارية ومنعًا لتوسع دائرة التهديدات، وهو ما تُرجم عمليًا بإطلاق عملية “حارس الازدهار” (Prosperity Guardian) بقيادة أمريكية، وعملية “أسبيدس” (Aspides) الأوروبية، واللتين تستهدفان حماية السفن التجارية وتأمين العبور عبر البحر الأحمر وباب المندب.

ما الذي تملكه مصر فعليًا؟

في مواجهة هذا المشهد، تتكئ البحرية المصرية على منظومة قتالية متكاملة تُعدّ من الأقوى إقليميًا. يتصدّر هذه المنظومة حاملتا مروحيات من طراز “ميسترال” (Mistral)، إلى جانب فرقاطات “فريم” (FREMM) و”ميكو إيه 200″ (Meko A200) وفرقاطات “تحيا مصر”، وكورفيتات “جوويند 2500” (Gowind 2500)، مدعومة بلنشات صواريخ ووحدات من القوات الخاصة البحرية. هذا التشكيل يمنح القاهرة قدرة متكاملة على القيادة والسيطرة والمرافقة، والتصدي للتهديدات الجوية والسطحية على حد سواء، وينفتح على مهام متعددة تمتد من الدفاع البحري إلى الاستطلاع وتأمين خطوط الملاحة.

إضافةً إلى الغواصات الألمانية الطراز “تايب 209/1400” (Type-209/1400)، التي تحظى بموقع خاص ضمن هذه المنظومة بفضل قدرتها على الاستطلاع والمراقبة والعمل السري تحت سطح البحر، ما يجعلها أداة رئيسية لجمع المعلومات الاستخباراتية ومتابعة التحركات البحرية في بيئة عمليات معقدة كالبحر الأحمر.

أما قاعدة برنيس، الممتدة على ساحل البحر الأحمر، فتبقى نقطة الارتكاز الجنوبية الأهم لهذه المنظومة، بما توفره من إمكانات لوجستية وجوية وبحرية متقدمة، وقدرة على الاستجابة السريعة لأي مستجدات في هذا الاتجاه، سواء لحماية السواحل المصرية أو لتأمين الملاحة وصولًا إلى قناة السويس، ما يجعلها منصة الانطلاق الطبيعية لأي مهمة بحرية مرتبطة بأمن البحر الأحمر.

جاهزية دائمة، لا استنفار طارئ

في المقابل، يشدّد خبراء عسكريون مصريون على أنّ القوات المسلحة تحافظ بشكل دائم على درجة عالية من الجاهزية في جميع أفرعها البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي، بوصف ذلك سمة أصيلة في طبيعة عملها ولا وجود “لاستنفار”. ويضيفون أن مفهوم الأمن القومي متحرك بطبيعته ويتأثر بالمستجدات الإقليمية، وأن الحرب في غزة وما أعقبها من توترات في البحر الأحمر أعادا تشكيل البيئة الأمنية للمنطقة بأكملها.

وتذهب تقديرات عسكرية إلى أن أي تعزيز محتمل للحضور البحري المصري في المنطقة لا يعني بالضرورة التحضير لمواجهة واسعة النطاق، بل يندرج ضمن إجراءات روتينية لتأمين الملاحة وردع تهديدات محتملة كالمسيّرات أو الزوارق المفخخة أو الصواريخ التي قد تستهدف السفن التجارية أو المنشآت المصرية.